بقلم: السر جميل
في أعماق الكائن البشري، وخلف شبكة الأعصاب ونبض الشرايين وعظمة التركيب البيولوجي، يستقر السر الأكبر والأعظم الذي يمنح هذا الجسد الطيني معناه وحياته، إنه سر الروح. تلك النفخة الإلهية الخفية التي تسكن بين جنبي الإنسان، فلا يرى لها شكل، ولا يعرف لها لون، ولا يشم لها رائحة، ولا تقاس بأجهزة العلم الحديث ولا أدواته، ومع ذلك فهي أصل وجودنا الحقيقي.
ماهي الروح غائبة وحقيقة ساطعة هل هي كائن مادي؟ كلا. هل هي مركب كيميائي؟ قطعاً لا. إنها السر المطلق الذي أعجز العقول والمفكرين على مر العصور. نلمس آثارها في كل لحظة، في طرفة العين، ونبضة القلب، وفكرة العقل، وعاطفة الوجدان، لكننا نعجز تماماً عن الإمساك بها أو تحديد مكانها داخل أجسادنا. إنها موجودة فينا يقال لها “أنْت” روحك، وبمجرد أن تفارق هذا الهيكل البشري وتنسحب منه، يتحول الإنسان في لحظة واحدة من كائن متكلم، مفكر، مفعم بالحركة والنشاط، إلى جثة هامدة لا حراك فيها ولا قيمة لها، ليصير جسده مجرد تراب يعود إلى أصله.
لفته الشيخ الشعراوي وأمام الائمة وحجة زمانه قد أشار إمام الدعاة رحمه الله، إلى هذا المعنى الدقيق بلطافة استدلاله المعهودة. حين أوضح عجز الإنسان الصارخ أمام مخلوقٍ ضعيف يسكن أصل كيانه. كيف للإنسان – بغروره وتطوره التقني والعلمي- أن يدعي الإحاطة بكل شيء، وهو يقف عاجزاً قاصراً عن رؤية أو درك “الروح” التي هي مخلوق من خلق الله تعيش داخل جسده نفسه؟
إن هذا العجز البشري عن معرفة شيء مخلوق يسكن أضلعه لهو أكبر دليل على حدود العقل البشري وقصوره. فإذا كان الإنسان لا يستطيع معرفة ماهية مادة حياته وهي أقرب الأشياء إليه، فكيف يتجرأ الماديون والكفار على المطالبة برؤية الخالق سبحانه وتعالى أو الإحاطة بذاته؟ إنها قمة التناقض الجاهل، أن تطلب رؤية الذات الإلهية العلية وأنت تعجز عن رؤية مخلوقٍ صغير وضع فيك ليحييك!
لقد قسَم الله عز وجل المعرفة البشرية في هذا الشأن قسماً حاسماً حين نزل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. إن محاولة إخضاع الروح للمختبرات والمقاييس المادية تشبه محاولة قياس الأوزان بالمسطرة! إنها ينبوع يربط الأرض بالسماء، ويعلم الإنسان تواضعه المقدر أمام الغيب.
إن الكفار والماديين الذين يقفون عند ظواهر الحياة الدنيا، ويطالبون بأدلة حسية مادية لرؤية الله، ينسون أن المادة نفسها أضعف من أن تتحمل تجلي الخالق، وأنهم في أصل تكوينهم يعتمدون على “غيب” لا يرونه وهو الروح. فالموت يسلب الجسد أهليته في ثانية واحدة دون أن ينقص منه جرام واحد من المادة، ودون أن تتغير مكوناته الكيميائية، فلماذا يتوقف كل شيء؟ لأن السر قد رحل! السر المحرك!
إن الروح تجسيد حي للغيب الذي هو أول صفات المؤمنين. إنها التذكير اليومي المستمر بأن هذا العالم ليس مجرد أرقام وقوانين مادية جامدة، بل هو ملكوت يدبره اللطيف الخبير. وكلما حاول الإنسان أن يتكبر بعلمه أو يطغى بما وصل إليه من تكنولوجيا وعلوم، جاءت الروح لتفرمل غروره، وتقول له اعلم قدرك، فأنت لا تعرف حتى الآن كيف تحيا!
تظل الروح أصدق شاهدٍ على عظمة الله، وأبلغ دليل على أن وراء هذا الكون مدبراً حكيماً لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار. إنها البوابة التي لابد أن ينفذ منها العقل العاقل ليؤمن بوجود الله، ويخضع لعظمته، ويتيقن أن من خلق هذا السر اللطيف الخفي داخلنا، والتحدي لقصور أدراكنا حتي قيام الساعة هو وحده المستحق للعبادة والإجلال، سبحانه وتعالى عما يشركون.
elsir90@hotmail.com
