وقفات مع رواية: ” عدلان الأصم ” للأديب الراحل عوض مالك .. بقلم: د. خالد محمد فرح
11 أكتوبر, 2015
د. خالد محمد فرح, منبر الرأي
99 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
Khaldoon90@hotmail.com
صدرت للشاعر والأديب والضابط السابق بالقوات المسلحة ” عوض مالك ” رحمه الله ، روايةً بعنوان: ” عدلان الأصم “، صدرت الطبعة الأولى منها في عام 2005م عن دار ” نهر المعرفة ” للنشر والتوزيع بالقاهرة ، أي قبيل انتقال المؤلف نفسه إلى الرفيق الأعلى بمدة قصيرة ، إذ أنه ما عتّم أن لقي وجه ربه في العام التالي مباشرة 2006م.
وُلد الأديب الراحل اللواء عوض محمد مالك في عام 1938م ، بقرية ” قلعة مالك ” التي تقع غرب محطة ” الرويان ” إلى الشمال من بلدة ” الجيلي ” شمال الخرطوم ، وينتمي إلى أسرة تعود بجذورها إلى منطقة ” تنقاسي السوق ” المعروفة بديار الشايقية بشمال السودان. عمل عوض مالك ضابطاً بالجيش السوداني ، وتدرج فيه في مختلف الرتب ، حتى تقاعد عن الخدمة العسكرية في ثمانينيات القرن الماضي.
اشتهر اللواء ” عوض مالك ” كأديب من ضمن ما يمكن أن نسميهم بجيل الوسط بين أدباء القوات المسلحة الذين نبغ من بين ضباطها ومنسوبيها أدباء وشعراء كثيرون عبر مختلف الحقب ، من لدن يوسف مصطفى التني ، والصاغ محمود أبو بكر ، والعميد عمر الحاج موسى ، واللواء عوض أحمد خليفة ، والشاعر الغنائي الطاهر إبراهيم ، واللواء جعفر فضل المولى ، واللواء أبو قرون عبد الله ، إلى عهد اللواء محمود قلندر ، وصديقنا الجنرال أحمد طه ، والصحافي الأديب محجوب فضل بدري ، واللواء يونس محمود ، والعميد الصوارمي خالد وغيرهم من أرباب الطبنجة والكيبورد المعاصرين ، حتى لا نقول السيف والقلم العتيقين.
على أن ” عوض مالك ” قد اشتهر ناظماً وشاعراً أكثر من كونه سارداً وقاصاً أو روائيا. يدلك على ذلك أن سيرته الذاتية المقتضبة المنشورة في آخر صفحات الرواية التي نحن بصددها ، تذكر عناوين حوالي تسعة دواوين او مجموعات شعرية لهذا المبدع ، منها ما هو مطبوع ومنشور ، ومنها الذي ما يزال مخطوطاً ينتظر الطبع والنشر. ولعوض مالك غير رواية ” عدلان الأصم ” رواية أخرى بعنوان ” ليالي واو ” صدرت بعد وفاته عن هيئة الخرطوم للصحافة والنشر.
أما رواية ” عدلان الأصم ” ، فهي عبارة عن عمل سردي إبداعي ، يبدو وكأنه مزيج مختلط بين السيرة الغيرية والسرد المتخيَّل ، بل يكاد يكون أقرب إلى الرواية السيرية المحضة التي تعاورتها ريشة الروائي الفنان ، فأضفت عليها من التكنيك الروائي ، ومن دفقات الخيال ما جعلها تبدو مجرد قصة خيالية ممتعة ومشوقة.
