طفل “الكاتشب” .. بقلم: منصور الصويّم
28 مارس, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
37 زيارة
تنتشر على وسائط التواصل الاجتماعي قصص وحكايات أبطالها أطفال صغار، ومدارها الأساسي “الفقر” – المعاناة وشظف العيش. رواة هذه القصص في الغالب الأعم هم أبطال حقيقيون للأحداث المروية، كما أنهم يتصفون على الدوام بالرقة والعطف وحب الآخرين والشفقة والحنو عليهم.
انتشار هذه القصص التي تتصف بارتفاع مناسيب الحزن والأسى؛ ارتبط بمواقع التواصل للدور الحديث والفاعل الذي أصبحت تلعبه هذه الوسائط في إيصال المعلومة ودعوة الآخرين واستنفارهم لإدراك فعل ما ينعكس مردوده خيرا على الشخص المروى عنه – البطل الثاني للحكاية – وهو فعل يشبه من حيث فاعليته الدور الذي كان يؤديه حراك “النفير” في الأزمان السابقة، والاختلاف الوحيد بين الفعلين ربما يكمن في حالة الانتقال من فضاء القرى أو الحي والفريق – الأهل والجيران – إلى فضاء الإنترنت الشاسع، الذي يجلب ضمن من يجلب من لا معرفة لك به من قبل ومن قد لا تلتقيه أبدا خارج سياقات هذا العمل الخير.
حكايات كثيرة، محزنة ومبكية، وملهمة في ذات الآن؛ منتشرة في هذا الفضاء الذي بلا حدود. وفي كل هذه القصص تقترن الطفولة البريئة مع النبل والكرامة والعطف الأمومي والقدرة على التحمل والجلد والصبر على ضربات الزمن المهلكة. الشيء الآخر الذي يسم هذه القصص أن رواتها – أبطالها – يتقدمون في خطها السردي بمنوال يقارب مواقف الأبطال الخارقين والحكام العادلين وأولياء الله الصالحين. وغالبا ما يكون الوقت ليلا لحظة الالتقاء مع الطفل – البطل الثاني – واكتشاف حكايته من خلال ملابسات درامية حزائنية تعتصر قلوب أعتى وأشرس الرجال. وإن لم يكن “الحدث” قد وقع ليلا، فإن الوقت يتزيأ بكل المواصفات التي تساعد في إخراج الحكاية عند تمام مأستها. فقر ومرض، أطفال نائمون جوعى في العراء، أمهات يبعن المناديل أواخر الليل أو منتصف النهار في الشوارع الرئيسية. ثم، تلعب المصادفة دورها: يلتقي البطل الأول – الراوي – بالبطل الثاني – الطفل| الأم – يبدأ الموقف باللامبالاة من الأول وحالة انكسار من الثاني، ثم يستدرك الأول موقفه ويدخل مع الثاني في دردشة قصيرة تكشف له عن حجم المأساة التي يحياها هذا الطفل هو وأسرته فيسرع إلى “موبايله” ليضرب جرس النفير، فيهب الخيرون ويتم إنقاذ هذه الأسرة من الضياع، ولو إلى حين.
آخر القصص التي قرأتها تتحدث عن شخص اشترى “شوية حاجات” من البقالة بمبلغ سبعمائة ألف جنيه – بينها شوكولاتة وبابمبرز – وأثناء محاسبته للبائع شاهد طفلا يترجى البائع أن يبيعه ظرفين “كاتشب” بجنيهين والبائع يصر على ثلاثة جنيهات. القصة تفصح عن أسرة تعتمد في وجباتها اليومية على تناول “ساندوتشات الكاتشب”، وتعرفنا من خلال روي لا يهمل التفاصيل على مأساة أسرة هجرها الأب وماتت لها طفلة من سوء التغذية وحرم ابنها من التعليم بسبب الفقر!
ومثلها مثل القصص المشابهة لها، يستدعي الراوي الأساسي – البطل الأول – أصدقاءه على مواقع التواصل وعن طريق الهاتف فيسارعون إلى دعم هذه الأسرة وتوفير المأكل والملبس لها، ولو إلى حين!
أظن أن هذه القصص تصادفنا جميعا يوميا، بيد أننا لسنا جميعا أبطالا من الصنف الأول. لكن هل بالإمكان نقل هذه “البطولة النبيلة” من حيز الفردية إلى حيز أكثر اتساعا؟ هل بإمكان أبطال هذه القصص والداعمون لهم تأسيس منظمات أو جمعيات خيرية “راسخة” تعمل على المدى البعيد في دعم هذه الأسر حتى يشتد عود “أطفالها” ويستطيعون حمايتها من الفقر وشروره؟
mnsooyem@gmail.com