ويل ديورانت…
ذاكرة الحضارات وصوت التاريخ الانساني
منبر نور مقالات من بطون كتب ونبض الواقع
في عالم الكتب،
هناك مؤلفون
يكتبون عن مرحلة،
أو دولة،
أو فكرة محددة،
لكن قليلين هم الذين امتلكوا الجرأة والمعرفة والصبر ليكتبوا قصة الحضارة الإنسانية بأكملها.
ومن بين هؤلاء يبرز اسم المؤرخ والفيلسوف الأمريكي ويل ديورانت، صاحب المشروع الفكري الضخم قصة الحضارة،
ذلك العمل الذي لم يكن مجرد موسوعة تاريخية، بل محاولة لفهم الإنسان نفسه عبر الزمن.
حين يقرأ المرء ديورانت
يشعر أنه لا يقرأ مؤرخًا جافًا،
بل إنسانًا عاشقًا للحضارة،
يتنقل بين الأمم كما يتنقل شاعر بين الحدائق.
كتب عن
مصر القديمة،
والهند،
والصين،
واليونان،
وروما،
والحضارة الإسلامية، وأوروبا الحديثة،
لكنه لم يكن يبحث عن الحروب فقط،
بل عن
الفكرة التي صنعت كل حضارة،
وعن الروح التي
جعلت أمة ما تنهض ثم تنطفئ.
كان ديورانت
يؤمن أن الحضارة ليست قصورًا وتماثيل،
بل هي حصيلة
الأخلاق،
والتعليم،
والفن،
والعمل،
والتنظيم الاجتماعي.
ولهذا، لم يكن
يسرد أسماء الملوك
بقدر ما كان يهتم بالفلاسفة
والعلماء
والشعراء
والناس العاديين
الذين صنعوا الحياة اليومية.
ومن أجمل ما في كتاباته
أنه لم ينظر إلى التاريخ كصراع دموي فقط،
بل كرحلة إنسانية طويلة نحو المعرفة.
كان يرى أن كل حضارة تأخذ من التي قبلها
ثم تضيف شيئًا جديدًا.
فلا أمة تبدأ من الصفر، ولا حضارة تنشأ وحدها.
ولهذا كان شديد الإنصاف للحضارة الإسلامية،
معترفًا
بدورها العظيم
في نقل العلوم
والفلسفة
والطب
والرياضيات
إلى أوروبا.
كتب مرة عبارة تختصر فلسفته كلها تقريبًا:
“الحضارة نهر له ضفتان؛
على ضفة يقف الساسة،
وعلى الضفة الأخرى يقف
العلماء والفلاسفة والفنانون…
وفي الغالب ينسى الناس الضفة الثانية رغم أنها الأهم.”
بهذه النظرة العميقة، جعل ديورانت القارئ يرى التاريخ بطريقة مختلفة.
لم يعد التاريخ عنده مجرد انتصارات عسكرية،
بل أصبح سؤالًا عن معنى الحياة البشرية نفسها.
لماذا تزدهر الأمم؟ ولماذا تنهار؟
وكيف تنتقل الأفكار من عقل إلى آخر حتى تغيّر العالم؟
وكان يؤمن أن الأخلاق عنصر أساسي في بقاء الحضارات.
فحين تضعف القيم ويطغى الترف
ويختفي الشعور بالمسؤولية،
تبدأ الأمم في الشيخوخة
مهما بلغت قوتها الاقتصادية
أو العسكرية.
ولهذا، حين نقرأ “قصة الحضارة”، نشعر أننا لا نقرأ الماضي فقط،
بل نقرأ تحذيرًا للحاضر.
العجيب أن ديورانت لم يكن متشائمًا رغم كل ما قرأه من حروب وانهيارات.
كان يرى أن الإنسان، رغم أخطائه،
يواصل التقدم ببطء.
وأن المعرفة التي يراكمها البشر عبر القرون هي أعظم ثروة حقيقية تملكها الإنسانية.
ولهذا، فإن قيمة ويل ديورانت
لا تكمن فقط في كثرة ما كتب،
بل في الطريقة التي جعل بها التاريخ حيًا ومتصلاً بحياتنا اليومية.
لقد أعاد للتاريخ روحه الإنسانية،
وربط بين
الفلسفة
والسياسة
والاقتصاد
والأدب
في نسيج واحد.
في منبر نور، ونحن نواصل رحلتنا مع الكتب التي صنعت الوعي العالمي،
يبدو ديورانت كأنه رفيق طويل السفر، يحمل في يده خرائط الحضارات،
ويقول لنا بهدوء:
“اقرأوا الماضي جيدًا… فالمستقبل يولد منه.”
عبد العظيم الريح مدثر
اقتصادي
متقاعد من
المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقيا
مؤسس منبر نور البحثي
sanhooryazeem@hotmail.com
