يا شباب السودان تنظّموا .. بقلم: د. تيراب الشريف الناقي
6 يناير, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
59 زيارة
أبدأ بالترحم على أرواح شهداء ثورة ديسمبر الذين قدموا للوطن أغلى ما يمكن أن يقدمه الإنسان، ورووا أرضه بدمائهم الطاهرة، رفقاء شهداء أكتوبر وفي مقدمتهم شهداء الجامعة أحمد القرشي طه وبابكر حسن عبد الحفيظ؛ وأعقّب بالدعوة لجرحانا بالشفاء العاجل.
أشعر كأحد أبناء جيل أكتوبر بالفخر والسعادة لخروجكم يا أبنائي وبناتي شباب الوطن وشاباته للشوارع في مواكبكم الهادرة في ربوع البلاد ضد حكومة الإخوان المسلمين الدكتاتورية الغاشمة (ولا أشرّفهم بوسْمِهم بالسِّمة الإيجابيّة التي وسَموا أنفسهم بها للتمويه: “الإنقاذ”) ؛ هذه الحكومة التي سامت شعبنا أبشع أنواع الذل والهوان طيلة ثلاثة عقود. ينبع ذلك الشعور من عاملين: أولاً، برغم أنكم ولدتم وترعرعتم في عهد هذا النظام الفاسد، إلا أنكم لم تتأثروا بأيديولوجية القهر والإقصاء والإرهاب التي تميّزه قط، بل على عكس ذلك، عزّزت تلك الأيديولوجية القيم النبيلة فيكم وكرّستها: قيم الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية وقبول التعددية الأصيلة في مجتمعنا. وما شعار “يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور” (والذي هو، حقاً، من أجمل ما سمعت) إلا واحداً من الشعارات التي تعبر عن تلك القيم. والعامل الثاني، هو اطمئنان قلبي من أن جذوة أكتوبر لم تخمد، لأنكم أشعلتموها في ديسمبر من جديد، وأنا على ثقة من أنكم ستورثونها لأبنائكم من بعدكم. وكما سارت ثورة أكتوبر حتى النصر، فأنا على ثقة أيضاً أن ثورة ديسمبر ماضية قُدُماً حتى النصر كذلك بعزمكم وإصراركم، ولا نكوص لأنه، كما هتفتم: “الطلقة ما بتكتل بكتل سكات الزول.”
عطفاً على ما سبق، أود أن أتحدث هنا عن أمرين هما وجهان لعملة واحدة؛ أولهما: ضرورة تنظيم أنفسكم تنظيماً سياسياً يكون امتداداً عملياً لخروجكم للشوارع لإسقاط النظام. وأعني بذلك تجاوز ما تبقى من حزبي “الأسياد” الطائفيّين، الأمة والاتحادي، وتشكيل أحزابكم الخاصة بكم، أو الانضواء تحت الأحزاب المدنية الحديثة التي لم تشارك في الحكومة، والتي تشكل الأحزاب المعارضة المشاركة في الثورة، والتسجيل المنظم والممنهج، وبأعداد هائلة، في أحزابكم أو في ما تختارون من هذه الأحزاب. بهذا تكونون قد صنعتم الدرع الذي يحمي ثورتكم من سارقي الثورات المحترفين حين تأتي أُكُلَها بسقوط النظام وبزوغ المرحلة الانتقالية وما بعدها، والتي ستتولى إدارة الدولة فيها الأحزاب والتنظيمات السياسية والمهنية. لذلك، فتكوين أحزابكم، أي تنظيماتكم السياسية، أو انضمامكم للأحزاب الحديثة ضرورة يقتضيها النشاط السياسي في ثورتنا الثالثة هذه، ويضمن تحقيق الأهداف التي خرجتم وضحيتم من أجلها، وعدم إجهاضها.
الأمر الثاني، والذي يرتبط ارتباطاً عضوياً بالأمر الأول، هو أن الانضمام للتنظيمات السياسية الحديثة، أي الأحزاب الحديثة، سيكون درعاً واقياً للثورة من سرقتها للمرة الثالثة من قادة الأحزاب الثلاثة محترفي السياسة؛ تلك الأحزاب التي تستغل الدين للاستيلاء على السلطة السياسية: الأمة والاتحادي والإخوان المسلمين. وأنا على يقين أيضاً من أن الإخوان المسلمين سيرتدون ثوباً سياسياً جديداً في مرحلة ما بعد سقوط نظامهم ويُسمّون حزبهم إسماً جديداً يناسب المرحلة التاريخية التي تمر بها البلاد. فهم كالحرباء يلبسون لكل حالة لبوسها. وقد عاصرنا تغيّر أسماء حزبهم مع ثبوت أيديولوجيته المتطرفة الإرهابية التي لا تعترف بالوطن والدولة الحديثة، ولا تنتمي إليهما بل إلى تنظيمهم الأممي العالمي: الإخوان المسلمون/جبهة الميثاق الإسلامي/الجبهة القومية الإسلامية/المؤتمر الوطني/المؤتمر الشعبي/الإصلاح…الخ). ومن قراءتي لتاريخنا الذي عاصرناه بعد الاستقلال يمكن أن أتنبأ بأنهم سيعودون باسم جديد، وسيأتلف معهم حزب الأمة جناح الصادق كما فعل بعد ثورة أكتوبر، وبعد انتفاضة 85 لسرقة ثورتكم كما فعلوا مر تين من قبل. فحذار حذار!
خلاصة قولي، أنه لضمان استمرارية ثورتكم، ولكي تنجح في تحقيق التغيير المنشود في الوطن، فإن الحل الوحيد الواقي لها في رأيي هو إما تكوينكم لأحزابكم الخاصة، أو انضوائكم تحت ألوية الأحزاب الحديثة الجديدة، والتي يجب أن تتكتل وتتآلف، هي بدورها، وانخراطكم فيها بالملايين لكي تحموا ثورتكم، وتفوزوا في انتخابات ما بعد المرحلة الانتقالية. بذلك، ستتيحون لأنفسكم الفرصة، والتي لن تتيحها لكم الأحزاب المذكورة سارقة الثورات، للمشاركة مشاركة فاعلة في إدارة شؤؤن البلاد وفق رؤيتكم، وتؤسسوا دولة مدنية ديمقراطية تعدّدية حرّة ليس فيها “أسياد” (مما يعني ضمناً أن هناك “عبيد”!! وإلا لماذا يصرون على هذا اللقب؟؟؟) تسع جميع أبناء الوطن وبناته دون تمييز قبلي أو عرقي أو إثني أو ديني أو طائفي أو نوعي؛ تعود فيه للوطن عزّته ومكانته بين الأمم، وتعود فيه للمرأة السودانية كرامتها وحقوقها التي سلبها منها نظام الإخوان المسلمين.
وعاش نضال الشعب السوداني المستمر من أجل الحرية والعِزّة والكرامة والديمقراطية.
ateirab@yahoo.com