وطني: سماعة … و”بوت” .. بقلم: د. زهير عامر محمد

د. زهير عامر محمد

المملكة المتحدة ٢٠١٦

حن ياطبيب وأكشف علي
وريني ما سبب الألم
أعطف علي وأرحم عيني
قال الشفاء دونك عدم
شوف الدموع ماليات عيني
شوف الألم وين انكتم

“جسمي إنتحل”من اجمل أغنيات الأستاذ ابوعركي البخيت التي تغني بها واطرب بها الشعب السوداني علي مر السنوات الماضية ، وهي من كلمات الشاعر حسين حمزة وألحان الاستاذ ناجي القدسي، لاشك انها عالقة بأذهان الناس لرقة وبساطة الكلمات، وعذوبة وروعة اللحن ، والاجمل انه ينشد الشفاء وتخفيف الالم من طبيبه الانسان أولاً، قبل ان يطلبه من الطبيب البشري، وإن كان هناك من يقول انها كتبت في زوجته الاستاذة عفاف الصادق.
ويسترسل الشاعر في بث أنينه وآهاته لطبيبه الي ان يقول:
قلبي المعذب من زمن
بشكي، وآهاتو .. التمن
حن يا طبيب داوي القليب
العاش حياتو مع الحزن
ضمد جراحو مرة سيبو
يناسها ويلات الشجن

كانت هذه هي الصورة الجميلة الزاهية للطبيب السوداني في عيون وقلوب الشعب السوداني، تقدير واحترام واعتزاز وتبجيل، انعكست الي قصائد وإشعار وأغاني عديدة خالدة في الوجدان. ولا شك أن اللوحة المشرقة الجميلة الناصعة للطبيب في الاذهان-كاللؤلؤ والمرجان، كحبات البِلوّر المنثور، كقطع الماس النفيسة-تحمل في القلوب قبل العقول، تصان في العيون وتحمد باللسان.

مؤسف جداً ان تتعرض هذه الصورة الناصعة البياض للطبيب السوداني للتشوية، موءلم جداً ان يقلل من شأن من أرتضي بالعمل في بيئة عمل تفتقد لابسط المتطلبات الاساسية لتوصيل خدمات طبيبة أساسية للمواطن السوداني.
كل الكوادر الطبية تعمل في ظروف قاهرة جداً، تخبط اداري فظيع جداً، علي قمته وزارة الصحة والتي تقف علي حافة الطريق الوعر، ليست مساندة، لكنها تضع الشوك علي الطريق، وتساند القوي علي الضعيف، وتضع يديها علي اذنيها حتي لاتسمع نداء الملهوف، دعك من استماع النصح والإصغاء للآخر من أطباء بلادي، حادبين علي الأنسان قبل البنيان، حريصين علي الخدمات الطبية قبل المكاسب المادية.

ظاهرة التعدي علي الأطباء والكوادر الطبية بدعاوي التقصير والاهمال غير مقبولة ومرفوضة تماماً، الأطباء الذين يعملون في مستشفيات الخرطوم العاصمة، أطراف ولاية الخرطوم أو الأقاليم ، يعملون في بيئة طاردة قاهرة نافرة، تعجز ان توفر حتي انبوبة أكسجين دعك عن المحاليل الوريدية.

الأعلام السالب تجاه الأطباء، خاصة حديثي التخرج وخريجي الجامعات الخاصة ساعد من تقليل النظرة الإيجابية للطبيب، وأصبحت أصابع الاتهام بالتقصير والأهمال توجه للأطباء ، وتأتي أخيراً ظاهرة التعدي بالضرب والركل والشتم والسب بأفظع الكلمات والعبارات النابية، حتي حواء الطبيبة في بلدي تتعرض للضرب من أفراد قوات نظامية في مستشفي البان جديد الطرفي ، علي مرأي ومسمع من حراس وأفراد أمن المستشفي.

الغياب التام للدولة في حماية الأطباء والكوادر العاملة غير مبرر، وقبل ذلك بلاء شك غياب الممثل الشرعي من اتحاد أطباء منتخب ، يحمل هم وأوجاع وألآم منسوبيه ، يحس بهم ويألم لجرحهم ووجعهم، قبل أن يكون بوقاً لوزارة الصحة والحكومة الأتحادية.الحكومة التي تفتتح مستشفي في جيبوتي بأكثر من عشرين مليون دولار وهي لاتوفر قابلة صحية أو مركز صحي طرفي محترم، الحكومة التي بعثت نائبها الأول للإفتتاح، تعجز عن توفير عنبر للأطفال في مسقط رأسه، دعك عن توفير غرفة عمليات متكاملة لأهله وأقاربه.

الطبيب السوداني مازال بخير، فقط يحتاج الي بيئة عمل متكاملة مع توفير ابسط مقومات الخدمات الطبية، وتوفير جهاز نقابي حر ومنتخب ، يمثله ويحميه ، ويقويه ويآذره ، وليس جهاز نقابي معين ، يسدد له طعنة في القلب، أو ضربة علي الرأس.

اذا آلمكم حال أطباء بلادي، دعوني اختتم مع ابوعركي البخيت وناجي القدسي، عسآها تخفف قليلاً من واقع مرير مظلم ، ترك حسرة في القلب:
أنا طبيب قلبي انجرح
بس كيف جراحو بتلتئم
في العمر يوم ما ضاق فرح
وحتى في الدنيا ابتسم
بس كيف يعود ليهو الفرح
من بعد ما عاش الألم

ولكم ودي وتقديري
د.زهير عامر محمد المملكة المتحدة ٢٠١٦

zuheiramir@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً