فيضان العمل والتزامات الحياة كانت تغمرني إبان سنواتي الأولى بدبي، للحدِّ الذي ضعفتْ فيها مقدرتي على التذكر، فكم من مرة وجدت صعوبة في تذكر ملامح مدينتي الصغيرة بورتسودان كما وأيضاً وجوه بعض الأصدقاء وإيقاع كثير من الذكريات، كانت التحديات كبيرة جداً، أكبر من عمري، وأقوى من تحملي؛ ولكني استمررتُ، وما كان يسندني سوى بعض الأقدار الجميلة في لقاء بعض القلوب العامرة بالجمال، تلك التي وضعها الله في طريقي وكان القدال أكبرها قلباً وأعظمها جمالاً .
تعرفتُ عليه وجهاً لوجه في دبي، كان يزور شقيقته الدكتورة نجلاء التي يحبها كثيراً، كما وقد عرفني على زوجها، ويومها أحسستُ أنني قد عدتُ إلى السودان حيث دفء العشيرة والأهل، سلامة الصدور والقلوب، وجمال الأرواح الشفافة، لم تمكنني ذاكرتي المغمورة من الربط بين اسمه ورسمه واسم ورسم ذلك الشاعر الكبير الذي ملأ الفضاءات والأمكنة شعراً، ونثراً، ومعانٍ. لقد حبستُ نفسي خلف ذاك الدفء الذي أحسسته، وكأني قلتُ ربما هو من تلك العائلة وغير مهم عما إذا كان أنه هو أو غيره، المهم تلك الإنسانية والأريحية والتواضع والإحساس بالانتماء، فحينما أكون مع القدال أشعر أنني في حضرة وطني بالكامل، يمنحني إحساس الدعاش وصوت السواقي ومقالدة الطيبين.
جرت الأيام وجاءت فكرة العمل، كنت متحمساً لها كما ولو أنني أريد أن أُبْقِي الوطن بجواري، فقدمت الحبيب إلى الحبيب، نعم إنه هو الذي رافقني لسعيد لوتاه يوم إحدى الإفطارات الرمضانية، فكانت جلسة الفكر والمقابلة، ثم أصبح مستشاراً إعلامياً له لشهور عديدة؛ لكنها لم تتجاوز الستة أشهر، وذلك لأن القدال كانت تجذبه أرض الوطن الكبير كي يعود إليها، فجاءني ذات يوم بمكتبي وقد حزم قراره: أسامة أنا قررت العودة للسودان، لا أستطيع .. هذا كل ما قاله لي؛ ولكن كان واضحاً أنه قرار حاسم من شخص هو أكبر من أن يكون بعيداً عن التراب الذي أحبه، وأعظم من أن يمضي عمره في الأحلام الأنانية أو الصغيرة، لقد كان وضعه الوظيفي جيداً؛ ولكنه عاد إلى السودان وعدتُ أنا صغيراً تغمرني فيضانات الاغتراب .
في تلك الفترة كان يحلو لي أن أصحبه بسيارتي إلى بيته بالشارقة ثم أعود إلى دبي، الطريق إلى الشارقة في المساء مزدحم ومكتظ بالسيارات؛ ولكني معه كنتُ لا أحس بالإرهاق، فنمضي الوقت في حديث خفيف جميل، كأنه كان يأتي من أرواحنا، حتى في اللحظات التي كنا نتناول فيها “مناقيش” الجبنة الحارة، تلك الفطائر التي كان يحبها ويذكرني بها كلما التقينا .
وفي موعد عودته إلى السودان قال لي: “والله لا أعرف يا أسامة؛ ولكن أغلى حاجة عندي في الدنيا دي أبوي، ولك مني وعد حينما تجي السودان أسوقك ليه” وظل ذلك الوعد كحلم عصي على التحقيق لا لشيء سوى لطوفان الاغتراب وبعادي عن الوطن، كنت وقد بقيت طوال السنوات أزور السودان ” خطفة رجل” وبنصف ذاكرة ثم ينحسر الزمن، ولكني كنت في كل مرة أحرص على رؤيته، فذات مرة خطفتُ رجلي إلى منزله في منتصف الليل، وحين دشنت كتبي قبل عشرة أعوام بالخرطوم؛ حضر وألقى خطاباً مطولاً على منصة التدشين، ثم قرأ قصيدته شقيقة قصائده في الدهشات “أنا ما بجيب سيرة الجنوب” ووقتها قال لي إنه الإلقاء الثاني للقصيدة في العلن.
حينما نلتقي بالعظماء ننشغل أحياناً بحبس اللحظات معهم بالتصوير؛ ولكن مع القدال كثيراً ما أكون مشغولاً بحضوره وبتفاصيل الإحساس الماتع الذي يمنحه لك، لم أوثق زيارتي له بمكتبه حينما كان مديراً لإحدى المدابغ، فيومها أخذني معه في سيارته بكل جمال وأريحية الإنسان السوداني ثم اتصل بزوجته الوفية: ” عندك شنو للغداء أنا جاي ومعاي زول جميل ” قلت له والله أنا كفاي أخد لي نومة أنا مرهق منذ أن تركتني، ولكنه واصل في حديثه البسيط الممتع مع زوجته : ” إعجني باقي كسرتك ولو عندك باقي ملاح بايت ختيه وأنا بغشى أجيب معاي لحمة” وفعلاً اشترى اللحمة من مجزرة على الطريق العام، كان جميلاً متواضعاً لحدِّ الدهشة، وفي بيته نمت قبل الغداء نومة هانئة لا زلت أذكرها، كأنها كانت قطعة من الجنة .
في آخر زيارة لي للسودان في أكتوبر 2019 قلت لجميع من معي، أمامي أن أزور قبر الطيب صالح وأن ألتقي بالقدال أعزيه كفاحاً في والده، فلا يمكنني الاكتفاء بعزاء الهاتف، لقد حرمني طوفان الاغتراب من أجمل أحلامي الإنسانية أن أزور معه والده، ولكني يومها فعلت، فقد زرت قبر الطيب صالح ثم ذهبت للقدال في مكتبه ..
ومن على شرفة المكتب الذي كان فيه، سمعت صوته كما ولو أنه نداء الوطن ” بالصديري يا أسامة ” فقلت في مزيج من الحزن والمزاح : أحببت أن ألتقيك بما تحب وأعزيك في من تحب، ثم التقينا وكان آخر لقاء، جرى حديثنا فيه كمقتطفات من الحياة والذكريات، لم ننسَ وقتها أيام الشارقة و” الجنبة الحارة “، صنع لنا شاياً بنفسه، كنت مستمتعاً برؤية خصال الإنسانية وهي تسعى أمامي لحماً ودماً دون حجاب، تبرع مَنْ معي باحتباس اللحظات بكاميرا هاتفه وأحمده أنه فعل ..
وحين ودعناه وهبطنا درجات السلم تذكرت عند الباب الخارجي أن هناك أمراً كنت أريده فيه فقلت لمن معي انتظروني هنا سأعود حالاً، وصعدت إليه، ومن غرائب الأمر أنني بحثت عنه في كل مكان ولم أجده، بحثت عنه في مكتبه، وفي ممرات المكاتب، وفي المقصف الداخلي حيث صنع لنا فيه الشاي، ثم انتظرت، وتعللت بالسؤال عن بيت الأدب، وإذْ لم يكن معي رصيد في هاتف السودان عدت أدراجي إلى من معي وفي السيارة هاتفته بجوال صديقي، فضحك وقال لي: كنت في مخزن الكتب، لم يحجبني عنه مخزن الكتب، ولا ما كنت أريده فيه، بل حجبني انتهاء لحظات الحياة، لم يكن هناك متسع لي أن أراه كفاحاً مرة ثانية، لقد انتهى العمر والفيضان مستمر ..
إنا لله وإنا إليه راجعون ..
سيخبرك الله اليوم وأنت في ضيافته أنني قد أحببتك فيه كثيراً، ولا بُدَّ أنك ستطلب منه أن نكون سوياً تحت ظله، لا بل ستكون كريماً كعادتك، ستنادي الرب العظيم أن تكون معك ملايين القلوب التي أحبتك، بل وذرات تراب كل الأوطان التي أحبتك وستبقى .
أسامة رقيعة ، دبي
الخامس من يوليو 2021م
⚫ وداعاً عيسى الحلو ..
عيسى الحلو مثل الكرستال صلب ولطيف ونقي وصافٍ، حينما تقترب منه وتحاوره تكتشف أن النظرات الحادة التى تبدو عليه و” الكارزما” الصارمة التى تكسو لغة بدنه هي لم تكن موجهة نحوك أبداً، بل إنها ضد الجهل والتراخي المعرفي والإنساني، عيسى الحلو يتحدث إليك بعمق الناقد الماهر ، وخيال الروائي الحاذق، ثم يغمرك بلطفه الإنساني ..
لا يجاملك أبداً مهما أحبك، ولكنه لا يجرحك، يتواضع حينما يقدم لك المعلومة الجديدة ثم يتطلف ويقول لك دعنا نتحاور، المحاورة هي المهمة، أدهشني عند أول وآخر زيارة مني له في بيته بحي الجامعة، كان وقتي ضيقاً كعادتي حينما أزور الوطن، ولكن المشافهة معه منحتني إحساساً بالاتساع والأبدية، أدهشني اهتمامه بالمعرفة والكتاب، فهو يهديك الكتاب بإحساس الجواهري الذي يقدم لك ماسة ثمينة، في اليوم التالي أصر على أخيه الصالح القاص صديق الحلو بأن يقطع المسافات الطويلة لكي يلحق بي في المطار ويهديني “ريش البغبغاء ” هذا الإصرار غمرني بلطف أحسسته كثيراً، أما حينما أصر على صديقه الشاعر الكبير الصادق إلياس بضرورة اللقاء بي، وكان قد وفد إلى الامارات كأحد ضيوف معرض الشارقة للكتاب أحسست أنه أراد أن يقول لي أن له ماسة أخرى، صديق صادق، ولقد تأكد لي ذلك حينما كتب لي آخر مخطوطة بخط يده ووصلتني كصورة عن طريق واتساب ابنته يصف فرحه بنبأ تكريمه من قبل حاكم الشارقة، فقد وصفني بالصديق الحقيقي :
الابن العزيز والصديق الحقيقي .. أسامة رقيعة
أنا في حالة من الفرح الطفولي الذي يمكن أن تفسده الثرثرة ويقلل من وهجه البوح الصريح
المهم .. أن أهلك الطيبين .. زواخرك العرب .. قيل الشارقة ستقوم بالتكريم .. كواحد من الكتاب العرب الذي من الممكن أن يعطوا شيئاً .. أنا ومعي زمرة من رفاق السفر وسنوات البحث عن الهوية والوطن وبطاقات السفر المباحة لكل أنحاء الوطن العربي الذي شاركنا أنت وكثيرون من الموجودين … أولئك الذين أشعلوا أضواء الربيع العربي
وهنا أفرح بك … كما أفرح بكل العروبة التى تحتفل بها إمارة الشارقة الشقيقة .. والآن هيا .. يا كاتب يا موهوب ليتم نسج ثوب الجمال والخير والحقيقة
عيسى الحلو
( توقيع)
مع تحيات أفراد الأسرة..
توقفت كثيراً حين وصفني بالصديق الحقيقي .. ثم أدركت أن ذلك ينبع من تقديره لقيمة الصداقة والأصدقاء ، ليس هذا فحسب فحين تأملت جوانحه النقية التى تعبأت بالفرح الطفولي عند بلوغه نبأ التكريم لم يكن الفرح لشخصه، وإنما لأنه ” كواحد من الكتاب العرب الذي من الممكن أن يعطوا شيئاً” لقد أنفق عيسى الحلو جميع عمره في العطاء وحتى وهو في الثمانين من عمره لا يفرحه شئ سوى شعوره بثقة من حوله أنه قادر على العطاء .
ليس يسيراً عليَّ ولا على الكلمات، أن تشمل عيسى الحلو صاحب العقل الباهر ، والرؤية الموسوعية، عبقري الثقافة السودانية إلا أنه قد يبدو يسيراً عليَّ أن أذكِّر بلادي وجميع بلاد العرب أن الثروات في قلوب أبنائها وعقولهم، وأن التاريخ لا يصنعه المجهود الفردي وأن عيسى الحلو ترك إرثاً من المواقف والمعارف جدير بها أن تخلد وتكرم ..
اللهم ارحم عبدك عيسى الحلو بقدر وطنيته وإيمانه بعروبته ..
وإنا لله وإنا إليه راجعون .
أسامة رقيعة دبي ، ٦ يوليو ٢٠٢١م
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم