أخبار عاجلة

“48” روايه من زمن الإنجليز

بقلم: هشام الحلو
لعل من المرات النادرة جداً في تاريخ الأدب السوداني الحديث أن نجد رواية تغوص وتحفر عميقاً في حقبة الحكم الإنجليزي للسودان ما قبل الاستقلال، وإن كان قد سبقها الأديب الطيب صالح في رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” التي تناولت صراع الشرق والغرب بشكل عام إبان تلك الفترة، إلا أن رواية “48” حفرت عميقاً وغاصت في المجتمع الاستعماري والبريطاني والنخبوي واشتباكه مع المجتمع السوداني بمختلف أطيافه. ويطل علينا محمد المصطفى موسى، وهو روائي شاب مشهود له بدراساته وأبحاثه التاريخية التوثيقية، لا سيما في كتابه المشهور “الأصداء العالمية للثورة المهدية”، ليقدم أول عمل روائي له بعنوان “48”، وإن كانت قد سبقته مجموعتان قصصيتان هما “كافينول” و”منضدة وأوراق”. وفي هذا العمل، الذي صدر حديثا ، لا يكتفي “المصطفى” باستدعاء التاريخ كخلفية جغرافية، بل يحوله إلى كائن حي يتنفس عبر تفاصيل دقيقة؛ فمنذ اللحظة التي يطأ فيها الإداري البريطاني “دنكان همفري” أرض السودان عام 1937، نجد أنفسنا أمام صراع لا يقتصر على الميدان، بل يمتد إلى الذاكرة والهوية.
إن همفري، خريج أكسفورد الذي جاء وهو يعتقد أنه سيضبط إيقاع بلد “لم يُكتب فصله الأخير بعد”، يصطدم بحقيقة أن السودان ليس مجرد مسرح للبطولات الإنجليزية، بل هو “جمر حراق”. وتتجلى عبقرية الرواية في قدرتها على تجسيد “سوق العيش” كمركز ثقل اجتماعي وسياسي، حيث لا يكتفي الكاتب بجعل السوق مكاناً للتبادل التجاري، بل يقدمه كميدان للصراع الطبقي والقومي؛ فالمنافسة المحمومة بين التجار المحليين من جهة، وبين “رافائيل البعلبيك” و”دميتريوس” و”نيكولا” من جهة أخرى، تعكس حجم التغلغل الأجنبي في مفاصل الاقتصاد السوداني آنذاك. إن التحالفات المعقدة التي حاكها البعلبيك، والتي وصلت حد التدخل في سمعة “عوض الكريم منصور” وتلفيق التهم له، تبرز كيف كان السوق مرآة للسياسة، غير أن تبرئة عوض الكريم في نهاية المطاف لم تكن مجرد انتصار شخصي، بل كانت إعلاناً عن يقظة الروح الوطنية التي ترفض الوصاية الأجنبية، سواء كانت إدارية أو اقتصادية.
وعبر شخصية “عوض الكريم منصور”، الطبيب الشاب وقائد “جمعية أمدر الثقافية”، يطرح الكاتب نموذجاً للمثقف السوداني الذي يواجه محاولات “التحجيم” الاستعماري؛ ففي الوقت الذي أوصت فيه التقارير الاستخباراتية بإبعاده عبر منحه منحة للتخصص في بريطانيا لضمان تحييد أثره السياسي، يختار هو الالتحام بجذور أرضه وفتح عيادته في قلب المجتمع. ولم يغفل الكاتب عن الدور المحوري للمرأة، حيث تبرز الرواية تباينات وجدانية عميقة بين عالمين؛ عالم “إيرين” التي تمثل الجانب الأرستقراطي البريطاني الحائر داخل أندية الخرطوم المعزولة، وعالم “ماتريد” بذكائها وسطوتها، حيث تتربع على عرش “الأنداية” في أمدرمان كمركز للقوة والتأثير الشعبي. إن ماتريد في النص ليست مجرد امرأة تدير مكاناً للشراب، بل هي شخصية “أيقونية” تتقن “أبجدية البقاء” وتُعلم وصيفتيها “زينب العرجاء” وبنت الكمندقو فك الحروف وقراءة الصحف، في إشارة رمزية لانتشار الوعي حتى في أشد الأماكن تهميشاً، مما يوضح أن المستعمر كان يعيش في “فقاعة” من الأوهام بينما كان المجتمع السوداني يغلي بالتعلم الذاتي تمهيداً ليوم الخلاص.
إن رواية “48” هي رحلة في “أبجدية البقاء” السودانية، ومحاكمة أدبية تعيد قراءة “زمن الإنجليز” ليس بعيون المنتصر أو المهزوم، بل بعين الروائي الذي يدرك أن “السمعة أبقى من العمر”. ويمثل عام 1948 في الرواية لحظة “الزلزال” الذي زعزع الوجوه وأربك الرؤية، ففي هذا العام لم تعد الشعارات تكفي، بل أصبح الفعل هو المحك، حيث نرى انكسار الحلم الصهيوني الذي كان يمثله البعلبيك عبر محاولاته لتهريب اليهود، لينتهي به المطاف وحيداً ومنبوذاً، وهي السنة التي كُتبت فيها “الخاتمة” التي لم يتوقعها همفري، حيث اختار السودانيون أن يكتبوا فصلهم الأخير بأيديهم. لقد نجح محمد المصطفى موسى في أن يجعل من عام 1948 مرآة تعكس صراعات الماضي وتطلعات الاستقلال، في نصٍ يتسم بالرصانة والتدفق السردي البارع، ليضع لبنة جديدة وهامة في صرح الرواية السودانية المعاصرة.

hishamissa.issa50@gmail.com

عن هشام الحلو

شاهد أيضاً

عندما تأخذ الحرب أجمل ما فينا

بقلم: هشام الحلوالحرب ليست مجرد أرقام تُتلى في نشرات الأخبار، وليست مجرد ركام يُرفع من …