ولاة النظام: سمعاً وطاعة يا أمير!!! .. بقلم/ أمين محمد إبراهيم
8 ديسمبر, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
93 زيارة
الخرطوم ـ تاق برس 4 ديسمبر 2018م: “ابتدر البرلمان السوداني اليوم الثلاثاء تعديلات بالدستور الانتقالي تعطي الرئيس الحالي حق الترشيح لدورات رئاسية مفتوحة بدلاً من اقتصارها على دورتين تنتهي بحلول 2020م، ودلك بتعديله المادة 57 من الدستور الانتقالي. وشمل مشروع التعديل الفقرة الثالثة من المادة 178 من الدستور بإعطاء رئيس الجمهورية حق عزل والي الولاية المنتخب لأسباب محددة منها خروجه عن الولاء و الطاعة. وكان الحزب الحاكم قد أجرى تعديلاً لنظامه الأساسي الذي ينص على دورتين لكل شخص لإفساح المجال أمام البشير لولاية جديدة وذلك خلال مؤتمره العام خلال العام الجاري”.
“انتهى الخبر”.
ودستور السودان الانتقالي لسنة 2005م الساري النفاذ اليوم هو محل التعديل والترقيع موضوع الخبر أعلاه. و هو تشريع كان قد أنفرد بإقراره وإجازته ضمن مواثيق وترتيبات صفقة نيفاشا “ثنائياً” الحزب المنفرد بالحكم اليوم، و”الحركة الشعبية “الأم”. ولأنه قد أجيز في الأساس كجزء من تلك الصفقة التي حملت كل قسمات و مقومات البيع والشراء في أسواق النخاسة السياسية بين طرفين منزوعي الوطنية و “كفيفي الانسانية”، على حد وصف، حبيبنا الغائب ـ الحاضر حميد، و من فرط انعدام ضميريهما وخراب ذمتيهما لم يتورعا عن الاستثمار في خطوب وجراح الوطن ومآسي ومعانات شعبه، فإن أبرز ما كشفه تطبيق ذلك الدستور هو قصد أحد واضعيه ( على أقل تقدير) بأن يجعله “دستور ظل” وظيفته اليتيمة هي اسباغ مسحة ديمقراطية كاذبة وزائفة على الحكم الشمولي الاستبدادي القائم مند 30 يونيو 1989م المشئوم وحتى هذه اللحظة. و نعني بقولنا “دستور ظل” أنه لم يصدر للاحتكام إليه بل ليخفي ما يحتكم إليه مما يبطنه و يضمره قادة النظام، من مشيئة و أهواء أيديولوجية، كما سنوضح لاحقاً في ثنايا هدا المقال.
و دليلنا على أنه كان ولا يزال “دستور ظل” هو أنه رغم اشتماله على بعض نصوص ظاهرها ديمقراطي فإن أجهزة الحزب الحاكم المنتحلة صفة الدولة قد حرصت أشد الحرص على جعل ذلك البعض المذكور من النصوص محض أحكام “زينة دستورية” معدومة و مبطلة الأثر و موقوفة السريان والنفاذ. فأصبحت كأن لم تكن و جودها كعدمها سواءً بسواء. و لا نقصد بقولنا هذا أن الأحكام المذكورة لم تجد طريقها للتطبيق لأي مانع أو عائق موضوعي بل نعني به أن وقفها وإبطال أثرها رغم النص عليها في الدستور كان بأمر و تنفيذ أجهزة قمعية انتحلت صفة جهاز الدولة وحلت فعلياً محله منذ استيلاء حزب الإسلامويين على الحكم بالقوة العسكرية.
و الأمثلة لا حصر لها ولكننا نكتفي منها بأحكام الدستور المتعلقة ـ و ياللمفارقة ـ بسيادة ومرجعية الدستور نفسه كركيزة من أهم ركائز سيادة حكم القانون، و كذلك النصوص الملزمة بالتحول الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة و قومية وحياد الخدمة المدنية والمؤسسة العسكرية و دور ومهام جهاز الأمن وأخيراً وليس آخراً وثيقة الحقوق. و المعلوم أن الحقوق التي كفلتها نصوص الدستور في وثيقة الحقوق لم ينلها أحد من معارضي النظام مهما طالب وصارع للتمسك بها لمنعها وحجبها عنهم بالقوة المادية ولم يستثنى من ذلك المنع والحجب حتى من ناجز في طلبها وهو شاك السلاح من أخمص قدميه حتى أسنانه كالحركة الشعبية رغم مشاركتها في السلطة (2005 ـ 2011م)، وبقاء قادتها خلال الفترة المذكورة في قصر الرئاسة والوزارات المختلفة كمحض “أسماك زينة” أيضاً.
فإذا كان راع الضأن في الخلاء يعرف النتيجة النهائية للانتخابات قبل إجرائها فإن ما يفعله النظام من ديكورات ومساحيق تعديل للدستور والاستعداد لإجراء الانتخابات و تكوين لجنة انتخابات “مأجورة” و لجان وهيئات كامل العملية الانتخابية، خصماً على الخزينة العامة و على حساب دافع الضرائب، عمل فيه غاية الاستخفاف بالعقول و الضحك على الذقون، ولا يخدم إلا غرضاً واحداً، يتعمده يقصده النظام لذاته، هو فتح باب من الابواب المشرعة على مصراعيها أصلا لحزب التمكين الأيديولوجي وحلفائه للمزيد من سرقة وتبديد المال العام وأكله بالباطل واهدار موارد البلاد الشحيحة فيما لا ينفع الشعب بل يضره فيستحل بموجب هذا ما تبقى في الخزينة العامة من مال الشعب لشراء الأتباع، من ذوي الذمم المعطوبة الخربة من منسوبي النظام و أنصارهم، و “رادفتهم” و “المؤلفة قلوبهم”، إضافة إلي العاطلين من أعضاء ما يعرف بالمجلس الوطني “صوت سيده” و “لجان الانتخابات” التابعة للحزب وكل أصحاب الولاء المدفوع الثمن بالرشاء والأعطيات.
إن ما يفعله النظام الحاكم بدستور السودان الانتقالي الساري يعني فعلا أن النظام المتغطي بهذا الدستور الظل وأيديولوجيته التي يعتمدها ” عريان” ـ بالسوداني و “من غير هدوم” ـ بالمصري. والدليل علي عريه بالإضافة إلي ما تقدم ذكره هو أن مجلسه المسمى بالوطني قد عدل الدستور ليتوافق مع النظام الأساسي للحزب الحاكم. فأب القوانين و الأصل في ملة واعتقاد النظام ليس هو الدستور بل الأيديولوجية التي تنص، كما نعلم، على ولاء و طاعة التابع لمتبوعه في المنشط والمكره وأن يبقى في يده كالميت في يد غاسله. لذا شمل تعديل الدستور الفقرة الثالثة من المادة 178 منه لتنص على حق رئيس الجمهورية في عزل الوالي المنتخب شعبياً و الممثل لإرادة ناخبيه لأسباب عديدة منها خروجه على الولاء والطاعة!. و لا تدري الولاء والطاعة لمن ؟ وأي نص في الدستور قبل تعديله أو بعده يلزم الوالي بأداء فروض الولاء والطاعة لرئيس الجمهورية، فالمفترض أن ولاءه ـ حسب دستور النظام الرئاسي ـ لمن انتخبوه فهو بالنسبة لهم بمثابة رئيس جمهورية صغير، ولكن حالة سيادة حكم الفرد المطلق التي يرزح تحتها السودان اليوم أحالته حتى قبل تعديل المادة إلي شيء أشبه “بطير الزينة”. و قيل و للمفارقة أن أحد نقاط الخلاف بين ساكن القصر و ساكن المنشية أوان المفاصلة عام 1999م كان هو إصرار الأخير على انتخاب الوالي، وتمسك الأول بحقه في تعيينه. ويبين هذا النص المعدل انتصار خط ساكن القصر حتى يومنا هذا رغم انقضاء ما يقارب العقدين على المفاصلة وانتقال الطرف الآخر في الصراع على كرسي الحكم إلي رحمة مولاه. وكان الراحل الدكتور الترابي (يرحمه الله) قد تمسك أيضاً فيما عرف بحوار الوثبة باقترحه بتعيين رئيس وزراء وفاقي و قصد به تقليص سلطات رئيس الجمهورية المطلقة بنقل أغلبها إلي رئيس الوزراء وإبقاء الرئاسة بسلطات سيادية اسمية كسلطات مجلس السيادة ومجلس رأس الدولة. ولكن من خلفوا الراحل الدكتور الترابي، على رئاسة حزبه، سامحهم الله، اختاروا بمحض طوعهم، هزيمة فكرة شيخهم من أساسها فلم يقلصوا من سلطات الرئاسة المطلقة بل أمعنوا في تركيزها بالموافقة على ما عرف بـ (مخرجات الحوار) كما أعطوه مطلق حق تعيين وعزل رئيس الوزراء فهل يتوقع أحد أن يعين من لا يدين له بالولاء والطاعة؟.
و الآن نطرح سؤالنا الأخير، و هو: سواء كان الغرض ترشيح رئيس حزب التمييز الأيديولوجي أم غيره في الانتخابات الرئاسية هل كان النظام الذي جعل أحكام دستورية صنعها وأجازها بنفسه عديمة الأثر و لا نفاذ لها في حاجة لتعديل أحكام مثل هذا الدستور الذي أصبح من فرط تعديل تعديلاته وترقيع ترقيعاته لمواءمة مشيئة الحاكم مثل زي راقصة لا حدود لرغبتها في تغييره وتعديله لمجرد مواءمة ما تراه من متطلبات تسويق رقصها.
ونخلص مما تقدم إلي أن السودان ليس محكوماً اليوم بدستور أو قانون وإنما هو رهين حكم فرد مطلق يتصرف في شئونه وشئون شعبه وفق إراداته ومشيئته كما وكيف شاء. و عليه فإن كل ما يجري في السودان اليوم من تعديل للدستور واعلان لانتخابات رئاسية وعامة في 2020م عبث لا طائل لشعبنا من ورائه، وهو من قبيل تحصيل الحاصل، فسواء عدل الدستور أم لم يعدل لترشيحه فإن المعني بالأمر يعلم أنه سيرشح نفسه ليس هذا فحسب بل و ضامن أنه سيفوز حتى ولو لم يصوت له أحد لأن إرادته التي تتحكم و تسود هي التي تنفرد وحدها أيضاً عبر ـ آليات معروفة ـ بتقرير من يترشح و يفوز!!
تداولت وسائط التواصل الاجتماعي بمناسبة القسم الحرفي بعدم تزوير الانتخابات: “ما بنزور الإنتخابات”!! طرفة ثعلب يقال أنه وجد نفسه وعياله في العراء دون مأوى بعد ليلة عاصفة و ماطرة دمرت مأواه فأرسل أحد أبنائه ليستسمح الأسد “ملك الغابة” بأن يأويه وعياله لقضاء ليلتهم في ضيافته. فعاد إبنه المرسال ليبلغه أن الأسد قال له: “تعالوا بيتوا معانا يا الثعلب و لا بنأكلكم”. فرد الثعلب قائلاً: ” بسم الله هسع الجاب سيرة الأكل منو؟؟!؟”. وبمثله يرد شعب السودان: “بسم الله هسع الجاب سيرة التزوير منو؟؟!”.
ونذكَر من جهل أو غفل أو نسى أن من يراهن على نفي إرادة شعب السودان و خاسر لأنها وإن غيبت (مؤقتاً وإلي حين) فهي الغالبة، النصر معقود بلوائها، طال الزمن أم قصر. إذن فعلى شعبنا السعي و العمل الجاد لتحقيق ذاته بتحرير إرادته اليوم قبل الغد وفرضها على أعداء ثورته كإرادة حرة وغلابة ومنتصرة وسيدة لا مسودة إنه ولي ذلك والقادر عليه على سبيل الحتم واللزوم، فقوموا، ينصركم الله، إلي لم شملكم و تمتين و حدة صفوفكم من أجل نضالكم من لهزيمة جلاديكم و استرداد حقوقكم المغتصبة.
aminmibrahim46@gmail.com