وماذا عن عنصريتنا نحن؟ …. بقلم: خالد عويس

 


 

خالد عويس
25 June, 2010

 

3-1

khalidowais@hotmail.com

خالد عويس

روائي وكاتب سوداني

ثمةُ ملاحظات ضرورية حين الخوض في جدل العنصرية بشكلٍ عام، وحادثة (الأوزاعي) في بيروت التي أثارت ردود فعل واسعة في السودان.

أولى هذه الملاحظات أن بعضنا ممن يتصدون لعنصرية لبنانيين أو غيرهم بحق سودانيين، يعوزهم (الاتساق الأخلاقي)، لأن مواقفهم تجاه العنصرية الداخلية مناقضة تماماً، وهذا الأمرُ محيّر فعلا، فالقيم تظل هي القيم ذاتها. لا يمكن – على سبيل المثال – أن أرفض الديكتاتورية في السودان وأؤيدها في عراق صدام أو يوغندا عيدي أمين ! على غرابة الموقفين وتناقضهما البالغ، إلا أنه موقف يعكس تناقض بعض مكونات الشخصية السودانية ذاتها. أن تؤيد أمراً وترفضه في آن !

حسناً، إن الاستبطانات والحمولات العنصرية في كتابات و(أفعال) الطيب مصطفى وإسحق فضل الله أكثر فداحةً في أثرها على الوطن، لكن، الأشخاص ذاتهم الذين تصدى بعضهم لعنصرية لبنان، يؤيدون من طرفٍ خفي أو معلن، المؤسسات السياسية والثقافية التي يمثلها الطيب مصطفى وإسحق فضل الله، ويعبرون من خلالهم عن (نسقٍ) ثقافي قائم في الذهن الجمعي لهذه المؤسسات !

ثانياً: المسيرة التي توجهت إلى السفارة اللبنانية في الخرطوم، على أهميتها ودورها الكبير، غير أنها أغفلت تماماً الإشارة إلى الدور السلبي لنظام الخرطوم، فضلاً عن أن تتوجه – أيضا – إلى مبنى وزارة الخارجية السودانية للاحتجاج على تقاعسها وضعف همتها في الدفاع عن السودانيين في الخارج !

ثالثاً: قبل نحو ثلاثة أشهر، كال الدكتور الترابي اتهاماتٍ خطيرة بحق الرئيس السوداني، عمر البشير، تتعلق بتوصيفات غاية في العنصرية قالها الأخير ضد النساء الدارفوريات.وإلى غاية الآن لم يحدث شيء سوى اعتقال الترابي لأسباب أخرى. الاتهامات إن لم تكن صحيحة، كان واجباً محاكمة الترابي. وإن صحّت، فإن البشير غير مؤهل أخلاقياً على الإطلاق لحكم السودان، وينبغي أن يُحاكم.السؤال هنا، هل كرامة أهلنا في دارفور ليست مهمة حين تمرّغ في التراب بواسطتـ(نا) لا بواسطة لبنانيين؟

رابعاً: يغفل الغالبية عن طرح سؤال مهم: ما الذي جعلنا مهانين إلى هذه الدرجة في كلّ مكان، بيروت وطرابلس والقاهرة وغيرها من العواصم والمدن؟

خامساً: للمساهمة في الحوارات الدائرة حالياً بشأن (العنصرية) وحتى لا تستحيل عنصريةً بحد ذاتها ضد اللبنانيين، سأنشر مجددا ورقة كنتُ كتبتها في فبراير 2006 بعنوان: (مدخل لمناقشة شجرة نسب الغول):

تستدعي الأطروحة المعمقة الموسومة بـ "شجرة نسب الغول في مشكل (الهوية الثقافية) وحقوق الإنسان في السودان، أطروحة في كون الغول الإسلاموي لم يهبط علينا من السماء" للدكتور عبدالله بولا، مناقشات مستفيضة، و"استطرادات" من قبل الباحثين، لما بدأه د. بولا، وصولا إلى "فهم" مشترك حيال الأطروحة.

ولعل نقطة جديرة بالنقاش، كمفتتح لهذه الأطروحة، التي أراها غير بعيدة عن نقاشات الديمقراطية والتعددية وحقوق الانسان، الدائرة هنا، هذه الأيام، هي كيفية "جعل مثل هذه المناقشات متاحة لقطاعات واسعة من الشعب السوداني" حتى لو تمت الاستعاضة عن "لغة البحث العلمية" بـ"لغة تحوي قدرا من التبسيط والشرح للمصطلحات العلمية، والأفكار ذاتها".

وهذا بحد ذاته، يحتاج جهدا في مضمار الاقناع الواسع بضرورة الانتقال إلى "عقل ناقد" ومنفتح على المدارس النقدية، وأولويات المراجعة العميقة. بعبارة أدق، وبصيغة سؤال: كيف السبيل إلى بناء "ثقافات شعبية ناقدة" في السودان، وقادرة على طرح فرضيات مختلفة حيال المسائل الثقافية، عوضا عن اليقينات والمسلمات. وفي هذا الخصوص، يبدو لي أن مدخلي إلى مناقشة ورقة د. بولا، ستكون الشواهد التي لا تحصى عن الاستعلاء اللغوي - بحسب د. بولا - والعرقي والثقافي (والاضافة من عندي) من "الحياة اليومية العادية على قيامه في البنية الذهنية في كلا مستويي الوعي واللاوعي. يكفي في هذا الخصوص تعبير "غلفة اللسان". وهو مع أنه مفهوم عام يسري على كل من لا يتحدث العربية "النظيفة"، إلا أنه يقترن أكثر ما يقترن بمفهوم العبودية السوداني" عبدا لسانه أغلف" و"عبدا أبلم" و"الطين في طينه والعبد في رطينه" " [شجرة نسب الغول ص 15].

والحقيقة أن مثل هذه المفاهيم تسري على أوجه كثيرة في حياتنا، وتقع ضمن "المسلمات" من دون أية مراجعات أو على الأقل "ملاحظات ناقدة"، وتؤثر حتى في الآمال المعلقة على السلام والوحدة في السودان. ويتوجب في هذا السياق أن نوجه عنايتنا وبشكل كبير إلى "الأمثال الشعبية" و"المفاهيم" التي لا تخلو من تأكيد هذه المعاني الاستعلائية، وتفصح عنها بشكل لا يستدعي اللبس، مثل "عبدا بي سيدو ولا حرا مجهجه". والحر هنا بطبيعة الحال، لا يمكن أن يكون "ود عرب"، وإنما سيأتي ذكره لاحقا فيما يتعلق بأخلاف أسلاف كانوا "أرقاء" وأعتقوا. ويعني - في تقديري – رغبة مضمرة في استمرار الاستعباد بأشكال مختلفة، لأن الحرية "مجهجهة" !!

ويمكن كذلك قراءة النكات - والتي لاقت رواجا كبيرا في هذه الفترة من خلال مجموعات "فكاهية" – ومدى "تقبلها" في هذا السياق، وهي تستبطن أيضا في بعض جوانبها استعلاء.

وفي هذا الجانب أيضا، تقوم - ما يمكن أن أصفها بالذائقة الجمالية المستلبة إلى حد ما ولا أدعى بأنني أقتحم ميدان فلسفة الجمال - باجترار "المفاهيم العربية" حول لون البشرة، والزراية باللون الأسود، وتوجيه المثالب كلها إليه. بل أن المفاهيم هنا تستبطن بل وتصرح علانية أبيات المتنبي التي يبشع فيها بكافور الأخشيدي مثل :

لا تشتري العبد إلا والعصا معه.. إن العبيد لأنجاس مناكيد

في تأكيد انحطاط "العبيد" والمصطلح مرتبط بطبيعة الحال بـ"الزنوج" !!

إن نسقا "مضمرا" بل ومصرحا به على هذه الشاكلة في الثقافة، كفيل بالقضاء على أية بادرة لـ"المواطنة" و"التعددية"، ناهيك طبعا عن الاقتباسات التي ساقها د. بولا، مع تحليل لسياقاتها الثقافية. ولا يغيب عن حيز البحث أيضا، الاسقاطات السياسية الواضحة في هذا الخصوص، حين يكون هذا المدخل وحده، دالا إلى اقصاء الآخر (د. قرنق مثلا) في العبارات الدارجة والاستنكارية في اطار المحاججة وفي صيغة سؤال "كيف يحكمنا هذا العبد".

ولي أن أنبه هنا إلى ما أسميه "هامش الهامش" إذا جاز المصطلح. والمرء لا يعوزه عناء كبير للاتفاق مع د. بولا، بأن "الزنجي" في السودان هو "عبد" بالضرورة، في "النسق الثقافي" للعربسلاميين (والمصطلح للدكتور بولا)، لكن ثمة "مغيبين" عن المشهد، هم أولئك الذين جيء بأسلافهم منذ عشرات السنين كـ"أرقاء"، وأعتقتهم القوانين، وربما أيضا انحسار مفهوم "الرق" في "صيغته القانونية"، لكن لم يعاد إلي أخلافهم الاعتبار إلى غاية الآن. ويمارس بحق هؤلاء استعلاء عرقي وثقافي فائق، على الرغم من إسلامهم أو "أسلمتهم"، لكن الإسلام ذاته لم يشفع لهم لدى "سادتهم". ومفهوم السيادة ما يزال ماثلا إلى غاية الآن على الرغم من انتفاء صيغته القانونية، لكن حصول هؤلاء الأخلاف على أبسط الحقوق ما يزال بعيد المنال، لأن غالبيتهم لم ينالوا تعليما يذكر، ولا يسعون - بالتالي - للمطالبة بها، كما أنهم لا يملكون أراض زراعية (في الإقليم الشمالي مثلا) أو مصادر أخرى للرزق.

وثمة أحياء تتألف من بيوت رثة في هوامش عدد كبير من المدن السودانية تضم هؤلاء، ويقومون في الغالب بالعمل في البيوت، ولدى الآخرين في أعمال البناء والفلاحة، والرعي، وصنع الشاي والقهوة، وربما صناعة الخمور في شروط انسانية بالغة التعقيد. هؤلاء ينسحب عليهم مصطلحا "عبد" و"خادم" في ظل قبول من جانبهم تحتمه المصالح الاقتصادية، وربما الغلبة الاجتماعية والثقافية في تلك المجتمعات، وهي ظروف ليست في صالحهم.

هذه المسألة برمتها، ومناقشاتها - خصوصا في ما يتعلق بضرورات النقد والمراجعة - تبقى قدرتها على احداث تغيير حقيقي، رهنا بمراجعة شاملة و"نقدية" للمناهج الدراسية في السودان. لا يتعلق الأمر بالتعريب "القسري" فحسب، وإنما في فرض ثقافة بعينها، بكل "اسقاطاتها" و"أنساقها المضمرة" وهنا بيت رئيس للقصيد. لا يتعلق الأمر فحسب، بالسماح بتدريس اللغات الأخرى في السودان، وإنما أن تحوي المناهج الدراسية قدرا غير قليل من "البناء المعرفي النقدي"، والاستعاضة عن مبدأ التلقين والتحفيظ، و"اليقينيات" وكون المدرسة والمعلم، مصادر نهائية للمعرفة . وتأهيل "المعلم" ذاته يبقى قضية مفتوحة للنقاش، إذا لا تستقيم مثل هذه الدعوة، في ظل "تعليم جامد" ناله المعلمون أنفسهم.

التشوهات التي لحقت بأجيال تالية توّلدت عن انتقال خبرات غير مدعومة برؤي نقدية من اجيال سالفة، فتعاطي الاجيال مع بعضها عملية تلقينية بالكامل تتمحور حول محاور شيخ الطريقة - المدرسة - الأب - زعيم الحزب او يمكن القول بأنها دينية، تعليمية، اجتماعية تفرّخ أجيالاً غير قادرة علي وضع لمسات حداثية عبر اتجاهات وطرائق جديدة للتفكير في ما عدا التقنية، أي ان الذهنية نفسها استبطنت النسق المتكامل المضمر في أنسجة المجتمع المستلهم للتراث الديني والثقافي والاجتماعي [مقال: مرئيات لمناقشة اختلالات البني السودانية وتفكيك العقل المستعار (1) - خالد عويس/ الزمان اللندنية 13/2/2002]. كيف نبني "العقلية الناقدة" المتطورة باستمرار ؟ هذا هو السؤال الذي علينا أن نثابر على طرحه، ونحاول الاجابة عليه. فالنسق الثقافي، مؤثر جدا، وقادر على التأثير مستقبلا، إن لم تشكل "الأسئلة القلقة" بل والقناعة بجدواها، اشكالية له (النسق الثقافي). وهو، في طبيعته الساكنة و"غير القلقة" يستمد صلابته "المعرفية" من تراكم ما يمكن وصفه بـ"الوصايا"، وأدعوها كذلك، لأن النسق الثقافي يضمر أيضا تبجيلا منقطع النظير لآراء الكبار (الآباء، آئمة المساجد، المعلمين، شيوخ العشائر، وحتى زعماء الأحزاب) ويكاد يصل بقناعاتهم لمقام التقديس.

وتبقى قدرتها على احداث تغيير أيضا، بمدى قدرة الإعلام والمؤسسات الثقافية على ادارة حوار جاد وعلمي حول "الثقافات السودانية" وأنساقها المختلفة، و"تنمية" العقل الناقد.

بالطبع، لا يمكن مناقشة المسألة - هذه المسألة شديدة الارتباط بالنسق الثقافي - بمعزل عن أن " العقل السوداني نفسه لم يظهر الي الآن عناية بحضاراته القديمة وحصر جهوده في اجترار التاريخ الأنجلوسكسوني بالسودان ومناوراته مع المهدية، وهذا يستدعي تضافرا لجهود تدعمها منظمات عالمية مختصة من اجل الكشف عن حلقة من أهم الحلقات الانسانية، كانت لها اتصالاتها بحضارات بعيدة، يقرر باذل ديفدسن في كتابه "افريقيا تحت اضواء" (والكتاب ترجمة المرحوم جمال محمد أحمد) جديدة بأن آنية من الآنيات المعروضة في المتحف السوداني باعتبارها راجعة للحقبة المروية تحمل زخارف صينية! ديفدسن ينبه العالم الي ان لمروي علي الانسانية ان ترعاها وان تكشف ما في بطونها من ذخائر، انها من أعظم ما خلّف العالم القديم، والتاريخ الذي تحتويه، شطر من تاريخ الانسان جليل القدر علينا ان نجلوه، فالواقع الذي لا يزين الآن، هو اننا لا نعرف عن الحياة التي عاشها الانسان في مروي وسائر مدن كوش، اكثر مما عرفه هيردوتس قبل 14 قرنا وما مروي الآن الا مدينة بائسة يغير عليها النهر اثناء فيضانه وتتجاذبها رمال الصحراء الجامحة في سطوتها التي تذرو الغبار علي كنوزها الغائبة في بطن الارض، وتحتوي علي اهرامات ملوكية لا تقل ابداعا هندسيا عن رصيفاتها في الجيزة الا بصغر حجمها". [مقال: مرئيات لمناقشة اختلالات البني السودانية وتفكيك العقل المستعار (1) - خالد عويس - الزمان اللندنية 13/2/2002]. (وأنبه هنا إلى أن "العقل السوداني" ذاته مصطلح يحتاج لوقفة، إذ لا يجوز في تقديري اطلاقه بهذا التعميم ومن دون النظر في مكونات مختلفة له، وعلى أي حال هو غير منضبط مصطلحيا).

والغريب أن المناهج الدراسية (التي درسناها على الأقل في مراحل التعليم قبل الجامعي) لا تعطي هذا الأمر إلا أهمية قليلة، شأنه شأن "تاريخ أوروبا" و"تاريخ أفريقيا". والحلقات الغائبة في تاريخ السودان وتنشئة الأجيال بناء علي نسق منفصل عن الجذور العميقة، جعل من (الشخصية الماثلة)، مستعارة ومستلبة إلى حد ما، كونها مستنبتة في معمل القرنين الماضيين فحسب بينما يقبع التاريخ الورائي في ثنايا الذاكرة السودانية كـ"شظايا" غير حيوية ولا منتمية. عدم الانتماء هذا ولّد شعورا بـ"هامشية الشخصية" وسط شخوص عريقة علي المستوى الإقليمي.

كما لا يمكن فصل المسألة، عن النظرة السائدة بالانشداد نحو المصادر الأولى (عربيا وإسلاميا) وهي الجزيرة العربية، حيث الحقائق تكاد - أقول تكاد - أن تكون مطلقة، والمعارف نهائية. فالعروبة خصيصة عرقية وثقافية "أفضل من غيرها"، وأنماط التدين "المنتجة" هناك، ربما تكون أكثر صلاحا، والتصاقا بالمصادر الأولى، لذلك فإن تأييد بعض علماء السعودية لحكم الاعدام على الأستاذ محمود محمد طه - مثلا - يكتسب أهمية بالغة لدى (الرأي العام).

وهنا تصبح الثقافة (هنا) جزء من (كل) هناك، مستهلكة لانتاج ذلك الـ(كل)، أو في أفضل الأحوال تعيد انتاجه بصيغ أخرى، لكنها تحافظ على جوهره "ويفهم النسق المضمر والمعلن هنا". أي أن (هنا) ربما ليس إلا "جغرافيا" مكملة لـ(هناك)، وعليه، فإن منجزات الـ(هنا) الثقافية تبلغ كمالها بالتطابق ربما مع الـ(هناك) حتى في شكله. ففي حال غنى السودان وثرائه حال تدفق البترول سـ"نرتدي الأشمغة والعقالات" كما يستبطن ذلك في بعض النكات، و"القصائد الحلمنتيشية". أما المثال الأكثر وضوحا على هذه المسألة، فهي الدعاوى الدائمة، والملحة بأن (الأصول) تعود إلى ذلك الفخذ أو البطن من قريش، أو "الدوحة الهاشمية". (في هذا الاطار لا تتم الاشارة مطلقا إلى أبي جهل أو أبي لهب مثلا كجد مفترض لأية قبيلة سودانية !!).

 

آراء