وشرعوا في تزوير تاريخ الترابي.. بلا وازع! .. بقلم: عثمان محمد حسن


osmanabuasad@gmail.com

    على شاشات التلفاز جلاليب فائقة الترف.. و عمم مطرزة بخيوط من حرير
    ترفرف.. و العيون مذهولة.. و شالاتٌ تناطح شالاتٍ على الأكتاف..  و مقرئ
    يتلو آيات من القرآن الكريم.. آيات تنذر الجلاليب والعمائم و الشالات
    أن:-” كلوا و تمتعوا قليلاً إنكم مجرمون؟؟”.. كلمات موجهة لا يخطئها
    القلب.. و في المنشية ( جماعات) تبكي و تولول على الفقد الجلل.. و الآيات
    تُتلى على قنوات التلفاز و محطات الاذاعة.. و نحن في تلك اللحظة نعايش
    أحداث يوم آخر، يوم لا بد آتٍ و إن طالت القرون!

    جاء الموت يوم السبت بهيئة صادمة، توقفت ساعات  ( جبابرةَ) المؤتمر
    الوطني وقفات تأمل مع الذات.. إذن الموت ما زال موجوداً.. و هو لا يعترف
    بالزمان و ليس أمامه حواجز تمنع الولوج إلى أي مكان.. و لا زاجر يحذره من
    أن يزور من يشاء متى شاء..

    تلك وقفات تأمل مع الذات غيبتها السلطة و الثروة و الجاه سنين عددا .. و
    تنافَس في تغييبها علماء السلطان و مستشاروه.. و ثُراة المال الحرام
    الواهبون السلطان بضائع ليست ملكهم.. و السلطان لا يستحق!

    و مع أن الموت لا يتوقف.. إلا أن مزوري التاريخ لا يخشونه،  فسرعان ما
    يسبغون على الميت كل الفضائل و يحجبون كل الرذائل.. و تغيب الحقائق في
    جوف الزمن.

    أسبغ أحدهم على الترابي صفة ( رجل القرن) و لم يتردد في أن يضعه في مصاف
    الصحابة دون وجل.. و مزوِّر آخر يقول عنه أنه أعظم مفكر اسلامي.. و
    يتنافس المزوِّرون في الاعلاء من شأنه إعلاءً يكاد يلحفه بمرتبة الكمال..

    إنهم يشرعون الآن في كتابة  تاريخ الراحل/ حسن عبدالله الترابي من زاوية
    التزوير مثلما أحدث ( سابقوهم) ما لا يمكن تقويمه من تزوير  في تاريخ
    السودان.. فتأتي الأجيال القادمة لتجابَه بتضاربات بين المكتوب بين يديها
    من تاريخ و بين حقيقة الأشياء في بيئة ( عصر) الترابي ( رجل القرن) ذي
    الإنجازات التي جعلت الانسان السوداني مجرماً خطيراً ينتظر التحقيق في
    غرفة الحجز في كل موانئ و مطارات الدنيا، و تحيط بجواز سفره كميات هائلة
    من الشك و الريبة المستدامة..

    ليس من الغريب أن يتم  تزوير تاريخ السودان.. فليس في بعض ما تم تأريخه
    عن المك نمر سوى كثير تغبيش.. و كم تصارعت الفانتازيا مع الحقائق في سيرة
    الزبير باشا الذاتية.. و غير هذين تتشابك الأكاذيب مع الحقائق عند ركن (
    تأريخ) ما لم يحدث في التاريخ..

    و لا زالت الحيرة تحاصر بعض الملابسات المحيطة بالترتيبات السابقة لحريق
    اسماعيل باشا في شندي.. و نظل نبحث عن الحقيقة في لجٍّ عصي على
    الباحثين..  و قد تتساءل عن دور رعية المك نمر في شندي حين كان المك يهيئ
    ( الجو) لترفيه الجنود الأتراك بالخمر و الفتيات.. و يقال أن بعض قواد
    الجيش التركي كانوا ( مثليين)، فكان لا بد للمك نمر أن يلبي طلبهم بإحضار
    بعض الغلمان إلى حفل الترفيه.. و يقال بأن المك نمر لم ( يهرب) من
    الأتراك.. و لكنه هرب من عشيرته التي ثارت عليه و على الأتراك السكارى،
    فأحرقتهم و نجا هو و الأقربون من العشيرة.. و توقف تاريخ المك عند نقطة
    الهروب.. فلم نسمع أنه سعى لإعداد جيشٍ مقاوم للغزاة.. و لم نسمع أن
    الدفتردار ( اجتهد) في مطاردته للانتقام منه.. و لكن الدفتردار ( اجتهد)
    في إبادة جماعية و تعسف حقود انتقاما من عشيرة المك نمر في شندي و ما
    جاورها!

    و يستمر تزوير التاريخ عن بطولات الزبير باشا رحمة.. و عن فروسيته.. و عن
    حمايته ( للزنوج) في بحر الغزال من بعضهم البعض.. و عن الوحوش الضارية
    التي صارعها الزبير و صرعها.. و عن تجارته في العاج ( فقط) بعيداً عن
    ممارسة تجارة الرقيق و بعيداً عن ( اصطياد) العبيد في بيئة قوامها مؤسس
    على تجارة الرق!

    تزوير التاريخ لن يتوقف عند إضفاء صفات تكذبها قرائن الأشياء على الترابي..

    ربما نكون نحن مخطئين في تقديرنا.. و يكونون هم على صواب.. مع أن قرائن
    الأحوال في السودان تقول عن الترابي كل شيئ.. كل المساوئ التي يذكرها
    عامة الناس.. و لو كان الرسول الأعظم بين ظهرانينا لقال:- ( وجبت!)
    تأكيداً على مساوئ الترابي و مشروعه الحضاري الذي ( بعثرنا في كل وادٍ)..

    فقط، نرجو من مزوري التاريخ و الجغرافيا أن لا يفرضوا علينا حديثاً
    ضعيفاً يعظنا بذكر محاسن موتانا دون مساوئهم! فلو كان الحديث صحيحاً،
    لنهى الرسول ( ص) الصحابة عن ذكر مساوئ أحد الموتى المحمول على الأكتاف
    في الطريق إلى الدافنة، بل أيد ما ذكروه تأكيداً على أن شهادة المعاصرين
    شهادة عُدول (وجَبَت!).. و كان قال قبلها نفس الكلمة (وجبت)، حين ذكر
    الصحابة محاسن ميت آخر..

    إن في عدم ذكر المساوئ تزوير و تشويه للتاريخ.. و هدر لأهم موارد العظات
    و العبر للأجيال القادمة.. و بلاش نفاق!

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً