26 يناير 1885 الخرطوم تحررت .. وسقط غردون: قصة قصيرة. .. بقلم: صديق الحلو
تحتشد امامي كل تلك الانتصارات الخالدة في ابا وقدير وشيكان والابيض . . غردون يرتعد من المفاجاءة.. . سرايا غردون تبدو كالرهاب.. هناك في الافق الشمالي . ونحن نسابق الزمن قبل وصول حملة الانقاذ..كنا بالالاف.. .الانباء تتواتر عن حملتين لانقاذه عبر النيل والصحراء. عندما تتأمل الصورة تجد فيها كثير من الخوف الامل والرجاء. دخان وغبار ومعارك ضارية و إيمان لا يتزعزع.. كان هدفنا احياء الكتاب والسنة المقبورين حتي يستقيما وتطهير البلاد من مفاسد الحكام الأجانب . الليل يرمي بظلاله في الكون كله ونحن كمعدية في النهر نتارجح بين الشك واليقين..بين الحب والوفاء..كان معنا العبيد ودبدر ومحمد ود مضوي . ومحمد البصير.والفكي محمد ودام حقين اتي من الجزيرة اسلانج . واحمد ابوضفيرة شيخ الجموعية . وعبدالقادر ودام مريوم…وتم حصار الخرطوم في عشرة اشهر.ثم حررناها.. .بعد ان مات خلق كثير.
المهدي بنقاءه وبهاءه وامانته كان نزيها وعفيفا وهو يصدر وصاياه …لجيش الثورة المتاهب لتحرير المدينة….اذا نصركم الله الغردون لايقتل..الفقيه محمد الامين الضرير لايقتل..كل من استسلم ورمي سلاحه لاتقتلوه…كل من اغلق باب بيته عليه لاتقتلوه…ثم كبر عليه السلام بسيفه في اتجاه الخرطوم إيذانا ببدء الهجوم لتحرير عاصمة البلاد…حين بسط الليل ظلامه امتلأنا بالشوق الذي حوانا ..لتحرير البلاد من الغاصب الدخيل..اختلجت دواخلنا وغمرنا الفرح الدافق بالحرية القادمة…استطاعت قوات الامير ابوقرجة والامير النجومي والامير ودنوباوي احتلال الخرطوم في وقت وجيز …وفي خضم هذه اللحظات التي عادة ما يصاحبها الكثير من الانفلات الثوري …قتل غردون خلافا لاوامر المهدي الصريحة بالحفاظ علي حياته. وحدثت بعض التجاوزات التي نهي عنها القائد…الارض تمتد امامنا ممهده تتصاعد زخات الفرح واشارات النصر…ركضا سارت الحشود تحمل تعليمات المهدي بكل الانضباط.. ونحاول قدر الأمكان ان نردع المتفلتين .. وكنت اتضرع لله ان يحفظ الله فاطمة..واجدها سليمة. المهدي وودالنجومي كانا من الحرص بمكان علي ارواح المدنيين.. وعندما دخل المهدي المدينة ظافرا وجه الامير احمد ود سليمان امين بيت المال بارجاع كل امراة من اهل المدينة الي اهلها او اي قريب لها قبل غروب الشمس..لم يخطر علي بال احد ماشهدوه من هول..كالسيل احتلت الحشود المدينة .كلما اتذكر فاطمة انتفض ..الكل يثب مذعورا يطلب النجاة ..اختلط الحابل بالنابل.وغاصت المدينة وسط الدموع والاهات ..صراخ وبكاء …كانت لحظات رعب حقيقية…ثم اصدر المهدي منشوره الشهير بعد تحرير الخرطوم : ( ان النساء الخارجات من ققرة الخرطوم جميعا قد احببنا ان يعطين لازواجهن ولا يجوز لأحد من اصحابنا واحبابنا ان يتزوج منهن .فذوات الازواج يسلمن لازواجهن وكل من لازوج لها تكون لدي امين مامون .شخص يمت لها بصلة القربي… ويجري راحتهن..فالحذر من التزوج لاحد من نساء القياقر المذكورة صغيرة او كبيرة ثيبا او بكرا ومن تزوج بواحدة من المذكورات بدون نظر حكم الله فهو الجاني علي نفسه والسلام) .
كان المهدي صائما في يوم الاثنين 26 يناير وكان الزحف بقيادة عبدالرحمن النجومي من النيل الابيض .ومحمد عثمان ابو قرجة من ناحية النيل الازرق، اهتزت الصورة..اضطربت الارض وغامت السماء..كارثة حقيقية لجنود غردون وجيشه المحتل ..الموت والفجيعة والصقور تملاء سماء الخرطوم.. و راياتنا المنتصرة تجوب المدينة .. انتصرنا لشعبنا وامتنا …وصلي المهدي صلاة الشكر… وصلينا خلفه.
لا توجد تعليقات
