وشرعوا في تزوير تاريخ الترابي.. بلا وازع! .. بقلم: عثمان محمد حسن
9 مارس, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
127 زيارة
osmanabuasad@gmail.com
على شاشات التلفاز جلاليب فائقة الترف.. و عمم مطرزة بخيوط من حرير
ترفرف.. و العيون مذهولة.. و شالاتٌ تناطح شالاتٍ على الأكتاف.. و مقرئ
يتلو آيات من القرآن الكريم.. آيات تنذر الجلاليب والعمائم و الشالات
أن:-” كلوا و تمتعوا قليلاً إنكم مجرمون؟؟”.. كلمات موجهة لا يخطئها
القلب.. و في المنشية ( جماعات) تبكي و تولول على الفقد الجلل.. و الآيات
تُتلى على قنوات التلفاز و محطات الاذاعة.. و نحن في تلك اللحظة نعايش
أحداث يوم آخر، يوم لا بد آتٍ و إن طالت القرون!
جاء الموت يوم السبت بهيئة صادمة، توقفت ساعات ( جبابرةَ) المؤتمر
الوطني وقفات تأمل مع الذات.. إذن الموت ما زال موجوداً.. و هو لا يعترف
بالزمان و ليس أمامه حواجز تمنع الولوج إلى أي مكان.. و لا زاجر يحذره من
أن يزور من يشاء متى شاء..
تلك وقفات تأمل مع الذات غيبتها السلطة و الثروة و الجاه سنين عددا .. و
تنافَس في تغييبها علماء السلطان و مستشاروه.. و ثُراة المال الحرام
الواهبون السلطان بضائع ليست ملكهم.. و السلطان لا يستحق!
و مع أن الموت لا يتوقف.. إلا أن مزوري التاريخ لا يخشونه، فسرعان ما
يسبغون على الميت كل الفضائل و يحجبون كل الرذائل.. و تغيب الحقائق في
جوف الزمن.
أسبغ أحدهم على الترابي صفة ( رجل القرن) و لم يتردد في أن يضعه في مصاف
الصحابة دون وجل.. و مزوِّر آخر يقول عنه أنه أعظم مفكر اسلامي.. و
يتنافس المزوِّرون في الاعلاء من شأنه إعلاءً يكاد يلحفه بمرتبة الكمال..
إنهم يشرعون الآن في كتابة تاريخ الراحل/ حسن عبدالله الترابي من زاوية
التزوير مثلما أحدث ( سابقوهم) ما لا يمكن تقويمه من تزوير في تاريخ
السودان.. فتأتي الأجيال القادمة لتجابَه بتضاربات بين المكتوب بين يديها
من تاريخ و بين حقيقة الأشياء في بيئة ( عصر) الترابي ( رجل القرن) ذي
الإنجازات التي جعلت الانسان السوداني مجرماً خطيراً ينتظر التحقيق في
غرفة الحجز في كل موانئ و مطارات الدنيا، و تحيط بجواز سفره كميات هائلة
من الشك و الريبة المستدامة..
ليس من الغريب أن يتم تزوير تاريخ السودان.. فليس في بعض ما تم تأريخه
عن المك نمر سوى كثير تغبيش.. و كم تصارعت الفانتازيا مع الحقائق في سيرة
الزبير باشا الذاتية.. و غير هذين تتشابك الأكاذيب مع الحقائق عند ركن (
تأريخ) ما لم يحدث في التاريخ..
و لا زالت الحيرة تحاصر بعض الملابسات المحيطة بالترتيبات السابقة لحريق
اسماعيل باشا في شندي.. و نظل نبحث عن الحقيقة في لجٍّ عصي على
الباحثين.. و قد تتساءل عن دور رعية المك نمر في شندي حين كان المك يهيئ
( الجو) لترفيه الجنود الأتراك بالخمر و الفتيات.. و يقال أن بعض قواد
الجيش التركي كانوا ( مثليين)، فكان لا بد للمك نمر أن يلبي طلبهم بإحضار
بعض الغلمان إلى حفل الترفيه.. و يقال بأن المك نمر لم ( يهرب) من
الأتراك.. و لكنه هرب من عشيرته التي ثارت عليه و على الأتراك السكارى،
فأحرقتهم و نجا هو و الأقربون من العشيرة.. و توقف تاريخ المك عند نقطة
الهروب.. فلم نسمع أنه سعى لإعداد جيشٍ مقاوم للغزاة.. و لم نسمع أن
الدفتردار ( اجتهد) في مطاردته للانتقام منه.. و لكن الدفتردار ( اجتهد)
في إبادة جماعية و تعسف حقود انتقاما من عشيرة المك نمر في شندي و ما
جاورها!
و يستمر تزوير التاريخ عن بطولات الزبير باشا رحمة.. و عن فروسيته.. و عن
حمايته ( للزنوج) في بحر الغزال من بعضهم البعض.. و عن الوحوش الضارية
التي صارعها الزبير و صرعها.. و عن تجارته في العاج ( فقط) بعيداً عن
ممارسة تجارة الرقيق و بعيداً عن ( اصطياد) العبيد في بيئة قوامها مؤسس
على تجارة الرق!
تزوير التاريخ لن يتوقف عند إضفاء صفات تكذبها قرائن الأشياء على الترابي..
ربما نكون نحن مخطئين في تقديرنا.. و يكونون هم على صواب.. مع أن قرائن
الأحوال في السودان تقول عن الترابي كل شيئ.. كل المساوئ التي يذكرها
عامة الناس.. و لو كان الرسول الأعظم بين ظهرانينا لقال:- ( وجبت!)
تأكيداً على مساوئ الترابي و مشروعه الحضاري الذي ( بعثرنا في كل وادٍ)..
فقط، نرجو من مزوري التاريخ و الجغرافيا أن لا يفرضوا علينا حديثاً
ضعيفاً يعظنا بذكر محاسن موتانا دون مساوئهم! فلو كان الحديث صحيحاً،
لنهى الرسول ( ص) الصحابة عن ذكر مساوئ أحد الموتى المحمول على الأكتاف
في الطريق إلى الدافنة، بل أيد ما ذكروه تأكيداً على أن شهادة المعاصرين
شهادة عُدول (وجَبَت!).. و كان قال قبلها نفس الكلمة (وجبت)، حين ذكر
الصحابة محاسن ميت آخر..
إن في عدم ذكر المساوئ تزوير و تشويه للتاريخ.. و هدر لأهم موارد العظات
و العبر للأجيال القادمة.. و بلاش نفاق!