1 يناير ومياه راكدة .. بقلم : تاج السر محمد بدوي


ما عسى المواطنين أن يفعلوا في يناير من كل عام ليحتفلوا بعيد ميلاد بلدنا حرة مستقلة !بدءً نعتقد أن الاحتفال في حد ذاته تقليد حسن تتبعه كافة شعوب الارض لعدة غايات أهمها أنه يتيح فرصة للفرح تعبيرا عن حب الوطن ولجرد حساب عام مضى وللتطلع لاداء أفضل

ولكننا نجد أكثرية أهل السودان لا تفرح في هذه المناسبة ، والسبب ببساطة أنهم لا يرونشيئاً يتغير في البلاد طوال عقود عدة إلا إلى الاسوأ وباضطراد للأسف. إن الأكثرية التي تشعر حقيقة بحب الوطن تنتظر زوال نظام الحكم القائم منذ ما يقرب من ثلاثة عقود عكّرت السلطة الحاكمة فيها مزاجها وحرمها من الفرح الوطني الحماسي المألوف لدى كل الشعوببمهرجاناته وأناشيده ومعارضه..الخ

أما بالنسبة لحساب الاداء فالناتج النهائي لفترة الحكم الوطني اجمالاً محبط ومخيب للآمال حتى بالنسبة للذين يدعون الفرح باصطناع مظاهره. وعلى هذا الاساس لا معنى ولا مبرر لانتقاد أداء الحكم أو للقدح في جزئيات وتفاصيل هنا وهناك ، فليس بعد الكفر ذنب . فعلى مدى ما يقارب الثلاثة عقود ترسخ قهراً حكم الواقع الذي حرم المواطنين من الشعور بالرضالرؤية بلدهم يتقدم.

والسؤال المطروح بالحاح في ذهن الاكثرية هو متى يزول نظام الحكم القائم ؛ والجواب القاطع هو أن ذلك أمر غيبي لا يعلمه إلا الله. ولكن في نطاق مرئيات الواقع نجد أن نظام الحكم قد حسم الرد على السؤال منذ أمد بعيد بالقول متحديا بأنه لن يزول إلا بالقوة ، أي بالطريقة التي جاء بها. هكذا قال بعض أقطاب النظام في مناسبات كثيرة وبصيغ متعددة، وهذا طبعنظم الحكم الشمولي عموما دون استثناء لنظام الحكم في السودان.

المياه الراكدة

ولكن ما يقلق تماما أن كل شئ في البلاد راكد ، بمعنى أن الحكومة من جانبها غير قادرة على ادارة البلاد بصورة توقف عجلات خراب وسقوط الوطن ، ولن تستطيع ولن تقدر أن تفعل لانها جاءت بوسيلة خاطئة وسلكت طرقا خاطئة منذ البداية فاصبحت أسيرة أخطائها من جانب وأصبحت مقيدة بأجندات قوى كثيرة داخلية وخارجية من جانب آخر. لكل ذلك فهي لا تملك إرادة لحسم أية مسألة لمصلحة الوطن. وهكذا أريد لعجلة الحكم أن تدور وتدور في حلقة مفرغة.

والمعارضة راكدة بكافة أشكالها السلمية وغير السلمية ، ونستطيع القول أن هذه المعارضات ليست بأحسن حالا من الحكومة من حيث الفساد والاخطاء الوطنية فكثير منها تماهت مع الحكومة وتربطها بها صفقات مصالحية واضحة حول السلطة على كافة المستويات الولائية والمركزية والرئاسية ومن خلال هذه الصفقات استطاع الحزب الحاكم تكريس السلطة والثروة لمصلحة الحزب. وبفضل هذه الصفقات المصالحية استطاع الحزب الحاكم من اضعاف الاصوات المعارضة واستطاع تلويث سمعة كل من تحالف معه في ملف السلطة ، والاهم من ذلك حافظ الحزب الحاكم على تماسك صفوفه تنظيمياً وماليا. والنتيجة النهائية هي أن أغلبالمعارضات السلمية وغير السلمية ما هي إلا كيانات مهلهلة وضعيفة تنظيميا وماليا الى درجة أن الذاكرة العامة لا تعي متى عقد آخر مؤتمر عام لأي من الحزبين الكبيرين في البلاد ، ونتلقى نحن في الشارع عادة ما تزودنا به الوسائل الاعلامية من أخبار عن أنشطة وتحركات قيادات واقطاب هذه المعارضات.

والاكثرية أيضا راكدة ، من حيث أنها ماضية في حياتها كيفما يكون عيشها وليس كما تريد ،بل هي مجبرة على الكفاف وشظف العيش ومجبرة أحيانا كثيرة الى الولوغ في الفساد لتلبي حاجات عيشها والى المشي في ركاب السلطة خوفا من المتنفذين وطمعا أيضا فيما قد يجودون به ، وأصبح الشباب عيونهم زائغة أكثر الى الهجرة الى أي مكان من أجل العمل. وبهذه المواصفات فأكثريتنا لا يهمها من الذي يحكم ولا تجرؤ على المطالبة بحقوقها ، وهذا ناشئ فقط من فعل نظام الحكم وممارساته الذي أفقر البلاد وجعل الاكثرية تلهث وراء لقمة العيش فقط دون الحلم بأدنى ترف. وعندما تتاح الفرصة لهذه الاكثرية تقول لا بطريقة تجنبها قهر السلطة الحاكمة بل وتغيظها أيضا، وهذا هو التفسير الوحيد لمقاطعة الاكثرية للانتخاباتالمتكررة.

الأمل

إنه لمن الخطأ الجسيم ومن السذاجة أن نعتقد أن تغيير نظام الحكم في بلدنا سوف يؤدي الى تحسن حياتنا فوراً ، ومع ذلك  فالتغيير ضروري مع الحيطة والحذر. فمن جانب يجب علينا ، ودون أن ندخل في تحليلات ، أن نأخذ العبرة مما حدث وما يحدث من حولنا فقد ذهبت نظم حكم مستبدة عديدة ، ونرى اليوم ما آلت اليه حياة الناس فيها من جحيم. واستطرادا ومن جانب آخر يجب علينا توقع أن تتداخل وتتصارع قوى كثيرة في منحنى تغيير نظام الحكم ،حتى وإن حدث التغيير من خلال حوار

إن حالة الركود التي عليها البلاد لا تنبئ بخير ولا تنبئ إلا بمستقبل مظلم . والأمل بل كل الأمل معلق على جهود ينبغي أن يقوم بها ناشطون سياسيون من الحادبين على مصلحة الوطن وسلامته بين النظام الحاكم والجبهات المعارضة للتوصل الى شكل من الحوار يكون مقبولا من الجميع وتستجيب لمطالب الاكثرية المسحوقة. ولإنجاح الحوار الوطني لا بد من تنازلات ولابد من تضحيات .

znbmtaj@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً