بحصافة
لما كانت صحيفة “التغيير”، تنطلق في شعارها بتأكيد أنها رافعة لراية التغيير، صدقاً وفعلاً في السودان، وذلك بجعل الحديث عن التغيير ليس مجرد آمال وتطلعات، بل موجهات لحقائق، ومتطلبات لوقائع. فلا غروَ أن صدرنا شعارنا بأن “التغيير يبدأ من هنا”. فجاء الشعار يحمل في مضامينه معاني التغيير، منهجاً وواقعاً. فتصدينا منذ بداية انطلاقتنا في الأول من أكتوبر 2013، لمفهوم التغيير القرآني، بمفهوم التدين الذي يوجب أن نغير بأنفسنا، صلاحاً وإصلاحاً، وندرك إدراكاً صحيحاً أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، تنزيلاً لقول الله تعالى: “… إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ”. وعندما كُثر النقل من اجتهاداتنا في صحف أخرى، دون ذكر أو إشارة إلى سبق صحافي حققناه، أو حوار سبقنا غيرنا في إجرائه، على الرغم من حداثة العهد، إلا أننا شعرنا بأن إهدار القواعد والأعراف الصحافية، إضافة إلى التغافل عن الملكية الفكرية التي ينظمها القانون، وتراعي حرماتها المجتمعات المتقدمة، بحُجية أنها من قوانين المدونة السلوكية للأفراد والمجتمعات، الواجب مراعاتها، والمفترض الانضباط تجاهها، والانصياع لموادها.
وأحسب أن صحيفة “التغيير” خلال عمرها الذي بلغ 100 يوم، حرصت على استيلاد الأفكار التي تستصحب العمل الصحافي ودوره الطليعي في خدمة القارئ والقارئة، إذ إنها لا تكتفي بتقديم الخدمة الصحافية المتميزة في ضروب العمل الصحافي وأجناسه المختلفة، لكنها تذهب أبعد من ذلك في المشاركة الفاعلة لخدمة شرائح مجتمعية، تظن، وليس كل الظن إثماً، أنها في حاجة ماسة إلى خدمات إضافية، تسعى جاهدة إلى القيام بها رضًى واقتناعاً، وحماسةً وقوةً في سبيل سد احتياجات القراء في ضروب الحياة المختلفة، بعد إنفاذ ما أجمع عليه خبراء الإعلام والصحافة من حقيقة وظائف الوسائط الإعلامية والصحافية في المعلومة والتعليم والترفيه، وزاد على تلكم الوظائف الرئيسية المهمة للوسائط الإعلامية والصحافية، المتأخرون منهم، بأن من وظائفها الإقناع في القضايا المعاصرة، مثل حقوق الإنسان والديمقراطية والانتخابات وغيرها من أجل تشكيل رأي عام تجاه هذه القضايا.
وفي رأيي الخاص، أن صحيفة “التغيير” تستشعر احتياجات قرائها دون اضطرارهم إلى السؤال عنها، لإيمانها أن الصحافة الحديثة لم تعد وسيلة لنقل الخبر أو المعلومة، بل تعمل جاهدة من أجل صناعة الخبر، وتصنيع المعلومة. وباتت تقوم بأدوار متعددة، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية…الخ.
ولما كان الاضطلاع بمثل هذه الأدوار في حاجة إلى صحافة تزاوج بين المهنية والمسؤولية، وتستصحب في عملها الصدقية والحيادية والموازنة في دون الرأي، باعتبار مراعاتها لقاعدة صحافية أصولية، تراعي من قبل المهنيين، وهي أن الخبر مقدس والرأي حُر، أي أن الخبر يتطلب معالجة تنأى به عن مخالطة الرأي والهوى والانحياز غير المبرر، بينما الرأي يجب أن يكون حُراً موضوعياً. ولذلك يلحظ القارئ لصحيفة “التغيير” أن صفحات الأخبار خالية من أعمدة الرأي، لأن هذا اتجاه اتجهت إليه المدارس الصحافية الحديثة في الغرب.
وأحسب أنه من الضروري ونحن نحتفل بذكرى مرور 100 يوم من صدور صحيفة “التغيير” اليوم (الخميس) أن نتحدث بكل فخر وإعزاز عن صحيفتنا من أكثر الصحف مراعاةً للمهنية، والتزاماً بالمصداقية، واقتناعاً بالحيادية، وميلاً إلى الموازنة وانصياعاً للمسؤولية، إذ إن المزاوجة بين المهنية والمسؤولية في صحيفة ما، تُعد من مقومات وصول هذه الصحيفة إلى مراقٍ عالية في المعايير المهنية، المفضية إلى المصداقية المطلقة.
أخلص إلى أن ما يسعدنا أننا نبدأ السبق والآخرون يجاهدون في اللحاق بنا، ولكننا نجتهد لنكون سباقين، حتى إذا أخذ البعض منا بعد حين، دون ذكرنا أو الإشارة إلينا، والأمثلة على ذلك كثيرة، كنا نشتط غضباً في بادئ الأمر، ولكن شعرنا أن هذا قدرنا علينا الصبر معه والاصطبار عليه، حرصاً على زيادة النفع، من باب الدال على الخير كفاعله، لقوله صلى الله عليه وسلم “الدال على الخير كفاعله..”. من ذلك حرصت صحيفة “التغيير” على التميز والتفرد، بأن تكون إضافة عدد صفحاتها 20 صفحة، عدا عطلة نهاية الأسبوع، وهي بذلك الصحيفة الوحيدة التي تصدر في هذا العدد من الصفحات، إضافة إلى استكتاب كتاب له إسهامات واضحة، وجاذبة ساطعة، أبلوا خلال الـ 100 يوم الماضية، بلاءً حسناً من خلال آراء حصيفة، وأفكار فيها قدر ملحوظ من الجرأة والشجاعة، في إطار الموضوعية والمسؤولية، أكسبتنا بلا أدنى ريب، كثير قراء، وعديد متابعين. بالإضافة إلى السعي الحثيث في أن تكون مانشيتاتنا فيها قدر من التفرد، حتى لا تكون مشابهة لغيرها إلى الدرجة التي بدأ يضيق حرجاً من ذلك القراء، وذلك لم يتأتَ بسهولة ويسر، ولكن ببذل كثير جهد، ورهق جسم، وعناء ذهن، نردد معاً قول الشاعر العربي أبي الطيب أحمد بن الحسين المعروف بالمتنبئ:
إذا كانت النفوس كبارا تعبت في مُرادها الأجسام
فاستعذبنا العذاب من أجل تقديم خدمة صحافية تزاوج بين المهنية والمسؤولية.
ويتجلى ذلك في تصدينا إيجاباً للخلاف الذي نشب بين قبيلتي الهدندوة والبني عامر، من خلال الجهد الصادق لإنجاز صلح تاريخي بين رمزي القبيلتين في شرق السودان، الأخ محمد الأمين ترك ناظر الهدندوة والأخ إبراهيم محمود حامد وزير الزراعة والري في تضافر مع جهود آخرين تحققت هذه المصالحة التاريخية، وقد أشاد أهل الشرق بالدور الطليعي لصحيفة “التغيير” في هذا الصدد، مما يؤكد التزامنا بالمسؤولية في معالجة مثل هذه القضايا.
كما أننا خصصنا صفحات متخصصة، تُعنى بقضايا القراء واهتماماتهم، من بين هذه الصفحات، صفحة “صحتك” التي ابتدعنا فيها خدمة إضافية غير تقديم المعلومة الموثقة، فابتدعنا كبون أسميناه “كبون صحتك” لمساعدة المرضى على تلقي العلاج مجاناً من أطباء اختصاصيين. ونحن سعداء أن تلقفت فكرة هذا الكبون صحف أخرى، فأطلقنا مبادرة أخرى وهي بطاقة علاج مجانية، تقدم علاجاً مجانياً للمرضى المحتاجين في أي يوم من أيام الأسبوع، عدا الجمعة، بحيث تقدم من خلال هذه البطاقة خدمة الكشف والفحوصات مجاناً.
كما حرصنا على تقديم مبادرات بخصوص ذوي الاحتياجات الخاصة، والأطفال الذين يحتاجون إلى عناية خاصة ورعاية كاملة. وكذلك الاهتمام برعاية الأطفال فاقدي الوالدين، كل ذلك في إطار المسؤولية التي آلت الصحيفة على نفسها القيام بها، لتأكيد الدور الريادي لـ”التغيير” والاضطلاع بمسؤولياتها المتعددة.
وتعاقدنا بهذا الخصوص مع مؤسسات طبية شهيرة. ولم يقتصر جهدنا على الجانب الطبي، بل سعينا إلى الاتفاق مع بعض الجامعات لتقديم مبادرات في التعليم العالي، خاصة للذين لا يجدون فرصاً في الجامعات، من خلال منحة “التغيير” في المؤسسات الجامعية في بداية العام الدراسي المقبل. والجميل أن بعض الجامعات كفلت لنا منحاً باسم “التغيير”.
وسنعمل أيضاً مستقبلاً، بعد أن تعمل المطبعة التي تسهم الصحيفة فيها، بأن نصدر كتباً ومجلات، بحيث سنصدر كتباً من المقالات التي نُشرت في “التغيير”، منها كتاب “التغيير.. آراء سياسية”، كتاب “التغيير.. صحتك”…الخ. فهكذا انقضت الـ 100 يوم من عمر “التغيير”، فرأينا أن نقول لكم “… هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ”.
=====
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم