الرواية الآيديولوجية المُسيّسة: “طائر الشّؤم” نموذجاً .. بقلم: يدجوك أقويت

(1)
في كتابه المُعنون بـ”مقدمة في نظرية الأدب” ناقش الناقد الأدبي والثقافي الإنجليزي تيري إيغلتون علاقة السياسة بالأدب. وزعم أن النظرية الأدبية جزء من التاريخ السياسي ومُرتبطة بها، بقيمها وآيديولوجيتها وخلص إيغلتون إلى استحالة فصل السياسة عن الأدب والنقد، وأن النقد تحديداً، موقف سياسي قبل أن يكون فنياً. وأوضح أنه نتيجة لتَعقيدات القرنين الماضي والحالي، تسربت السياسة إلى الأنشطة الإنسانية كَافّة. ووجد الأدب نفسه كظاهرة اجتماعية جمالية، في تداخلٍ مُحكمٍ مع السياسة لدرجة صار الأدب سياسياً في حد ذاته.

(2)
نجد اعتقاداً مشابهاً عن علاقة الأدب بالسياسة لواحد من أعظم كُتّاب القارة الإفريقية. “ليس هناك حدث فني، بل حدث سياسي في ثوب فني” كتب الأديب المصري نجيب محفوظ. وقد كان مُحقاً لدرجة ما في زعمه، إلاّ أنّ هذا لا يعني بالضرورة وضع الأدب في خدمة الآيديولوجيا لدرجة إهمال الجماليات التي تمثل نواة الأدب، بل استحالة تفادي حُضُور السياسي في السياق العام للعمل الأدبي. إذ أن كيفية تصوير العمل الأدبي للواقع (السياسي/ الاجتماعي/ الثقافي) وعكسه فنياً هو مربط الفرس، لأن طغيان الوعي الآيديولوجي السياسي ببساطة على النص، وإزاحة (غياب) الجماليات ينتج منفستو سياسي بدلاً عن قطعة أدبية فنية، وحينها يجد القارئ نفسه وجهاً لوجه مع ما ينسب وصفه للتشكيلي، الدكتور: حسن موسى، بالهرج الذي يسببه “الثور السياسي الذي يتراكض في مخزن الخزف الأدبي”. من ضمن كُتّاب كثر سمحوا لثور السياسة بالركض، بل والركل أحياناً، يقف المفكر: فرانسيس دينق مجوك بروايته “طائر الشؤم” كحالة شاذة. الرواية المذكورة استثنائية لأنها، برغم اللغة التقريرية الجافة في مُعظم أجزائها، حُظيت باهتمام النخب المثقفة لدواعٍ آيديولوجية بحتة، مع تعمد لتجاهل ضعفها الفني لصالح فكرتها (النبيلة؟) جداً!.

(3)
تحكي الرواية موضع المقال رواية “طائر الشؤم” The Cry of the Owe (وهي مكتوبة باللغة الإنجليزية، ونقلها للعربية الدكتور: عبد الله أحمد النعيم) قِصّة بول مليك، ابن الزعيم القبلي الذي نَشَأ في تاريخ تسوده الملاحم البطوليّة لعشيرته. تبدأ مأساة بول في الليلة التي اختطف فيها تُجّار الرقيق الشماليون أمه ومعها التوأم. يُنقذ الأم لاحقاً، يضيع أحد التوائم للأبد، ويُعاني الآخر ألم الإعاقة طول عُمره. بول الذي يعول عليه لقيادة القبيلة لمُستقبلٍ مُشرقٍ، يُبعث للدراسة بالمدارس التبشيرية حيث يُغيِّر اسمه إلى (الياس). لاحقاً، أضفى عليه تعليمه ثقافة عربية، وبمساعدة ضابط شمالي يعمل في الجنوب، أُرسل الياس لمدرسة حنتوب وثم الكلية الحربية حيث تخرج ضابطاً في الجيش. يدخل عالم السياسة ويُعّين كناطقٍ رسمي لتحالف قوى المعارضة بالبرلمان. يقع الياس في حُبِ فتاة شمالية (شقيقة منافسه بالبرلمان)، علاقة قُوبلت بالرفض من جانب أسرة الفتاة إلى أن ينتصران لعلاقتهما بطريقة غير مشروعة.

(4)
يلاحظ في “طائر الشؤم” استصحاب المؤلف (لا شعورياً ربما) لملكة الكتابة العلمية الجافّة التي قد تُوصِّل الأفكار بطريقةٍ رصينةٍ في كتابات أخرى، إلا أنّ في الرواية يفترض على الروائي بالضرورة عكس رؤاه الآيديولوجية بطريقة جميلة أولاً، كشرط فني أساسي. فمعضلة رواية فرانسيس دينق، وكل روايات “الهتاف السياسي” تتمثل في إخفاق كتابهم (روائيين؟) في تغليب الإبداعية على الآيديولوجية. إذ أنّه دون لغة إبداعية، لغة ساحرة ومُثيرة لمخيلة المُتلقي، لا ينجح أيّ عمل أدبي في الصمود بالذاكرة الإبداعية الجمعية. وأعتقد أن “طائر الشؤم” حُظيت بالاهتمام نسبةً لغياب النقد أولاً، لأن الرواية تناقش قضية حسّاسة (قضية الهوية التي شَغلت النخب السودانية منذ بداية القرن الماضي حتى الآن) وللمكانة العظيمة لكاتبها في سُوح التنظير والفكر بالسودان الكبير.

(5)
معلومٌ أنّ الرواية هي الجنس الأدبي الوحيد الذي لا يملك مقابل له في التراث الشفهي الإفريقي. حيث أن أقرب مقابل له هو القصص الشعبية. لذا نجد أنّ مُعظم كتابات الأفارقة (جنوب الصحراء) تعتمد كلياً أو جزئياً على القصص والأساطير الشعبية. بدايةً من التجارب الأولى في الكتابة (قصص بشخوصٍ حيوانيةٍ)، تجربة القاص النيجيري أموس توتولا وغيره. لاحقاً، حاول الجيل الثاني من كُتّاب القارة المَزج بين التراث الشفهي (أسلوب القصص) ولها ميكانيزمات خَاصّة، والرواية بشكلها الغربي الحديث. ويقف النيجيري أيضاً، شينوا اشيبي كمثالٍ ناجحٍ في المزج بين النموذجين في السَّرد بروايته الخالدة ]الأشياء تتداعى[ Things Fall Apart. أنتج أشيبي رواية جميلة فنياً، ومُفيدة كمرجع لدراسة المُجتمعات الإفريقية ما قبل – الاستعمار Pre-Colonial بل ومرجع آنثروبولوجي أيضاً. والرواية موضع دراسات في مُختلف فروع الإنسانيات حتى الآن بالغرب، وُنشرت مئات من الدراسات النقدية عنها.

(6)
كاتب رواية “طائر الشؤم” The Cry of the Owe، المُعتمدة كلياً على الأسطورة والتراث الشفهي للدينكا، لم يجتهد كثيراً في توظيف الثروة الثقافية الشفهية سردياً. واكتفى بطريقةٍ أقرب للتوثيق الأكاديمي، بنقل الأسطورة دُون اجتهادٍ لتأطيرها فنياً. عددٌ كبيرٌ من الأغاني الشعبية للدينكا تزحم النص فقط لذاتها.

من مثالب الرواية الآيديولوجية دائماً، أنها تعطي الاعتبار للفكرة. نجد في الرواية إسقاط الأفكار على الشخوص دون أدنى مُراعاة لاستقلاليتهم. وكأن الكاتب يُحاور نفسه على ألسنة شخوصه وُصُولاً إلى ثيمة الرواية، وكأن الأولوية ليست للفنية. الرواية كجنس أدبي (فني) لا بُدّ أن تراعي لمكانتها وفرادتها كهدف وغاية في نفس الآن رغم استحالة الزعم بخلو فن الرواية من الأبعاد الرسالية. لا خلاف في أن الإبداعية هي الأصل، وأن قيمة العمل الفني تتمثّل في مُعالجتها فنياً للموضوع (الثيمة)، وتأتي أهمية الثيمة وقدسيتها في المرتبة الثانية. أو بتعبير الناقد الشكلاني الروسي: فيكتو شكولوفسكيViktor Shklovsky :
“يُوجد الفن ليُساعدنا على استعادة الإحساس بالحياة، بمعنى أنّه يُوجد ليجعلنا نشعر بالأشياء، بأن يجعل الحجر حجرياً.. إنّ غاية الفن هي أن يعطي إحساساً للموضوع بوصفه مرئياً لا بوصفه مُدركاً. إن تكنيك الفن هو أن يجعل الأشياء غير مألوفة unfamiliar . ويجعل الأشكال مُبهمة كي تزيد من صُعوبة الإدراك ومن دوام مدة بقائه وأن فعل الإدراك في الفن هو غاية في ذاته ويجب أن يمتد ويستمر. إن خبرتنا بعملية التركيب في الفن هي موضع الاعتبار لا الناتج النهائي”.
بعيداً عن تشابكات قضية الهوية وتناول أزمتها في الرواية، والتقديم غير المَسنود بأيِّ مُسوغات سردية لأغاني الدينكا وأساطيرها الشعبية، ما قيمة “طائر الشؤم” كعمل أدبي فني؟!.

eidesamuel@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً