ولاية الخرطوم والقرارات المتعجلة .. بقلم: نبيل أديب عبدالله/ المحامي
24 مايو, 2015
منبر الرأي, نبيل أديب عبدالله
29 زيارة
جاء في صحيفة الجريدة في عدد الخميس 21مايو 2015في الصفحة الأولى مايلي :
أصدر مجلس وزاء حكومة ولاية الخرطوم قراراً بايقاف التصاديق الجديدة للركشات كوسيلة لنقل الركاب ، ومنع الأجانب من قيادة وإمتلاك الركشات ، وتمسك بالتشديد في جميع المخالفات التي يرتكبها سائقو الركشات واصدار لائحة واحدة لتقنين عمل الركشات الموجودة حالياً بالولاية .
لاشك أن حكومة ولاية الخرطوم هي الآن حكومة تصريف أعباء فحسب، و ذلك يعني أن يقتصر عملها على التصدي للمسائل المستعجلة لحين يتم تعيين الحكومة الجديدة. مسألة المواصلات داخل العاصمة هي من المسائل ذات الأثر الممتد، والتي تتطلب دراسات عميقة مما يوجب تركها للحكومة الجديدة. ولكن مايهمنا هنا في هذه المقالة هو ماتوصلت إليه حكومة الولاية من قرار بمنع الأجانب من قيادة وإمتلاك الركشات في ولاية الخرطوم، وهو قرار يبدو على وجهه إفتقاد المعقولية المتطلبة في الحكم الراشد. وليس ذلك بغريب على ولاية الخرطوم فقد أصدرت من قبل العديد من القوانين واللوائح والقرارات التي تفتقد المعقولية، إبتداء من قانون النظام، مروراً بمنع عمل النساء بطلمبات الوقود، وتربصها المتكرر والمضطرب ببائعات الشاي، بالإضافة للوائح المحلية المتعلقة بتدخين الشيشة .
مسألة منع الأجانب بشكل مطلق من إمتهان مهنة معينة يستدعي بالضرورة إلى الذهن المادة 31 من الدستور ونصها كالتالي ” الناس سواسية أمام القانون، ولهم الحق في التمتع بحماية القانون دون تمييز بينهم بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو الُلغة أو العقيدة الدينية أو الرأي السياسي أو الأصل العرقي. ” وقد أخذ دستور ولاية الخرطوم نفس النص في المادة 22 وهي نصوص تقوم على على منع التمييز الذي يشكل أحد أسس مبدأ سيادة حكم القانون الذي إعتمده الدستور كأساس لوحدة السودان.
التمييز بين الناس
التمييز بين الناس حينما يمليه إختلاف ظروف الخاضعين للحكم القانونى المعين ليس فقط جائزاً بل هو مطلوب ، فتطلب درجة معينة من الدراسة لممارسة مهنة معينة، أو عمر معين لممارسة حق بعينه لا يشكل معضلة لأن السبب فيه واضح، ولكن المعضلة تأتى عندما يتم التمييز بسبب لادخل له بالمنح أو المنع. فإذا صدر قانون يمنع مزاولة المهن الطبية إلا بترخيص من المجلس الطبي فإن السبب فى ذلك باد للعيان، ولكن إذا منع القانون عنصراً إثنياً معيناً أو ديناً بعينه من ممارسة الطب فإن ذلك يشكل تمييزاً غير مقبول لأنه لادخل للعنصر أو المعتقد الدينى بقدرة الشخص على مزاولة مهنة الطب.
حقوق الإنسان وحقوق المواطنة
بالعودة إلى موضوعنا وهو منع الأجانب من مزاولة مهنة معينة فإنه لابد من التفرقة في مبدأ الأمر بين حقوق الإنسان، وبين حقوق المواطنة. فالتمييز ضد الأجانب في المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان غير مقبول ومخالف للدستور . أما التمييز ضد الأجانب فيما يتعلق بالحقوق السياسية المتصلة بالمواطنة، فهو ليس فقط جائز بل هو أمر طبيعي. فمنع الأجانب من الإشتراك في الإنتخابات هي مسألة طبيعية لاتشكل تمييزاً ضدهم وذلك لأنهم يفتقدون حق المواطنة الذي يؤهل الشخص للدخول في العملية الإنتخابية سواء كان بالترشيح أو التصويت. كذلك فإن بعض المهن والأعمال، بما تتطلبه من ولاء للوطن لا تجوز مزاولتها لغير المواطنين، ومن ذلك الجندية و تولي المناصب العامة. وبالتالي فإن منع الأجانب من الدخول في القوات المسلحة أو الخدمة المدنية لا ينطوي على تمييز ضدهم طالما أنهم لايتمتعون بحق المواطنة الذي يؤهلهم لذلك .
حق العمل
وهذا كله يقودنا إلى حق العمل والسؤال هو هل حق العمل هو من حقوق الإنسان أم من حقوق المواطن؟ فإذا كان من حقوق المواطن فما هي معايير تقييده بالنسبة لعمل الأجانب في غير المهن التي تتصل بحق المواطن ؟
لا شك أنه ليس للأجانب حق أصلاً في التواجد في إقليم الدولة، ما لم تسمح لهم الدولة بذلك. وبالتالي فإن دخولهم وبقاءهم في إقليم الدولة المضيفه هو رهين بقبولها لذلك. ولكن المسألة تثور بالنسبة لمن تمنحهم الدولة المضيفة بالفعل حق الإقامة الدائمة، وحق العمل، هل يجوز التمييز ضدهم بالنسبة لذلك الحق؟ تلزم الفقرة الأولى من المادة 12 من الدستور الدولة بتبني استراتيجيات وسياسات تكفُل العدالة الاجتماعية وتوفر فرص العمل بين أهل السودان كافة. لا شك أن تعبير أهل السودان هو تعبير غير قانوني وبالتالي فإن مسألة ما إذا كان ذلك التعبير يشمل الأجانب المقيمين بصفة دائمة أم لا يشملهم تظل مسألة خلافية. كذلك من الممكن القول بأن الأحكام الواردة عن حق العمل في العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية غير قاطعة، من حيث ما إذا كان الحق في العمل يشمل الاجانب المتواجدين في إقليم الدولة بشكل قانوني ودائم أم لا يشملهم.
ولكن الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم و التي اعتمدت بقرار الجمعية العامة المؤرخ في 18 كانون الأول / ديمسبر . 1990وضعت أسساً لتقييد دولة العمل لحق العمال المهاجرين في أن يختاروا بحرية الأنشطة التي يزاولونها مقابل أجر وهي وفقاً للفقرة 2 من المادة 52 تقتصر على:
أ- أن تقصر إمكانية الوصول إلى فئات محدودة من الأعمال أو الوظائف أو الخدمات أو الأنشطة في الحالات التي يكون فيها ذلك ضروريا لمصالح هذه الدولة ومنصوصا عليه في التشريع الوطني.
ب- أن تقيد حرية اختيار النشاط المزاول مقابل أجر وفقا لتشريعاتها المتعلقة بالاعتراف بالمؤهلات المهنية التي يتم الحصول عليها خارج إقليمها. ومع ذلك، تعمل الدول الأطراف المعنية على اتخاذ الترتيبات اللازمة للاعتراف بهذه المؤهلات.
-2 يجوز أيضا لدولة العمل، بالنسبة للعمال المهاجرين الحائزين لتصاريح عمل محدودة الزمن:
أ- أن تجعل حق الاختيار الحر للأنشطة التي يزاولونها مقابل أجر مشروطا بأن يكون العامل المهاجر قد أقام في إقليمها إقامة مشروعة لغرض مزاولة نشاط مقابل أجر لفترة من الوقت محددة ف تشريعها الوطني لا ينبغي أن تتجاوز سنتين.
ب- أن تقيد إمكانية وصول العامل المهاجر إلى الأنشطة التي تزاول مقابل أجر، عملا بسياسة منح الأولوية لرعاياها أو للأشخاص الذين يماثلونهم لهذه الأغراض بموجب تشريع أو اتفاقات ثنائية أو متعددة الأطراف. ولا ينطبق هذا القيد على العامل المهاجر الذي أقام في إقليمها إقامة مشروعة لغرض مزاولة نشاط مقابل أجر لفترة من الوقت محددة في تشريعها الوطني لا ينبغي أن تتجاوز خمس سنوات.
-4 تحدد دول العمل الشروط التي يؤذن بموجبها للعامل المهاجر، الذي سمح له بالدخول للعمل، أن يقوم بعمل لحسابه الخاص. وتراعى المدة التي قضاها العامل بالفعل بصورة مشروعة في دولة العمل.
و تعرف الأتفاقية المذكورة العامل المهاجر بأنه الشخص الذي سيزاول أو يزاول أو ما برح يزاول نشاطا مقابل أجر في دولة ليس من رعاياها. وهو تعريف يشمل جميع الأجانب الذين يحملون رخص قيادة ركشات. ورغم أن هذه الإتفاقية لم يصادق عليها السودان إلا أنها من حيث كونها تمت مناقشتها وإجازتها بواسطة الجمعية العامة للأمم المتحدة أصبحت في نظر الكثيرين من فقهاء القانون الدولي جزء من المبادئ الدولية العرفية التي يقبلها مجتمع الدول بإعتبارها من قواعد القانون الدولي.
مجمل القول هنا أنه بالنسبة لأن القرار المذكور يمس أجانب في إقليم السودان من الذين ينطبق عليهم تعريف العمال المهاجرين، ولا يستند على أي من ألإعتبارات التي تجيز ذلك المنع فإنه لايجوز أن يتم منعهم من مزاولة مهن هم مؤهلين للقيام بها بقرار عام يشمل جميع الأجانب لمجرد كونهم أجانب، وكان الأجدر ترك المسألة للسلطات المرخصة لتناول كل حالة وفقاً للإعتبارات الخاصة بها.
nabiladib@hotmail.com