والحبكة الأساسية لرواية ” عدلان الأصم ” ، تتعلق بقصة شخصية امدرمانية نمطية وشهيرة ، وذات مكانة مرموقة ومؤثرة في مجتمع العاصمة الوطنية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي ، هي شخصية ” عدلان الأصم ” نفسه الذي نشأ طفلاً يتيماً فقيرا ، ربّاه أخواله ، ولكنه تغلب على ظروف يتمه وفقره ، فشب عصاميا كادحاً ، ضارباً في فجاج الأرض مسافراً بغرض الكسب والتجارة ، فنجح نجاحاً منقطع النظير في أعماله وتجارته ، وصار من أصحاب الشأن والمشورة في مجتمع أم درمان ، بفضل ما كان يتمتع به من حسن السيرة ، والأخلاق الفاضلة ، وحب الخير للناس ، ومساعدة المحتاجين ، وإغاثة الملهوفين ، كما أنه كان شخصاً اجتماعيا محباً للناس على الرغم من انه عاش طوال حياته عزباً لم يتزوج ، لأن قلبه كان ينطوي على جرح عميق قديم تسبب فيه حب عارم كان يكنه لفتاة مسيحية من الأقباط او الشوام. وقد كان حباً محكوماً عليه بالفشل بطبيعة الحال ، نظراً للعقبات والفوارق الدينية والاجتماعية التي كان يتعذر اجتيازها والتغلب عليها خصوصاً في ذلك الزمان.
ومن خلال رسم المؤلف لشخصية عدلان الأصم ، يتبين للقارئ أنها شخصية مرحة ومنشرحة ومحبة للحياة ، واجتماعية ومنفتحة ، ومسكونة بحب الفن والطرب والسماع لمختلف ضروب الأغاني العاطفية منها ( الحقيبة ) والدينية ( المديح النبوي ) التي كانت سائدة في عصره بأم درمان ، وذلك في غير ما إسراف ولا غلو.. كما انه كان يمتاز على الرغم من أنه عاش طول حياته عزباً لم يتزوج كما أسلفنا ، بالعفة والتجانف عن الرذائل والموبقات ، يعصمه في ذلك تدين فطري ، ومروءة راكزة في طبعه. وقد عاش عدلان الأصم حياة مديدة في ام درمان ، يشعّ على الجميع من خصائص شخصيته المحبوبة والجذابة والمؤثرة ، حتى لقي وجه ربه راضياً مرضيا ، بل شهيدا ، إذ ان شاباً طائشاً أرعن قد صدمه بسيارته بينما كان يسير في الشارع ، فأرداه صريعا. والمفارقة هي أنّ والد ذلك الشاب المستهتر نفسه ، كان عدلان الأصم قد أحسن إليه وساعده من ضمن أناس كثيرين ساعدهم ووقف إلى جانبهم في حياته حتى استووا على أقدامهم ، ولكنه تنكر لعدلان ولساكني الحي ، وارتحل عنهم بعيداً ، أنفة وتكبّرا.
ولكن هذه السيرة لعدلان الأصم بتفاصيلها الدقيقة ، لا تتكشف كلها أمام عيني القارئ دفعة واحدة ، وإنما انتهج المؤلف في رسمها تقنية تقوم على إيراد فصول متلاحقة ، أشبه ما تكون بسلسلة متتابعة من التحقيقات الصحفية ، للتنقيب في سيرة عدلان الأصم ، الذي تعرّف عليه الراوي ذاته وهو في أخريات حياته ، وأُعجب به إعجاباً عظيما ، وانبهر بشخصيته ، قبل ان ينتقل عدلان إلى الرفيق الأعلى إثر ذلك الحادث المأساوي. ومن ثم صمّم الراوي الذي يوشك أن يكون هو المؤلف عوض مالك نفسه ، الذي نعتقد ان هنالك من ملامح سيرته الذاتية الخاصة به ، وبعض ملامح السيرة الغيرية التي نحلها لبطل روايته عدلان الأصم ، ما يحملنا على الاعتقاد في ترجيح هذه الفرضية بدرجة كبيرة.
تتكشف سيرة عدلان الأصم وتفاصيل ملامح شخصيته المؤثرة التي يجمل سر جاذبيتها وتأثيرها ذاك في عينيه البراقتين ذواتي السحر الآسر ، كما يردد الراوي في أكثر من موضع من الرواية كلازمة بيانية مقصودة لدلالتها على تأكيد هذا الملمح من ملامح هذه الشخصية ، تتكشف من خلال مشاهدة الراوي نفسه ، ومعايشته له خلال الفترة القصيرة التي حظي فيها بمقابلته كفاحاً ، والتعرف عليه عن كثب ، ثم من خلال روايات أصدقاء عدلان الأصم المقربين ، والأشخاص الذين عرفوه بصورة لصيقة ، والذين استوضحهم الراوي واحداً واحداً بأسلوب المقابلات والتحقيقات الصحفية كما أسلفنا ، إلى ان رحلوا عن الدنيا الواحد تلو الآخر في تتابع عجيب ، ليس اعجب منه إلا وفاة المؤلف نفسه ، الذي نحسب أنه لم يعش طويلاً بعد نشر هذه الرواية ، وكأنه كان في سباق مع الزمن لكي يدونها ، ويرسم شخوصها واحداثها بهذا الإحساس العالي ، وبهذه الشفافية الروحانية المذهلة ، حتى تبقى زاداً روحيا باذخاً ، ومأثرة أدبية خالدة للأجيال عن المؤلف/الراوي عوض ملك ، وعن البطل المروي عنه ، عدلان الأصم كليهما معا.
ولم ينس المؤلف في غضون رسمه لسيرة عدلان الأصم ، أن يستدعي ومضات مشرقة من التاريخ الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والفني لمدينة أم درمان خلال النصف الأول من القرن العشرين ، والذي اقتضته شخصية البطل الأمدرمانية النموذجية ، مما يجعل هذه الرواية من ضمن الروايات والأعمال الإبداعية ، المعبرة بصدق عن ثقافة أم درمان البقعة ، وأجوائها المميزة على مر الأزمان. . ومن هذا المنطلق ، فإنّ رواية عدلان الأصم هي بكل تأكيد ، قمينة بان تكون موضع العناية والتقدير من قبل أبناء أم درمان ، وسائر المهتمين بتاريخها الاجتماعي والثقافي والفني وتوثيقه.
تبدأ الرواية بمشهد وفاة البطل عدلان الأصم ، وتشييع جثمانه المهيب بمقابر البكري بأم درمان ، وإيداعه الثرى في قبر يرقد تحت شجرة هجليج هناك ، وهو الذي لم يكد يفته تشييع أي جنازة كانت في ام درمان تحت كل الظروف. ومن ثم تتكشف وقائع الرواية وتنداح رويداً رويدا على طريقة الاسترجاع السينمائي ، أو ما يسمى بالفلاش باك.
ولكن ، من عسى أن يكون عدلان الأصم هذا أو من يشبهه في الحقيقة من أهل أم درمان ، إذا جاز لنا أن نستبصر في هذا العمل معالجة فنية روائية لسيرة إنسان بعينه ، كان يعيش في هذه المدينة ، يحمل صفات البطل عدلان الأصم ، وتفاصيل سيرته الذاتية أو قريباً منها ؟.
إن الاسم ” عدلان الأصم ” هو بالطبع ، اسم من نسج خيال الكاتب فحسب ، وهو لا يعدو أن يكون تجسيداً رمزياً أو مجازيا لجماع صفات وخصائص شخصية بطل الرواية المتمثلة بصفة خاصة في العدل والتصميم ، أو الصرامة والاستقامة والبعد عن كل ما يزري بالمروءة في تقديرنا.
لقد سمعنا بشخصية شبه أسطورية في ام درمان ، ربما تتجسد فيها بعض ملامح عدلان الأصم هذا وسيرته ، وخصوصاً الجزئية المتعلقة منها بالحرص على شهود الجنائز وتشييعها ومواساة الناس في المآتم ، ولكن ليس بأيدينا في الوقت الراهن ما يؤهلنا تماماً للحكم بان المقصود بعدلان الأصم ربما يكون هو تلك الشخصية نفسها.. ويبقى الأمر متروكاً للأمدرمانيين الأقحاح للبت فيه ، مثل الأديب اللواء الهادي بشرى الذي سطر إلى جانب كل من البروفيسور عون الشريف قاسم رحمه الله ، والفريق محمد الحسن محمد مالك أطال الله بقاءه وهو شقيق المؤلف ، تقريظاً للمؤلف والرواية نُشر على غلافها الخلفي.
هذا ما عنَّ لنا تسطيره حول هذه الرواية الرائعة في الوقت الراهن ، وربما سنحت لنا الفرصة مرة أخرى للتعقيب والتعليق على بعض التفاصيل الفنية لبنية السرد ومحتواه لاحقاً بإذن الله.
khaldoon90@hotmail.com