يوم ذرفـتُ دموعَـاً على “الكهـرمان..”

أقرب إلى القلب:
يوم ذرفـتُ دموعَـاً على “الكهـرمان..”
السفير جمال محمد ابراهيم
أجل أيتها العزيزة ، هي خمسون عاماً على ميلاد “الكهرمان” ، وعشرون عاما منذ أن “انتزع” القدر فنانا شاملا، اسمه حسين مأمون شريف.
لم تقل لي كريمة الفنان الرّاحل ، أن ثمَّة خلصاء أوفياء تواثقوا على إعادة روحه من ذاكرة لوطـنٍ يتداعَـى، إلا قبل بعض يوم . لم تحدثني عن كيف انتزعوا من أيام السبعينات ، شريطه السينمائي الذي سـبق زمانه بسنوات ضوئية :”انتزاع الكهرمان”. وقفـت “سـواكن” عند حُـسـين، شاخصة ، والوطن بجدرانه الجيـرية من أقصاها إلى أقصاها تتهاوى.
لم تكن مياهُ البحر الأحمـر وحدها التي تآمرت ، بل أفاعٍ وثعابين وقطط غادرتْ أجحار صحاريها وأغـوار كهــوفـها ، ثم جئنا لنذرف الدمع حسرة على التداعي . هو البكاء بين يدي الانهيار. لو كان التاريخ يحلم، لكان من كوابيسه هذ الحريق الذي اندلع في وجدان السودانيين ومن فوقَ رؤوسهم وتحت أقدامهم ، تماماً مثلما ذابت جـدران “ســواكن” وانقلبتْ أعاليها أسافلها ، برغم لآلئ ابن الفارض وجواهر “أبي داؤود”، وما فعل ذلك غير الغُـزاة وملعوني التاريخ..
جئت إلى دار سينما “كريم” في قلب القاهرة وكريم” مخرج قدير قديم، واسمها الآن “زاوية سينما”. الزّحام يليق بـ “الكهرمان” . من داخل بهو الدار، قدِمتْ مُسرعة نحويّ متجاوزة الزّحام . انتشلتني الناشطة الّـابة وهي تخطو واثقة بثياب بيضاء فضفاضة ، عجبي لشعرها الفضيّ منسدل لتحت عنقها. عرفت عنها أنها من جيل غير جيلي وهي من منظمي الفعالية. هتفتْ بي بانشراح :

  • يا سيدي مرحبا بك …أكيد جئت لـ “كهرمان” حُســيـن ولـ “توحة” الأبنودي”..
    لم أقل لها كيف اصطادتني وسـط الزُّحـام، لكنها أضافت :
  • أنت ضيفنا .. أصـدقاؤك هناك . تعال معي ..
    قادتني لثلة من السودانيين : المخرج المعتق عبّادي محجوب هناك. القنان زهير أمين اتحاد الفنانين السودانيين في القاهرة. الفنان عكود . ثم سليمان محمد إبراهيم – شقيقي السينمائي الذي لم تلده أمّي. كانت أم طلال هناك ، أعرفها منذ أيامها في معهد جـوتة. جاء أحمد درويش مخرج سوداني كبير عرفتني إليه د. مريم الصادق. قال لي أنَّ جدّه الموسيقار سيّد درويش، والسُحنة تقول ذلك أيضا. إنّ في وادي لعجبا.
    اخترنا مقاعد في مستوى النظر المريح، حتى لا يفوتنا بريقُ “الكهرمان” الخارج من جُــدران “ســواكن”. جاءت مريم الصّادق – بنت خالِـك، الوزيرة التي تقدّرني وأقدّرها، منذ أيامها القصيرة في وزارة الخارجية. حـدَّثتها عن علاقتي مع صاحب “الكهرمان” ، وقلت لها:
  • كنت شاهداً على حســين وهو عاكفٌ على خلق كهرمانه الخاص على الورق. كتابي عن صديقي الرّاحل قيد الطبع..
    تلك أيَّام لا أعرف هل أسطيع الإمساك بها في ذاكرة تتعمّد نسـيان تفاصيلها.
    حدثنا رئيس الفريق الذي قام بالترميم كاملاً لشــريطَيْ الرَّاحلين، حُسين وعطيات ، وأوجزَ كيف أنجزتْ المهمة العسيرة، وكيفَ وقف فنانون سينمائيون كبارٌ حـذقة من الاختصاصيين في التدريب وفي إكمال الترميم ، فيهم ألمان وهولنديون مثلما معهم مصريون وسودانيون. أتيح لنا أن نشاهد العملين وكأنَّ “الكهرمان” وتوحه”، خرجا لتوّهِـما من يـدِ حسين ويد عطـيات.
    أيتها العزيزة … حين امتلأت القاعة بدأ عرض شريط “أغنية حزينة لتوحة” من اخراج عطيات الأبنودي. شريط قديم رأيناه في الشاشة كأن الراحلة عطيات صورته في التو؟ ثمَّ “الكهرمان”، أكاد أجزم أني رأيت جماعة من صنَّاع ذلك الشـريط المعتق يتجوَّلون داخلين وخارجين من عرين حُســين ومن خلال تلك الشاشة الفضية . يدخل ” منعم عـدوي” ويناقش حال آلة التصوير. هنا “السميح”، بهيئته اللافتة يدخل ويسمع من حُسـين ، ثم يستأذن ليزور الأستاذ حمدنا الله عبدالقادر في مكتبه المجاور. مع أستاذ حمدنا الله هناك عمر الأميــن والأسـتاذة “نعيمة شــديد”. يدلـفَ صديقي “سامي الصاوي”، بشعرٍ يغطي شحمتي أذنيـه، ونظاراته الطبية اللامعة، وبنطاله “الكوردروي”، ليهمس شيئاً لحُســين حول سيناريو “الكهرمان”. ثم يجيء “عايدابي” من بعـد. وقفتُ إليه لأذكِّره بمقالي عن شعر “الصادق أب آمنة” شاعر البطانة وفارسها، فيقول لي سيظهر في عدد الأسبوع القادم من الصحيفة. .
    لا أحبَّ زُحام المحيطين حول حُسـين . لكنه الدينمو ومشروع “الكهرمان” يتخلَّق بين يديه وأيـدي مسـاعديه. لذا أحب أن أزوره فور حلوله بمكتبه، باكراً قبل الزّحام . التدخين معه متعة والدردشة الهامسة . القهوة الرائقة نبيذ صباحي. معنا محمد عمر بشارة، هادئا كظله. يحتسي بشـارة قهوته ثمَّ يدلق ما تبقى في قعـر فنجانه، على الورق يلاعبه لتتخلق لوحة قـهـوية بديعة. ما أنْ يكثر الضَّجيج حول حُسـين ، أهرب إلى مكاتبنا حيث المساجلات والمشاغبات مع صديقاتنا وأصدقائنا : عبدالعال . “زهــرة محمد خليل” التي أحبت زيارتها لمنطقة “الزبايدة” والرشيدية”، على قولها. عبدالوهــاب البشير. مصطفى مبارك. الباشا التشكيلي. “هاجر عباس”. عبدالواحد الطريفي وعبدالواحد كمبال. الواثق كمير لإطلالات سريعة، ثم هرب إلى جامعة الخرطوم مثل هروبي إلى الدبلوماسية . هناك الزميلات الصديقات : “سُـعاد الحاج” . “نوال الكارب”. روضة محمد كوكو. إقبال السنوسي. سهام صغيرون. ثم الحبيب محمد الأمين الشريف وصاحبنا صالح مجلجلاً بضحكته المميّزة. “د. أحمد الزين صغيرون” هو المدير العام، لا تغفل عيناه عنَّا ، لكنَّه لا يتذمَّر فهو يعرف ما نحن عاكفون علـيه. أكثرنا خريجون جُـدد لا عهد لنا بقيود الخدمة المدنية. الأستاذ الجامعي الذي استقدمه وكيل وزارة الثقافة والإعلام، هو مدير مصلحة الثقافة في ذلك البيت الكولونيالي العتيق جنوب شارع الجامعة. إبراهيم الصلحي فنان قبل أن يكون وكيل وزارة. كنا مدللين لم نسمع بصرامة قوانين الخدمة المدنية.
    في ذلك الفردوس كنا مع حسين في حديقته الغناء ، فكانت للصحبة متعة.
    لكم حزنتُ يوم فارقتُ مصلحة الثقافة، فقد كانت فردوساً للثقافة، والفنون، والتشكيل، والسينما . فلماذا هربتُ منها إلى الدبلوماسية؟ تلك قصّة يا عزيزتي ، لا أعرف كيف أجيب عنها. إنَّما تبقى أكبر خساراتي هي ابتعادي عن ذلك الفردوس، وافتقادي أحبابي وأصدقائي ، وأقربهم إلى القلب من تعرفـيــن .
    يا لتلك الأمسية في سينما “كريم” بقلب القاهرة، شاركنا فيها صديقي الرَّاحل حسين بشريطه “الكهرمان”، بعض ما أشـجاه عن سـواكن . فإذا بالذي أشجانا الساعة وبعد خمسين عاما، هو رحيل الوطن الشَّامخ، فأذرفت دمعاً من خلائقه الحزنُ، إذ تكسرَّتْ الأمـواج على جــدران الجـيــر في “ســواكن” وانتزعها البحـرُ “كهرمانها”.. وهـو جنجـويد من مــاء . يا لصواب رؤياك يا حُسـين، وقد انتزع الوطن جنجـويد الرّمل والتُّراب..
    رحـمَ الله الحبيب حسين مأمون حسين شريف. .

القاهرة في 16 سبتمبر 2025

jamalim@yahoo.com

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …