10 سنوات على رحيل الامبراطور، وردى ولازال الفراغ عريضا!! (3)

 


 

أمير شاهين
7 ديسمبر, 2022

 

"الشمس واحدة والقمر واحد ومحمد وردى واحد"
" الفنان الأثيوبي تلاهون قسياسى

في الحلقة السابقة تعرضنا لصفة الغرور والعجرفة التي الصقت ظلما على وردى حيث ذكرنا بان هذه الصفة لا تنطبق على وردى ومن الظلم والاجحاف دمغه بها لأنها قد تنفر منه بعض الناس وذلك لما عرف عن أبناء السودان بغضهم لصفة الإنسان المتعالي والمتغطرس!! ومن المرجح ان وراء اطلاق هذه الصفة ربما تعود لشخصية وردى المعتد بنفسه والمعتز بفنه وآرائه الجريئة والمصادمة والتي كان الكثير من الناس يفسرونها على انه نوع من التعالي والغرور، وعلى العكس من ذلك كان وردى ساخرا يحب الطرفة وتعجبه النكتة الضاحكة وكان كثيرا ما يلاطف ويداعب المقربين منه، وهنالك الكثير من القصص التي تروى عن وردى وعن استمتاعه وممارسته لهذه الدعابات والطرائف ومنها حكايته المشهورة مع الطبيب الجراح السوداني العالمي جراح القلب والذى اجرى اول عملية قلب مفتوح في مانشستر في إنجلترا والذى توفى قبل سنتين من الان في أغسطس 2020م في مدينة مانشستر الإنجليزية و المرحوم على نور الجليل هو لمن لا يعرفونه ابن حي العباسية الأم درماني العريق والموسيقار المطبوع و واحد مؤسسي فرقة جاز شرحبيل احمد في الستينيات من القرن الماضي وكنا قد كتبنا عنه مقالة عقب وفاته نشرت في الراكوبة عدد 12 أغسطس 2020م, فيحكى وردى ويقول انه وخلال إقامته في بريطانيا أحس باضطراب في وظائف القلب، فرتبت له البارونة كوكس لقاء مع طبيب قلب قالت إنه بارع في مدينة خارج لندن فنقلوه اليها بسيارة اسعاف ،ولما وصل المستشفى المنشود، أدخلوه غرفة وشرعوا في قياس العلامات الحيوية ثم فجأة صار من كانوا حوله من الأطباء والممرضات يهمهمون: مستر جليل، مستر جليل، ثم وقفوا كما العسكر صامتين ومتصلبين، فإذا بي أفاجأ بدخول علي نور الجليل “الما بيغباني” فقلت له: متين بقيت مستر يا ود العباسية وجايبني ليك من آخر الدنيا.. وضحكنا وتعانقنا سويا لفتر طويلة وكان نور الجليل سعيدا بمقابلة وردى بعد طول هذه المدة كما كان وردى أكثر سعادة بلقاء ابن السودان الموسيقار القديم والجراح الشهير نور الجليل. وهنالك دعابة أخرى لوردي مع الشاعر الكبير التيجاني سعيد الذى تغنى له وردى بأغنيتين هما من اجمل اغان وردى وهما " من غير ميعاد وقلت ارحل" قصيدة من غير ميعاد كتبها التيجاني سعيد في تجربة حب كبيرة ولكنها من جانب واحد وهو جانبه هو حيث ان المحبوبة كانت بالكاد تعرف شيئا عن هذا الحب ووقتها كان التيجان في مقتبل الشباب يستعد لأداء امتحان الشهادة السودانية فقام بنشر القصيدة في الجريدة وعندها قراها وردى والذى كان كثيرا ما يتصيد مثل هذه القصائد في الصحف و المجلات حيث كان الشعراء و الادباء يقومون بنشر أعمالهم فيها اعجبته الكلمات ورأى فيها شيئا جديدا غير مألوف فاستثارت بداخله ملكاته اللامحدودة في التلحين و تحويل الكلمات الى انغام موسيقية متفردة !! والحق يقال فقد كانت القصيدة بديعة الكلمات حسنة التشبيه رشيقة في المفردات:
من غير ميعاد
واللقيا أجمل في الحقيقة بلا انتظار
صحّيتي في نفسي الوجود
ورجّعتي لعيوني النهار
فقرر تلحينها وغنائها وهو لم يلتقي بشاعرها ولا يعرف عنه شيء سوى اسمه الذي عرفه من الجريدة! ,ويقول التيجاني سعيد بانه وبعدها بمدة من الزمن التقى بوردي في دار الفنانين حيث قام بتعريف نفسه لوردي والذي قام واحتضن التيجاني سعيدا مظهرا السعادة بهذا اللقاء وعندها نظر وردى الى التيجاني الذي كان صغير السن ولم يبلغ العشرون عاما بعد وقال له مداعبا: انا لو كنت عارفك شافع كدة ما كان غنيت ليك. وطبعا وردى وبطريقة غير مباشرة كان يقول للتيجاني أنك وبرغم صغر سنك فأنك عبقري ولا تقل عن كبار الشعراء، وعلى نفس المنوال يحكى الأستاذ الدكتور انس العاقب رائد النقد الموسيقى في السودان فيقول انه عند بداية حياته الفنية كان مطربا يغنى للناس وفي مرة من المرات طلب منه ان يغنى في حضرة وردى لكي يحكم عليه، ويقول انس العاقب انه في تلك الليلة غنى كما لم يغنى من قبل وكيف لا ووردي العملاق سوف يحكم عليه، وعقب الانتهاء من الغناء سالوا وردى عن رأيه في هذا المطرب الشاب، فكان رد وردى” مش بطال!!” ويقول انس العاقب بان هذا الرد لم يعجبه فقد كان يطمع في تقييم أكثر من” مش بطال” هذه ويقول بانه وبعد عدة سنوات حكى هذا الموقف للعازف عبد الله العربي الذي كان مقربا من وردى ويعرفه جيدا فكان ان ابتسم عازف الكمان الشهير وقال لأنس العاقب” مش بطال بتاعة وردى معناها بانك ممتاز جدا!! وعلى نفس المنوال فان وردى عقب استماعه لأغنية الجابري الشهيرة “من طرف الحبيب جات اغرب رسائل" أعجب بها جدا وخصوصا مقدمتها الموسيقية فقال " دى الجابري عملها كيف؟؟ " وطبعا كان يقصد بانه عمل استثنائي Masterpiece ينم عن موهبة كبيرة للجابري وعندها علق أحد العازفين ضاحكا " دى عملها كيف بتاعة وردى معناها ده عمل ممتاز جدا، ومن القصص التي تروى أيضا ان أحد أصدقائه قال له مداعبا وهو يعرف اعتزاز وردى وفخره بالحضارة واللغة النوبية قال له انتو شابكننا اللغة النوبية، اللغة النوبية! وهي بالمناسبة لغة جافة اذ تنعدم فيها كلمات مثل” لو سمحت” و” انا اسف” فرد وردى قائلا بان السبب هو اننا لا نحتاج لاستخدام مثل هذه الكلمات! فنحن لا نتوسل للأخرين فنقول لهم لو سمحت، ولا نغلط مع انسان لنقول له” اسف”! واعقبها بضحكة صافية صادرة من القلب، وهنالك قصة طريفة اخري رواها وردى للأستاذ حسن الجزولي الذى بدوره قام بنشرها تحت عنوان" حوار نادر لم يرى النور" حيث ذكر وردى وانه كان مثل اغلبية أبناء السودان الذين كانوا مؤيدين و متحمسين لانقلاب نميري في مايو 1969م لما بشر به الانقلاب من انه جاء تحقيق العدالة الاجتماعية و النهوض بالبلاد و تنميتها و تطويرها لترتقي الى مصاف الدول الكبرى في العالم وفى ذلك الزمن كان الإحساس بالوطنية و الاعتزاز والفخر بالوطن على اشده لدى السودانيين , وعندها كتب شاعر الشعب محجوب شريف والذى كان في بداياته عليه الرحمة قصيدة " يا حارسنا وفارسنا" فتلقفها الفنان الجميل محمد ميرغني و قام بتلحينها وعندما ذهب الى الإذاعة لتسجيلها رفضت لجنة النصوص و الالحان والتي كانت برئاسة ا الشاعر المهيب العبادي إجازة النص بل وبلغ الرفض لها ان قام العباد برميها على التربيزة التي كانت امامه وقال " دة ما شعر " وعندما خرج محمد ميرغني حانقا غاضبا من رفض الاغنية قابله وردى امام باب الإذاعة وسأله عن سبب غضبه فحكى له محمد ميرغني القصة كاملة فقام وردى بتهدئة محمد ميرغني و طلب منه رؤية القصيدة وعندما قراها اعجبته و دخلت في مزاجه كما يقولون وقال لمحمد ميرغني انه سوف يقوم بحل موضوع إجازة النشيد على ان يقوما بعمل ثنائي ويؤديان الاغنية سويا وفعلا قام وردى بعمل اللحن و تم تسجيل النشيد الذى اشترك في أدائه الاثنان معا وفور إذاعة النشيد فقد تلقفه الناس وتغنوا به في كل الأوقات حتى اصبح كأيقونة تعير عن حب الناس لنميري و حكمه , ويمر الزمن و ينقلب الحال و يتحول حارسنا و فارسنا ( نميري) الى ديكتاتور بغيض لدى وردى عقب فشل انقلاب هاشم العطا وما تلاه من تداعيات أدت الى ضرب الشيوعيين و اعدام قادتهم و اعتقال وردى ومعه مجموعة كبيرة من المحسوبين على التيار اليساري في السودان حيث مكث وردى بالمعتقل قرابة العام و النصف خرج بعدها وهو من اشد المعارضين لنميري و حكومته ! ومع ذلك فقد تعرض وردى وحده بعدها لأشد حملات النقد والهجوم عليه بسبب " يا حارسنا وفارسنا " وفى هذا الخصوص يقول وردى بانه يتفهم الهجوم عليه من البعض بسبب غناؤه لهذا النشيد ويضيف ضاحكا ولكن ما لا يفهمه هو ان الفنان محمد ميرغني كان هو صاحب النشيد وكذلك شارك في الغناء! إلا إنو راس السوط واصلني أنا براي، خلافاً لصاحبي محمد ميرغني اللي طلع منها زي الشعرة من العجينة!
وللفهم الجيد والتحليل السليم لشخصية وردى فهنالك ثلاثة محاور رئيسة لابد من التوقف عندها وهي:
وردى والحضارة النوبية (وردى ابن الحضارة النوبية)
وردى والسياسة (وردى الناشط السياسي اليساري)
وردى والفن (وردى الموسيقار)
وفى الحلقات القادمة سوف نتطرق بإذن الله لهذه المحاور
ونواصل

amirrshahin@gmail.com

 

آراء