وداعا ابا الطب .. الدكتور / عبدالحليم محمد عبدالحليم

 


 

 

ahmed.gassim@hotmail.co.uk

الاسبوع الماضي مرت الذكري الخامسة عشر علي وفاة احد شخصيات الجيل الذي سبقنا و اريد ان نذكر نفسنا بمميزات شخصيات ذلك الجيل و ذلك بنشر النعي الذي كتب عند وفاة د. عبدالحليم محمد عبدالحليم و قد نشر في كل الصحف في اسبوع وفاته.

وداعا أباً الطب

توفى ظهر الخميس 16/4/2009 الدكتور عبدالحيلم محمد ... أبو الطب كما كان يلقبه ابناء جيله وبفقده فقد السودان أبرزابناءه عطاءًاً واداءًاً وعلى مدى نصف قرن . شخصية عظيمة متعددة المواهب غزيرة العطاء متوفقة الأداء لا اظن أن هنالك مثيلا لها في هذه الحياه بعد الرسل والأنبياء! فقد أجاد د.حليم وأبدع وتألق في عدة جوانب من الحياه وبلغ القمه في كل مجال من مجالات الحياه العديده التي طرقها واضعاً هدفه تقدم ورفعة وطنه وبكل تجرد وعدم الإلتفات الى المكاسب الشخصية .
فالرجل رحب الاهتمامات ، فهو في الطب الطبيب المتفوَق والبارع ، إذ أنه أول طبيب سوداني ينال شهادة عضوية كلية الأطباء الباطنية واول إختصاصي للأمراض الباطنية وكبير الأطباء بوزارة الصحة ، وقد كان أول سوداني يعين مديراً لمستشفى أم درمان ، كما كان أول سوداني يعين مديراً لمستشفى الخرطوم الملكي . وفي عهده كانت نظافة مستشفى الخرطوم تضاهى فنادق الدرجة الأولى . وكان الإنضباط والنظام فيها مضرب المثل ، وقد شيدت في عهده مستشفى الخرطوم الجديد وقد أشرف على تطوير المستشفى بإنشاء الأقسام المختلفه بها فأنشأ قسم الأطفال وأقسام أمراض القلب والكلى وجراحة العظام ، وقيام بنك الدم وتجهيزه بكل المعدات اللازمه ، وقسم المختبرات ، كما أشرف على قيام مستشفى الشعب للأمراض الصدريه ومستشفى الأمراض الجلدية ، وكانت كلها تتبع لإدارته وقد أشرف على تدريب الأطباء وإرسالهم الى بعثات دراسية إلى بريطانيا لنيل التخصصات العليا .
وكان يعرف بإنضباطه وإلتزامه الصارم بأخلاقيات المهنة وعلاقاته المهنية مع زملائه الأطباء وعلاقاتهم الواسعة بالأطباء في كل انحاء العالم ، حيث كان استاذاً زائراً لكثير من الجامعات العالمية ، وقد استمر مديراً لمستشفى الخرطوم منذ العام 1953م إلى 1965م ، حيث عيَن بعد ثورة أكتوبر عضواً في مجلس السيادة . ودكتور حليم أول رئيس لنقابة الأطباء المنتخبة ، التي كانت تسمى وقتها الجمعية الطبية، منذ انشائها في عام 1949 وحتى عام 1965 م . وأسهم في إعداد اللوائح والقوانين التي تسير عملها وشارك باسمها في كثير من المؤتمرات العلمية العالمية وكان للسودان الدور الريادي في مجال العمل الطبي النقابي على مستوى دول العالم الثالث .
وفي السياسة كان إهتمامه واضحاً منذ العشرين من عمره حيث انشأ مع أبناء عائلته واصدقائهم جمعية الهاشماب الادبية، وقد كان معجباً هو ورفيق دربه وابن عمته محمد أحمد محجوب بالاشتراكية الفابية وقد ظهر ذلك في كتاباتهم في مجلة الفجر التي انشأتها جمعية الهاشماب الأدبية عام 1934 م وبرئاسة المبدع عرفات أحمد عبداالله ، فكانت الفجر منبراً لنهضة فكرية وحضارية ، وقد بذل د. حليم مع الآخرين الجهد الكبير لغرس الروح القومي في النفوس وحب الوطن والبعد عن التبعية للأفراد والجماعات الطائفية والعشائرية ، كما كانوا يوجهون النقد إلى الحكومة البريطانية نقداً علمياً من دون مواربة وتبليس ، وقد أولت الفجر التعليم أهتماماً خاصاً حيث دعت الى رفع مستواه ومراحعة المقررات لتكفل مستقبلاً تعليمياً وثقافياً زاهراً للسودانيين ، وطالبت بتوفير التعليم العالي بإعتبارة السبيل الوحيد لإعطاء السوداني فرصاً أحسن في حكومة بلاده ، وقد تحقق لهم ذلك ، فكان موظفو الخدمة المدنية في عهدهم على أعلى درجة العلم والمعرفة مما أهلهم لاحقا للإسهام الكبير في بناء العديد من دول الخليج واليمن والسعودية .
كان د. حليم من الشباب الثائر واسع الاطلاع يقرأ ما يحمله بريد الغرب وما يحمله بريد العرب من كتب وصحف ومجلات ، وكان من المؤمنين بالتزاوج بين الثقافتين الأوروبية والعربية سبيلاً للسمو بالمدارك والآفاق ، وكان د. حليم يكتب بانتظام في مجلة الفجر في العلوم والآداب والمسرح والسينما كما كان يكتب باباً للقصة القصيرة وباسماء مستعارة لجذب القراء من كل حدب لمتابعة مجلة الفجر .
لقد كان اديباً مميزاً يتميز بجمال الأسلوب وسلاسة العبارة يتدفق أسلوبة وتنساب عباراته دون صعوبة وقد شارك صديقه ورفيق دربه المحجوب في كتابة (موت دنيا) في أربعينيات القرن الماضي .
ويظهر في هذا الكتاب مدى حبه للوطن والذي لا يضاهيه حب ، وقد وجه كل طاقاته لحب الوطن فيقول في الكتاب " نفضنا ايادينا من الحب الى حب البلاد ، وقد شغلتنا مطالب البلاد عن معاودة دنيانا الحبيبة لقد نعمنا بهواء هذه البلاد وهواها وتشبعنا بحبها فلا غرو وإن دعانا كل ذلك لنترك شوؤن اشخاصنا الفانيه في سبيل امتنا الباقية " فقد كان أديباً ومفكراً وكاتباً ، سخَر قلمه لفكره السياسي المتمثل في القومية السودانية والبعد عن الحزبية الضيقة فهو القائل (إن حزبه هو حزب الأمة السودانية بأسرها ولا يرضى بدون ذلك ) .
وقد طاف أنحاء السودان المختلفة لمعرفة نواحي الحياة في جميع البلاد خصوصياً بعد أن قرر الولوج في عالم السياسة هو ورفاقة بكل قواهم بعد معاهدة عام 1936 م التي كانت بين الحكومة البريطانية والحكومة المصرية من أجل السودان من دون مشاركة السودانيين في المفاوضات خصوصاً وقد لخصت المعاهدة هدفها ( من أجل رفاهية الشعب السوداني ) ، فاستفز ذلك الوجدان الوطني لديهم وأصيبوا بقدر كبير من الأحباط وخيبة الأمل ، لأن المعاهدة كرَست الحكم الثنائي القائم على اتفاقية عام 1899م ولأنها تجاهلت الطموحات الوطنية السودانية ، فطالبوا في مجلة الفجر بأن تكون للسودانيين إرادة يعترف بها وتستشار وتحترم ،ولأن الأحداث أخذتهم على حين غرة أخذوا يتشاورون في مجالسهم الخاصة عن إحدى الطرق للمطالبة بهذه الحقوق ، فاتفقوا على أنه لا سبيل إلى ذلك بدون وحدة الخريجين . ومن أجل ذلك جاءت ولادة مؤتمر الخريجين في عام 1938م .
كان د. حليم من مؤسسي مؤتمر الخريجين وقد اتنخب عضواً في اللجنة الستينية للمؤتمر في دورته الاولى ، ومن ثم في كل الدورات حتى الثامنه حيث سافر بعدها الى بريطانيا في بعثة لنيل الشهادة العليا في طب الباطنية ، وقد كان عضواً في هيئة تحرير مجلة (المؤتمر) لسان حال مؤتمر الخريجين ، كما أسهم في لجنة التعليم الاهلي ، وقد تبرع بمال حفل زواجه لصالح يوم التعليم الذي كانت تجمع فيه التبرعات وتقام الاسواق الخيرية لدعم التعليم الأهلي وتاسيس مدارس جديدة .
وقد شارك د. حليم في صياغة مذكرة الخريجين الشهيرة في عام 1942م مع أحمد يوسف هاشم وأسماعيل الأزهري وعبدالله ميرغني وأحمد خير ، وكانت فكرة المذكرة قد جاءت من أبو الصجف أحمد يوسف هاشم ، وقد تضمنت (12) مطلباً كان أهمها منح السودان حق تقرير المصير بعد الحرب العالمية مباشرة .
كان د.حليم ورفاقه – في أوقات فراغهم في ثلاثينيات القرن الماضي – يرتاودن الصالونات التي يلتقي فيها الأدباء والشعراء وهم يترنمون بالشعر الجميل ويتحدثون في كل ألوان الأدب الرفيع والفن التشكيلي ويتخلل ذلك الغناء بقصائد شعراء الجيل وما قبلهم فيقضون اوقات فراغهم في سمر برئ ممتع وجو شاعري ، وكانت هذه الصالونات في مدينة أم درمان العريقة مثل صالون مدام دي باري وصالون وحيد أبن الرومي وهي تيمنا بصالونات مصر مثل صالون الأميرة نازلي وصالون عائشة التيموري وصالون مي زيادة والعقاد وصالونات بيروت ، ومن هذه الصالونات الأمدرمانية خرجت كثير من القصائد الوطنية الرائعة مثل قصيدة " في الفؤاد ترعاه العنياه بين ضلوعي الوطن العزيز ) للشاعر الكبير يوسف مصطفى التني التي خرجت من صالون مدام دي باري ، وغيرها من القصائد لخليل فرح ، كما كانت هذه الصالونات تستغل للإجتماعات السياسية والثقافية ، وكم سعدوا في ذلك الجو الجميل السامر والأدب الرصين المتوهج والفن والغناء وقضوا لحظات تحمل بين طياتها المتعة الحلوة البريئة والأهتمام بقضايا الوطن .
كان لدكتور حليم دور بطولي مشهود في ثورة أكتوبر حضره وشاهده معظم طلبة جامعة الخرطوم الذين حضروا صبح 22 اكتوبر لمستشفى الخرطوم عند السماع بمقتل الشهيد القرشي ، وقد صدر توجيه في الجامعة بأن يذهب الطلبة الى المستشفى في الصباح الباكر لإستلام جثمان الشهيد القرشي وتشييعه في موكب يتحرك من المستشفى الى ميدان الآمم المتحدة لتسليم الجثمان لأهله .
أذكر كنا جلوساً على الارض أمام باب المستشفى في إنتظار حضور ممثلي الجبهات المختلفة ، عندما حضر قائد الشرطة (آبارو) وقد دخل المستشفى ومعه بعض العساكر لأخذ الجثمان والذهاب به لإفشال الموكب ، فتصدى لهم د.حليم وطرد قائد الشرطة من المستشفى وصاح فيه على مسمع من الشهود (Get out of my premises) وفعلاً خرج قائد الشرطة يجر أزيال الهزيمة وبذلك تم تسيير الموكب ، وقد كان ذلك الموكب الشرارة الشعبية الحقيقية لثورة أكتوبر فلولا موقف د.حليم لما إنطلقت تلك الشرارة.
بعد استقلال السودان ، وهو ما كان يسعى له د.حليم حيث انضم الى الجبهة الاستقلالية التي تدعو بشعار السودان للسودانيين ، مقابل الجبهات الإتحادية التي تدعو إلى الاتحاد مع مصر مع التاج المصري ، اتجه د.حليم إلى العمل الإداري والمهني والأجتماعي والرياضي ، وقد تم إنتخابه عدة مرات رئيساً لمجلس بلدي الخرطوم فكانت مدينة الخرطوم في ايامه من أنظف وأجمل بلاد أفريقيا وأكثرها أمناً وحضارة يأتيها الأجانب والسواح لقضاء إجازتهم القصيرة .
وقد كان د.حليم عضواً في مجلس إدارة جامعة الخرطوم منذ أن كانت تسمى كلية الخرطوم الجامعية وتتبع إلى جامعة لندن إلى أن أصبحت جامعة الخرطوم بشخصيتها المستقلة في عام 1956م ، وأصبح د.حليم أول رئيس لمجلسها وقد أنتخب لهذا المنصب فأشرف على كل خطوات تطورها وأسهم في الأعتراف الدولي بها ، لما كان يتحلى به من مكانة عالمية مرموقة بسبب نشاطاته العدية من مجال الطب والرياضة والأجتماع ، وقد شارك د.حليم بالإعداد للخطة العشرية لتطور السودان التي بدأت في عام 1950م وهو برنامج السنوات العشر الذي وضع لتأهيل وتدريب الكوادر الوطنية التي ستقود البلد في مرحلة ما بعد الإستقلال ووضع الإستراتيجة لتطوير الخدمات وتنمية قطاع الإنتاج في البلد ، وانعكس ذلك في الوضع الأقتصادي المميز للسودان في فترة الستينيان .
وكذلك أنتخب د.حليم عدة مرات رئيساً لاتحاد الفروسبة ونادي سباق الخيل بالخرطوم لما عرف عنه من قدرات إدارية عالبة وهمة ومثابرة في تجويد كل ما هو مسؤول عنه !
ولم يقتصر اهتمام د.حليم بالجانب المهني والسياسي والأجتماعي بل تعدى هذه الجوانب إلى الأهتمام بالرياضة والفن ، فقد عرف عنه شغفه وولعه بكرة القدم ، وكان من لاعبيها ومشاهديها في ميدان بيت الأمانة بأم درمان ، وكان يقوم بعلاج اللاعبين عند الإصابه وفي عام 1953م تم اختيارة أول رئيس للأتحاد العام لكرة القدم عندما أتفق جميع الرياصيين على سودنة هذا المنصب ،وبعثوا بمذكرة للحاكم العام بذلك ولم يجدوا أنسب من د.حليم لتولي هذا المنصب ، ولم يكن السودان عندئذ على خريطة العالم لرعاية الشباب والالعاب الرياضية فرهن د.حليم منزله ليمول تأسيس لجنة الأولمبياد القومية في السودان حتى يتسنى لها أن تلحق بالإتحادات الاقليمية والعالمية .!
وفي عهد رئاسنه الإتحاد العام لكرة القدم تم أنشاء أستاد الخرطوم وعمل على وضع القوانين واللوائح التي تنظم عمل الرياضة ، كما عمل على دعوة الفرق الأجنبية لتتبارى مع الفرق المحلية حتى تكتسب الفرق السودانية الخبرة العالمية ، وجيلنا يذكر تفاصيل زيارة فريق الهونفيد المجري ولاعبية بوشكاش وبوجيك والرد ستار الروسي .
وفي عهده كذلك وبمبادرة منه تم إنشاء الإتحاد الأفريقي في عام 1957م بعضوية السودان ومصر واثيوبيا وقد أصبح د.حليم رئيساً للإتحاد الأفريقي في عام 1968م حيث تم أختياره بالإجماع ، وفي عهد رئاسته فاز السودان بكأس الأمم الأفريقية عام 1970م وهو العام الوحيد الذي حصلنا فيه على هذا الكأس ، وقد اصبح د.حليم رئيساً فخرياً دائماً للاتحاد الأفريقي وعضواً دائماً في الفيفا ، كما أن د.حليم رعى قيام منظمة الكشافة السودانية التي كانت موجودة في كل بقاع السودان وفي عهده ازدهرت وظهرت الكشافة البحرية ، وشارك في مؤتمراتها الدولية ، وكان يؤمن بأنها خير وسيلة لتربية النشء على التعاون والقيم النبيلة .
وكان د.حليم يهتم كثيراً بالفن والفنانين وكانت له علاقات حميمة مع معظم فناني جيله ومعروف عنه أنه أكتشف الفنان حسن عطية ، ويحكي أنه عندما كان طبيباً حديث التخرج ويسكن في ميز الأطباء أنه ذات يوم أثناء ذهابه إلى المستشفى وجد شاباً صغير السن يحمل عوداً فوقف وسأله اذا كان يجيد إستعمال العود فرد الشاب بأنه يعرف العزف على العود فدعاه للحضور مساء ذلك ليغني لهم في الميز فتذوق د.حليم غناء ذلك الشاب الذي كان من بعد الفنان حسن عطية .
وأخيراً تجدر الإشارة إلى أن د.حليم ينتمي الى عائلة الهاشماب العريقة وقد سمي على جده عبدالحليم مساعد هاشم أحد أمراء جيش المهدي الذي حارب مع الأمام المهدي من الجزيرة آبا إلى الخرطوم ، وكان المسؤول عن إضعاف جيش هكس باشا بتضليله عن الطريق الصحيح ودفن آبار المياه في طريقه وإستدراجه منهكاً إلى شيكان حيث أبيد الجيش عن بكرة ابيه ، وكان قائداً لإحدى الفرق الأربعة التي حاصرت الخرطوم حتى سقوطها وهو القائد الثاني في جيش ود النجومي الذي أرسله الخليفة عبداللَة الى مصر وقد أستشهد في معركة توشكي .
نشأ د.حليم في أسرة تعيش في وسط ثقافي وعلمي وديني فقد ولد في حي الهاشماب بأم درمان عام 1908م ورب الأسرة هو الشيخ ابوالقاسم أحمد هاشم مؤسس المعهد العلمي وشيخ العلماء (1912-1934م) ومعه أخوه الشيخ الطيب أحمد هاشم أول مفتي للديار السودانية (1900-1924م) وبقية اخوتهم قضاة وشعراء كما جاء في معجم شعراء السودان .
وبدأ دراسته بالخلوة كبقية أقرانه ثم ألتحق بالمدرسة بأم درمان وتخرج منها أول دفعته وألتحق بكلية غردون قسم المحاسبة في العام 1924م قبل أن يتجه إلى دراسة الطب التي تفوق فيها وتخرج أول دفعته في العام 1932م.
رحم الله د.حليم رحمة واسعة لما قدمه لوطنه وأباء جيله ومن بعدهم من العلم والمعرفه ووضع الأساس القويم للدولة السودانية والعزاء لأهله ولكل أهل السودان

بقلم د. احمد عزالدين ابوالقاسم

 

آراء