عن المانيا ومؤتمر برلين .. الدكتور الدرديرى ودغمسة الحقائق!

علاء الدين بشير

قرات مقالا لاخر وزير خارجية فى نظام الرئيس المخلوع عمر البشير ،الدكتور الدرديرى محمد احمد ، نشر فى منصة “الرواية الاولى” وحمل عنوان: (المانيا: مالها وما للسودان! (قراءة فى دوافع مؤتمر برلين). يتناول فيه مسيرة العلاقات بين السودان والمانيا بمناسبة إنعقاد مؤتمر برلين الذى انطلقت فعالياته اليوم متجاهلا توجيه الدعوة لطرفى الحرب الرئيسيين الجيش وحكومته فى بورتسودان ، والدعم السريع وسلطته فى نيالا .. المقال مليئ بالمغالطات ودغمسة الحقائق والوقائع الواضحة بصورة متعمدة فى مسعى هدف الى التقليل من قيمة المؤتمر ومساعى برلين فى المساهمة لحل الازمة السودانية .

والدكتور الدرديرى محمد احمد احد اكتر النخب الإسلامية مخاتلة وعقائدية ولكنه يخبئ نزعاته تلك وراء السمت الحداثى الوقور واللغة الرصينة ومسحة الثقافة العالية والاطلاع الموسوعى مع محاولة توظيف هذه الحصيلة المعلوماتية بصورة متعسفة فى كتاباته ، ومقاله هذا الأخير يعكس نهجا غالبا عنده فى ذر الرماد وتضليل الرأى العام مستخدما أدواته المعتادة فى ذلك ومستغلا عدم إلمام اغلب الناس بتلك الحقائق .

تابعت اغلب ما كتبه الوزير الأسبق ما وسعنى ذلك منذ ثورة ديسمبر . كما انه تسنى لى معرفة الرجل من مسافة معقولة أتيحت عبر الصحافة منذ أن كان نائبا للسفير فى كينيا إبان مفاوضات نيفاشا و كأقدم عضو فى وفد الحكومة المفاوض فيها ومقررا له، وفرت لنا تلك الفترة وما تلاها خلال تنفيذ اتفاقية السلام قدرا معقول من التعامل والمعرفة . ولى تجربة معه خلال ذلك العهد تبين مقدار مخاتلته ،ربما تعرضت لها فى مرات قادمة .

فى مقالته هذه وفى تلفيق ولىّ لعنق الحقائق يقلل الدرديرى من أهمية بلد فى قامة ألمانيا اكبر اقتصاد فى اوربا وثالث اقتصاد فى العالم ، ويخفض من مستوى علاقتها بالسودان ويستند فى زعمه ذلك على حجم التبادل التجارى الضئيل بين البلدين ، ورغم ان ذلك مؤشر مهم ولكن مستوى وعمق العلاقات بين الدول لا يقاس فقط بمستوى تجارتهما الثنائية ، وفى تجارب العلاقات بين الامم رصيد وافر يبين ذلك ، وفى نماذج من علاقتنا مع دول نصفها ب”الشقيقة” مثال ساطع على ذلك ايضا.

لالمانيا علاقات قديمة وراسخة مع السودان عبر مختلف انظمة الحكم التى تعاقبت عليه ، وقد ظلت محطة تمثيل ديبلوماسي مهمة وكبيرة جدا طوال فترة حكم نظام الانقاذ يتصارع على مقعدها كوادر النظام ذوى الوزن وأحيانا من خارج وزارة الخارجية، وهذا معلوم لكثير من المشتغلين بالشأن العام فى الصحافة والسياسة والديبلوماسية .

اجتهد وزير الخارجية الاسبق ، الدكتور الدرديرى فى نفى او التقليل من قيمة الأدوار التى قامت بها ألمانيا فى السودان واستبعاد اهتمامها بقضايا السودان العامة ،وهو أمر تدحضه وقائع التاريخ القريب والتى هو أحد شهودها والفاعلين فى غمارها، فقد استضافت ألمانيا ورعت المفاوضات بين نظام الانقاذ وفصيل الدكتور لام اكول المنشق عن الحركة الشعبية (الفصيل المتحد) فى النصف الثانى من تسعينيات القرن الماضى فى مدينة فرانكفورت حيث قاد التفاوض من جانب النظام وزير الحكم الاتحادى وقتها الدكتور على الحاج ،والتى وافق النظام فيها لأول مرة على مبدأ تقرير المصير . ومن عجائب القدر ان الدكتور على الحاج اتخذها ملجئا ثم وطنا بعد فراره اليها من ظلم ذوى القربي عقب المفاصلة الشهيرة التى ضربت صفوف النظام مطلع الالفية الثانية ، وصار من اكبر الاصوات السودانية المجاهرة بالدفاع عن عدالة نظامها ورحمة علمانيتها فى لقاءات تليفزيونية شهيرة .
وقد كتب الدرديرى نفسه دراسة قانونية مقارنة عن مسألة تقرير المصير قبيل انطلاق مفاوضات نيفاشا ضمّن فيها اتفاقية فرانكفورت .

كما أن ألمانيا ظلت منخرطة فى أزمة دارفور منذ اندلاع حربها الاولى وتداخلها مع الأزمة السياسية والدستورية الشاملة فى ذلك الوقت خاصة بعد إنفصال الجنوب ،وذلك من خلال اللقاءات الجامعة والمستمرة للقوى السياسية والمدنية المختلفة التى نظمها معهد ماكس بلانك ، ولا ادرى جيدا فربما شارك الدرديرى نفسه بخلفيته المتخصصة فى القانون الدستورى فى أحد تلك اللقاءات .

وبخلاف ذلك فقد ظلت ألمانيا تلعب دورا مهما فى جانب العون الفنى للحكومات المتعاقبة فى السودان من خلال علاقة الصداقة الحميمة التى ربطت بين البلدين ، وتقف صروح كبيرة فى البلاد اليوم شاهدا على ذلك مثل تلفزيون السودان ومشاريع الطاقة الشمسية ومصانع السكر ، ومصنع الذخيرة التابع للجيش السوداني، ومعهد الكليات التكنلوجية (جامعة السودان حاليا) ومعهد التدريب المهنى الالماني ، كما انها ظلت الداعم الأساسي بالمعدات وتدريب الأساتذة لمعهد التدريب المهنى الحكومى العريق . كما اتصل جهدها فى العون الفنى لمختلف الوحدات الحكومية ومؤسسات التعليم العالى السودانية من خلال بعثات التدريب والدراسات العليا ، اضافة الى البعثات العديدة للتنقيب عن الاثار السودانية …الخ من مشاريع وصروح التنمية التى لا تحصى ،فقد كانت المانيا من اوائل الدول التى اقامت تمثيل ديبلوماسي فى السودان بعد إستقلاله إن لم تكن الاولى على الاطلاق .

إن إنكار دور ألمانيا فى القضايا السودانية السياسية التنموية وغيرها مهما كانت الدوافع التى تقف ورائه سياسية او ذاتية ، لهو جحود وامر مؤسف فى حق مطلق مثقف سوداني ناهيك عن ان يكون المجاهر بالانكار شخصا تولى قيادة الديبلوماسية السودانية فى يوم من الأيام مثل الدكتور الدرديرى محمد احمد.

يقول الدرديرى وفى سعيه للزجّ بنا فى نظرية المؤامرة الصهيونية التاريخية التى تسكن العقل الاسلامى وتستخدم عندهم كفزّاعة سياسية وفكرية للتأليب الديماغوجى، أن سياسة ألمانيا الخارجية ظلت أسيرة لما اسماه “ذنب الهولوكوست” الأمر الذى سخرها مطية لاجندة إسرائيل فى العالم . فبخلاف التسطيح الشديد الكامن فى هذا الزعم والذى لا يليق صدوره عن وزير خارجية سابق يفترض انه اعرف من غيره بالاسس والمرجعيات التى تحكم السياسة والعلاقات الدوليين والميكانيزمات التى تحركها ، فإنه ليس هناك ما يعيب فى أن تظل البلدان كما الأفراد فى حالة سعى للتطهر من المواريث السالبة وكل ما يمثل عارا فى تجاربها . وبأى معيار دينيا كان ام سياسيا فإن “الهولوكوست” ميراث عار ليس فى حق ألمانيا وحدها ولكن لكل التأريخ البشرى ، مثلما هى جرائم الإبادة الإسرائيلية الحالية ضد الشعب الفلسطيني فى غزة ، ولا ينبغى للتحيزات الدينية والعرقية والسياسية ان تعمينا عن هذه الحقيقة الساطعة . والتأثر بذلك دليل صحة وعافية وحساسية إنسانية وسياسية عالية تليق ببلد هو موطن الفكر الراقى والفلسفات المثالية كألمانيا ، والدول الديمقراطية الحرة ترسم سياستها الخارجية إنطلاقا من مصالحها القومية العليا ، وقد دخلت القيم والمثل العليا المضمنة فى دساتيرها ضمن التعريف الواسع لمفهوم المصلحة . إذا تاثر المانيا ب”ذنب الهولوكوست” ليس مذمة كما حاول الدرديرى أن يقول ذلك فى مقاله ، ولربما كان عقد مؤتمر برلين عن السودان ناتج عن هذا الذنب ، وهو سعى حميد فى تقديرى لابقاء المحنة السودانية حاضرة فى اذهان العالم .

ليت الدرديرى ورهطه فى نظام البشير امتلكوا نذرا يسيرا من تلك الحساسية وذلك الحياء وقد تم فى عهد حكمهم البئيس دمغ رأس الدولة بأرتكاب أفظع الجرائم وهى الإبادة الجماعية ضد شعبه فى دارفور من ارفع هيئة قضائية جنائية فى العالم ،والتى ذكرت فى حيثيات اتهامها وفى مقبوليتها للدعوى أن البشير استخدم جهاز الدولة فى ارتكابه تلك الجرائم وكذلك فى التستر عليها . ولكن هذا مطلب عزيز من نظام وتنظيم عرف بالجلافة وتخانة الجلد .

وفى أوضح مزاعمه حاول الدرديرى الربط بشكل متعسف ما بين ما اعتبره إهتمام ألماني مفاجئ وزائد بعد إطاحة نظام الانقاذ عبر الثورة المجيدة وإتفاقيات إبراهام ،ويلمح إلى أن ألمانيا كأنما كانت تعمل وكيلا لإسرائيل فى السودان ،وهذا ظن فاسد وسخيف فى الوقت نفسه يتعجب المرء صدوره عن طالب علاقات دولية ناهيك عن شخص تسنم قيادة الديبلوماسية فى بلاده !!.

والالتواء الأكبر فى التفكير وإعتساف التحليل هو الربط بين زيارات المسؤولين الألمان والتى جاءت ضمن الزخم العالمى الذى احدثته ثورة ديسمبر وتقاطر المسؤولين من مختلف دول العالم على السودان واهتمامهم الزائد به وبين زيارات المسؤولين الإسرائيليين للخرطوم ومساعى ضم السودان لاتفاقيات إبراهام . فالمعلوم لراعى الضأن فى البرية أن واشنطن كانت ولا تزال هى الراعية لتلك الاتفاقيات ،كما لا ينبغى لقائد ديبلوماسية سابق أن يسقط عنه سهوا أو عمدا أن “إبراهام” وقعت فى ولاية الرئيس الأمريكى ترامب الأولى وأنه منذها لم يكن على توافق مع القارة العجوز حتى تعمل دولة قائدة فيها مثل المانيا ميسرا لخططه قبل ان يتسع الصدع والجفاء فى العلاقة بينه وبينها فى ولايته الثانية حاليا . والكل يعلم انه كان فى ذلك الوقت لواشنطن سفارة ضخمة بالخرطوم وسفير نشط جدا فى أروقة الحكم والمجتمع ،وقد توج ذلك النشاط بزيارة وزير خارجيتها مايك بومبيو للعاصمة السودانية .

اما الغرض المرض والذى جُبِل عليه نمط التفكير الإسلامى الظالم لنفسه اولا والذى بدا ساطعا فى مقالة الدرديرى هذه ،فهو الإيحاء المفضوح لربط المؤامرة الصهيونية المزعومة تلك والتى كانت تُنسج خيوطها تحت ستار التحركات الألمانية الإسرائيلية فى الخرطوم برئيس وزراء الحكومة الإنتقالية، الدكتور عبد الله حمدوك ، ومعلوم للغاشي والماشي أن كل مساعى التطبيع وتوقيع اتفاقيات إبراهام والزيارات المتبادلة للوفود ما بين الخرطوم وتل ابيب كانت مرتبطة بالمكون العسكرى خلال الفترة الانتقالية ،وإن رئيس الوزراء حمدوك وحكومته وكل المكون المدني كانت لهم تحفظات وإشتراطات واضحة على خطوة التطبيع تلك إن لم نقل اعتراضات صريحة.

وسبق للدكتور الدرديرى قبل عامين او اكثر وفى مقال تقييمى لتجربة الحكومة الانتقالية أن مارس نفس “الدغمسة” وتغبيش الوعى فى ربط مسألة التطبيع والعلاقة مع إسرائيل بالحكومة المدنية ورئيسها الدكتور حمدوك ، واعتبر ذلك من اكبر الموبقات وحاول ان يقلد رئيسه المخلوع البشير بطولة زائفة بأنه رفض كل عروض التطبيع التى قدمت له بل رفض حتى مرور شركة طيران العال الاسرائيلية للمجال الجوى السوداني ، وقد كتبت وقتها مفندا بالمعلومات تلك المزاعم الباطلة ، كما تدحضها اى نظرة على كتاب الصحافى الامريكي الإسرائيلي باراك رافيد ((سلام ترامب: إتفاقيات إبراهام وإعادة تشكيل الشرق الاوسط
Trump’s Peace: The Abraham Accords And The Reshaping Of The Middle East)

.. الان يكرر الدرديرى نفس دغمسته لخدمة اغراض ضيقة مفضوحة ليس من بينها مصلحة السودان وشعبه العليا، وهى اغراض لا يستطيع كتمانها ولا يبتغيها هو ولا النظام المخلوع وتنظيمه السياسي بالذكاء الذى لم يعهد فيهم ولا حتى بالشطارة التى عرفوا بها .. وشتان ما بين الذكاء والشطارة فى موازين القيم الصحاح ومعرفة العارفين .

علاء الدين بشير – الشارقة

10 إبريل 2026

عن علاء الدين بشير

شاهد أيضاً

تعقيباً على مصطفى البطل: عمر القراي وصحافة (حكومة الأخوان المسلمين). بقلم: علاء الدين بشير