10- جَـــارُ النَّبِيْ- الطبعة الثانية من كتاب (رواكيب الخريف- مجموعة قصصيَّة).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان كلُّ من يعرف جَـــار النَّبِيْ على يقينٍ من حُسنِ حظه، ومن فألِهِ الطيِّب، فيما يخُص جميع مناحي الحياة، ولكن، في الآونةِ الأخِيرَة، أو العشرة سنوات الماضية، على وجه الخصوص، لازمَهُ النحسُ، والحظُّ العَاثِر، في كلما يرتبطُ بالسكن، وأمور بيوت الإيجَـــار.
فعاش، بمصادفاتٍ غريبةٍ، بعضُها طريفٌ، والآخر مُحزنٌ، في حالةٍ من اللجُوء، و عدم الاستقرار، ولم يستطع، طيلةُ هذه السنواتِ العشر ،أن يسكُنَ داراً ليستقر فيها، ويألف الجيران، لمُدةٍ تزيد، في جُملتِها، عنِ السِّتةِ أَشْهُر…
ولم يكن رحيلُ جَـــار النَّبِيْ، في أغلبِ الأحوَال، كما اشتهر عن رحيلِ العرب: (عزّاً ووجاهة)، بل كانَ (جَـــارُ النَّبِيْ)، يُفارق جِيرانَهُ ودارهُ: مُرغمًا، كسيراً، لا بطلْ!
وكان (فصلُ الخريف) من أشقِّ الفُصُول عليه، إذ تسبَّبَ الخريفُ، وحده، في رحيل (جَـــار النَّبِيْ)، على ما يذكُر هو: أربع مرّات!
و في خضم بحثه عن السكن المستقر، تنازل (جَـــار النَّبِيْ)، أو هكذا ظن، فعَمِلَ حارساً لعددٍ من البُيُوت التي كانت تحت التشييد…
لقد كان قلبُهُ، على الدوام، يُمنِّيهِ، و يُحادثَهُ بأنَّ تلك البُيُوت لن تكتمل، في تضادٍ مع مصلحةِ مُلَّاكها، رغم إنَّ أغلبُهم كان قد تناسَىَ (مَوضُوع الإيجَـــار ) المفترض،البسيط، مقابل سكن جَـــار النَّبِيْ المؤقت.
وكان لجَـــار النَّبِيْ معادلاتٍ طريفةً، يُخفِّف بها من آثار ضغوط المعيشة عليه.
وكان، عندما يبلغ به الضيق أشده من تأخُر المرتب، ويصل مداه الأخير، يُذكِّر نفسهُ، عنوة بمواعيد الإيجَـــار، فيشكر القَدَر على جعله مرِّ الأيام بطيئاً، وأنها تسير بتؤودة، وتقدل متهادية، كما يَمشي الوجِي الوَحِلُ!
لقد كان من الطبيعي، إذن، أن يبحث جَـــارُ النَّبِيْ عن سُكنى تكون ملكاً له، بحيثُ يستحيل على كائنٍ من كان،أن يَقُضَّ مضجعه فيها، أو يطرده منها، ولكن هذا الحل كان من سابع المستحيلات، لأنّ الطرق الرسميَّة لامتلاكِ أرضٍ حكوميَّة كانت مغلقة في وجهه، وفي وجه أمثالهِ من بُؤسَاءِ القَوم، كما إن ن سعر الارض التجَـــار ي، لمن أرادها، كان فوق سقف ما يملكه جَـــار النَّبِيْ، بل وفوق تصوراته الذهنيّة، المجرَّدة، عن المبالغ المالية، بشكلٍ عام، وأرقامها الكبيرة، على وجه الخُصوص، فقد كان أكبر مبلغ يعرفه جَـــار النَّبِيْ هو (المليون!)، ومع تلك المعرفة، فقد كان يرهَب مُجرَّد النُّطق بكلمة (المليون)، وتتملكهُ حالةٌ من التَّوجُّس، والبلبلة حينما تُذكر، في حضرته، مبالغٌ أكبر!
وفي كلِّ مَرةٍ كان ينتقل فيها (جَـــار النَّبِيْ) إلى سكنٍ الجديد، كان يتعرَّف، مع سبق الإصرارِ، و التَّرصُّد، على بقالتين على الأقل، ويوطِّد صلته بالمكوجي، والفوّال، ويسأل جَـــار ه، بعد جسٍّ كافٍ للنبض، عن مكان، أو المنزل القريب، الذي يُزوِّد الحي بالخُمُورِ البلدية.
ولكنهُ لم يكن ليأبه بمحلات بيع (الغاز)، لأن تقاليد الدِّيْن، والجرُورة، لم يصل إلى تلك التجَـــار ة الرائجة، المرتبطة بنارِ الحياة، بعد!
وكان يبدأ التعامُل، من فوره، بنظام الآجل، والاستدانة من البقالة، الأوفر حظاً، من الناحية التجَـــاريّة، إذ كانت تلفته طريقة عرض البضائع، تليها الأخرى، الاحتياطيَّة، المدخرة لحالات الحوجة الماسَّة، للشاي،أو الزيت، أو الفحم، أو الأمواس، أو الصابون، أو ملح الطعام.
ولم يكن (جَـــار النَّبِيْ) بطينيّا، أو طُفيليًّا، وكانت علاقاته بجيرانه: سويَّة، يظللها الاحترامُ، و تكللها المودة، والتراحُم.
وكان، إذا ما دعاه الداعي، يهبُّ، خفيفاً، في ملمات الحي، و لكنهُ، مع ذلك، كان يُفضِّل أن يكُون تواصله، مع جيرانهُ، في أضيق الحدود، وكأنما كان يخاف التعلُّق بهم، لدرجة تُصَعِّب عليه الرحيل المُتوَّقع في أيّةِ لحظة، أو هكذا قالتِ الأيّامُ..
وفي السكن الأخير، قبل المجيء إلى هنا، بدأ له أن الامور تسير على ما يرام، وانه قد جاوز الستة أشهر، مما يعني أنه قَدْ:
– (قَدَّ عين الشيطان!)…
وأن بقاءهُ، هذه المرَّة، لا شك سيطول…
ولكن، قادته طمأنينتهُ، تلك، إلى خطأٍ فادحٍ، ودفع ثمنه بشكلٍ فوري.
لقد واصل(جَـــار النَّبِيْ) التراخي عن: دفع الإيجَـــار ، وماطل عن مدةٍ فاقت (الشهور الثلاثة!)، دون أن يُحاول إسترضاء سيد البيت، وأن يعتذر بإيراد حجج كان من الممكن أن يقبلها المالك، تماشيًا مع الظرف العام، وانما استفزَّه،بدلاً عن ذلك، وتحداه، ولما بلغ به الإحساس بالذُل مداه، وتجمَّعت عندهُ كلُّ مشاعرِ الهوانِ الشَّخصي، التي راكمها الرحيل المتكرر من وإلى ثمانية عشر بيتاً، على الأقل.
قال منفُوشاً، وهو يتحدى سيد البيت، بجسارة تفوقُ جسارة طارق ابن زياد:
– دا العندي، وأعلى ما في خيلك أركبو!
وفعلا، استجاب صاحب البيت للاستفزاز، وركب بزَّةً رسميةً، تعلُوها الدبابير، كان يتمشدق بها أحد أقاربه، مُصطحباً إيَّاهُ، في الصباحِ، إلى قسم البوليس.
وماهي إلا أيَّام، حتى أطاحَ سيدُ البيت، و قريبه، باستقرار جَـــار النَّبِيْ، وطردوه من المنزل شرَّ طردة، قاذفين عفشَهُ القليل، المتواضِع، بلا رحمة، إلى قارعةِ الطريق!
و لكنه في مرّةٍ، أو مرتين، رحل طائعاً مُختاراً.
حدث ذلك عندما (سمسر) في بيته، هداه تفكيرٌ (جهنمي)، لم يسبقهُ عليهِ أحد، ليؤجره لمن يجد في نفسه الكفاءة، و المقدرة، فيسكُن…
أمّا هو، فيستفيد من (خُلُو الرِّجل)، وعمولة إضافيَّة كانت عبارة عن حفنةِ جُنيهات، يدفعها له (سيد البيت)، من (مقدم الإيجَـــار ! )…
و في أحايينٍ أخرى، كان (جَـــار النَّبِيْ) يلجأ لتأجير هذه الغرفة، أو تلك من مسكنه الصغير، بغرضِ الحُصُول على بعضِ جنيهات، قليلة، ولكنها كانت على قلَّتها، تعينهُ في تسيير أمور الحياة، وتصريف عوادي الدهر… وكان، في مثل تلك الأحوال، يحرُصُ على عدمِ إطلاع المُؤجرين بالأمر، ويُحبذ جهلهم، وعدم معرفتهم به، فإن عرفوا، كان يدعي إن من يشاطرونه السكن، هم من أقاربه، أو أصدقاء طفولته، أو زملاء دراسة!…
وقد أعانتهُ، بعضُ تلك الجنيهات، في الإيفاء بإلتزامات، و القيام بمهامٍ جليلة، ما كان له قِبَلٌ بها من قبل، ومنها، على سبيل المثال:
– مساهمته، مرَّتين، في إقامة مراسم تزويج أختيه اللتان تصغرانهُ مباشرة، وكان ذلك الإسهامُ مفاجئاً، ولكنهُ كان، أيضاً، مصدراً لسعادة، لا توصف، لأبيه، وبعض أفراد أسرته، من الذين يعرفون: البير وغطاها، و لسان حالهم يقُول:
– يجعل سِرُّو في أضعف خَلقُو!
وقد كانت (المرَّة الوحيدة) للرحيل، التي يمكن تفاديها، عندما سكن (جَـــار النَّبِيْ) بجوار المسجد، للاستفادة من حماماته، إذ كان البيت المستأجر، على بهائه، يخلو من:(المنافع!).
ولا ضرر، فقد كان (جَـــار النَّبِيْ) يعمل، أصلاً، في الوردية المسائية، حين كانت تخلو له الحمامات، و يصفو لهُ الجو في أوان ذهابهِ إلى العمل بعد صلاة العشاء، وإيابهِ عند الفجر.
وماهي إلا أشهُرٍ معدوداتٍ، حتى تم تحويله إلى ورديّة الصباح، بحيث فقد إمتياز براح الحمامات ولم يعُد قادراً على المزاحمة اليومية فيها، وبالذات في الفجر,
وقد وقع تحويل الوردية إثر مُشادة، لا داعيَ لها، مع رئيس وردية الليل، في أمر ٍكان: (قابلاً للحل!)، من أمور العمل.
وأودت به المُشادّة إلى الورديَّة الصباحيَّة، لأن (جَـــار النَّبِيْ)، في خضم انفعاله، كان قد نسى أمر الحمامات، وارتباطها العضوي بمواقيت الوردية، وإلا لكان ارعوى، وصمت شأنه شأن الكثيرين من زملائه الَّذين صمتوا، ولا يزالوا صامتين:
– (لشيءٍ في نفس يعقوب، كلٌّ حسب مأساته!)…

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً