محمد صالح محمد
بين ضجيج العالم وسكون الغرف المظلمة تنمو غابة من الأسئلة التي لا جواب لها وتتشعب طرقات الحنين التي لا تؤدي إلا إلى سراب. العجز ليس في عدم القدرة على المشي بل في أن تكون حياً وتجهل تفاصيل حياة من هم قطعة من روحك؛ أن يمرّ يومهم دون أن تعرف هل ضحكوا؟ هل تعثروا؟ هل كبروا شبرًا إضافيًا هذا الصباح؟
مرارة المجهول …
أقسى أنواع الفقد ليس ذاك الذي يواريه التراب بل هو “الفقد الحي” أن يكون أطفالك تحت نفس السماء يتنفسون ذات الهواء لكنك لا تملك وسيلة لتعرف لون أحلامهم أو نبرة أصواتهم التي ربما تغيرت مع مرور الفصول.
هذا الغياب يترك فجوة في الصدر ثقبًا أسود يلتهم كل محاولات التناسي “الظروف” تلك الكلمة الباردة التي نلقي عليها لوم انكساراتنا وقفت سدًا منيعًا فجعلت من الأب عابرًا في ذاكرة غير مكتملة ومن الأبناء لغزًا يطارده في منامه.
الرهان على النبل …
في وسط هذا الحزن الكثيف تبرز بارقة ضوء واحدة ليست قادمة من الخارج بل من عمق الثقة التي لم تزعزعها المسافات. إنها الثقة في “الأم”. تلك الإنسانة التي رغم قسوة البعد تظل في نظري الحارس الأمين لذكراي. أحبها ليس فقط لما كان بيننا بل لنبلها الذي أعرفه جيدًا.
أثق أنها لن تسمح لصدأ الغياب أن يشوه صورتي في أعينهم. أثق أنها بقلبها الكبير ستغزل لهم من خيوط الفقد سترة دافئة ولن تزرع في حقول صغرهم أشواك الكراهية أو العتب.
هي تدرك أنني ما غادرت طوعًا وتعرف أن الحب الذي أحمله لها ولهم هو الدافع الوحيد الذي يجعلني أتحمل مرارة هذا الصمت.
ميثاق الحب والمسافة …
الحب الحقيقي ليس في القرب الجسدي فقط بل في تلك الحالة من التسليم بأن الطرف الآخر سيظل “مرآة نقية” لنا أمام أطفالنا. عندما أغمض عيني أتخيلها وهي تخبرهم قصصًا جميلة تذكر فيها اسمي بكل ود وتمسح على رؤوسهم وهي تهمس لهم بأن والدهم يحبهم بملء الأرض والسماء حتى وإن لم يكن حاضرًا ليشد على أيديهم.
أنا لا أعرف عنهم شيئًا الآن وهذا هو الوجع الذي ينخر العظم لكنني أعرف “عنها” ما يكفي لأنام بقلبٍ مطمئن على أرواحهم. فالحب الذي يسكنني تجاهها هو الضمان الوحيد بأن قصتي مع أطفالي لن تنتهي بالنسيان أو بالتشويه بل ستظل معلقة كدعاءٍ طاهر في انتظار فجر جديد يجمع شتات المسافات.
“إن أقصى ما يطمح إليه الغائب هو أن يظل حاضراً بالكلمة الطيبة في غيابه وأن تظل سيرته بيضاء في قلوب صغارهواليقين بمن نحب هو الملاذ الأخير”
ستظل حياتي معلقة في برزخ الانتظار أقتات على ملامحهم التي أرسمها في خيالي وأعزي قلبي بأنهم في يدٍ أمينة تعرف معنى الوفاء. غيابي عنهم موتاً مؤجلاً وصمتي أمامهم هو أكبر تضحياتي .
انا لا أملك إلا يقيناً حزيناً أنني سأظل أحبهم وأحب أمهم من خلف أسوار القدر غريباً عن تفاصيلهم لكنني ساكنٌ في دعواتهم التي لا تعرفني.
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم