المُعلم .. أسرى إلى البطانة .. وأداها نمة!! .. بقلم: عفيف إسماعيل
عندما هاتفته من الساحل الغربي الأسترالي وهو في القاهرة في اليوم الثاني بعد اول جرعة من العلاج الكيميائي سألته عن صحته عن أي تغيرات حدثت له، جاءني صوته منطلقاً ممراحاً ضاحكاً كما هي عادته قائلا:
” بتريد اللطام اسد الكداد الزام
في يناير ٢٠١٨م عندما التقطت عدسة الناشط “خالد بابكر” صورة السيد” يعقوب محمد مصطفى” عضو المكتب السياسي لحزب الأمة القومي وهو يسخر من آلة دولة الاخوان المسلمين لقمع الاحتجاجات السلمية عندما سقطت قنبلة للغاز المسيل للدموع تحت اقدامه فقام بهدوء بوضع علبة “البمبان” الحارقة في جيبه وسار في عمق سحابة من الدخان الخانق والحارق رافعاً يديه الى أعلى مواصلا الهتاف ضد القهر والقمع والجوع، تحولت تلك الصورة لأيقونة ثورية في كل نشرات الاخبار العالمية وبين مواقع التواصل الاجتماعي، فأرسلتها له ، عندما اتصلت عليه في مساء نفس اليوم، سألته عنها وجدت شقيقي عاطف قد سبقني بإيصالها فقال بصوته متهدج :
بتلك الروح الوثابة استطاع أن يقاوم المرض اللعين وادهش طبيبه المتابع من التطور المستمر في صحته عاد النخاع ينتج كرويات متوازية إلى حد ما، وتوقف غسيل الكلى تماماً بعد الشهر الاول واصبحت كليتاه تعملان بكفاءة عالية، فبصق مرارة اوجاعه على تصريح وزير الصحة الاتحادي “بحر أبو قردة” للصحف الذي صادف تلك الايام، الذي جاء فيه:
من خلال تراتبية حزب الأمة القومي صار الأحباب من حوله ينادونه بالأمير، تيمناً بمواقفه التي تشبه ذاك الجسور الأمير نقد الله، وصارت تطربه أكثر مناداة اصدقائه له “بالأمير أبو الأمراء”، وهو أميرُ بحق؛ عادل في مملكة بيتنا وديمقراطياً حتى النخاع المصاب الذي نخرته الاوجاع، عندما انتمى أبنه الأكبر عاطف للحزب الشيوعي السوداني في منتصف السبعينيات من القرن الماضي بارك الأمر بسماحته المعهودة، لأنه يثق في أن اختياره دائماً يكون فيما ينفع الناس، وبنفس الرحابة قابل قرار “عاطف بترك مهنة التدريس والتفرغ للعمل الحزبي، تبعت اكبرنا الذي علمنا حب الوطن والجسارة في الثمانينات للانتماء لحزب عبد الخالق وجوزيف ومحجوب شريف، لم يتأخر عنا عاكف كثيراً فصار الناس في أيام الديمقراطية الثالثة يسمون بيتنا “موسكو”، عندما انضم اصغر ابنائه “عزت” لحزب الطبقة العاملة السودانية قال لي:
في فترة في عقد الثمانينات اخبرته بأن الحزب وفر لي فرصة للدراسة بألمانيا الديمقراطية، تلون وجهه بفرح مشبوب بالخوف ثم تمالك نفسه سريعاً وقال:
في صبيحة اليوم الثاني لوصولي من المانيا سرت برفقة المُعلم راجلاً لتلبية نداء الواجب لتقديم العزاء لبعض الأقارب واهل الحصاحيصا، وكعهده بذات الاناقة، الجلباب الذي يُلبس بالوجهين، والطاقية الصاروخية، وتلك العمة مزخرفة الحواف مُحكمة اللفة التي تتدلى “عزبتها” برشاقة على كتفه، وخطواته صارت أيضا أكثر رشاقة وخفة مما تركته وصرت أحيانا ألهث خلفه فقلت له:
المجروس والدقن والكذبة الفاسدون الذين سرقوا قميص ابن يعقوب كانوا قد تمكنوا في أرض كوش، تم رهنها بالكامل لكل أطماع التنظيم العالمي للإخوان المسلمين وحلمهم بإقامة دولة الخلافة الراشدة وارجعوها قروناً ماحقةً إلى الوراء، ولا مجال للعمل ما لم تكن من المقربين، بعد اقل من عام صرت زبوناً دائماً لمعتقلاتهم بمعدل مرة او مرتين في العام، وفي كل مرة افقد عملي، كان قلب المُعلم أبينا الذي علمنا حب الحياة والوطن ينزف أكثر عندما يطال الاعتقال شقيقي الأكبر وصديقي ورفيقي في الحزب عاكف، لقد ترافقنا لخمسة اعتقالات من جملة أربعة وعشرين اعتقال بالنسبة لي في زنازين جبروت الإخوان المسلمين وبيوت الاشباح اللعينة.
ويختفي عاطف تحت الارض الاسبوع الاول من سبتمبر ١٩٩٤م!!
بعد اسبوعين من اختفاء عاطف في يوم ١٨ سبتمبر ولد طفله الثالث، سال لعاب كلاب الأمن للوليمة القادمة حسب ظنهم الخاسرة، فظلوا يحرسون بيت آل القيلاوي بالمسلمية ليل نهار!!
لا أدري كيف احتمل “المُعلم” واسرتنا تلك الأعوام الكالحة المقيتة!! في شهر ما تصادف بجانب اختفاء “عاطف” اختطف جنود الخدمة الإلزامية شقيقي الأصغر “عامر” وهو في طريقه من الخرطوم إلى الحصاحيصا، ورموا به في أتون المحرقة، تم اعتقالنا في ذات الأسبوع انا وعاكف، وبيتنا مراقب على مدار اليوم. ويسير ركب المراقبة المكشوفة يتابع “المُعلم” والوالدة ح حتى في ذهابهما إلى صلاة الصبح وصلاة العِشاء. في تلك الايام العصيبة جاءت احدى قريباتنا وقالت للمُعلم:
يُحكى عن تلك الليلة بان “السيرة” عبرت النيل الأزرق من مُشرع رفاعة إلى الحصاحيصا وتحركت راجلة تسبقها الزغاريد والدفوف فخرج لها كل اهل الحي الاوسط حتى وصلت بيت جدي عبد الله خير السيد، وكان العريس صبياً نحيلاً تجلط شعره بالضريرة ويتلامع الهلال الذهبي فوق جبينة ويهرج حرير البنفسج بيده اليسرى ويهز بيمينه سيفاً لامعاً، منتشياً مبتسماً تزاحم الخلوق كي يروا العريس الذي يبدو لصغر سنه كأنه أحد أشقاء العريس الصغار، مما حدى بإحدى جارات جدتي “آمنة الجمل” بطلولها الفارع الممتلئ ان تقول وهي تشهق استغراباً:
ايضاً كان منفتحاً على قراءات متنوعة ومتعددة، عندما كان عمري تسع سنوات كان يعمل مع المقاول المرحوم محمد الأمين من قرية ” التمييد” الحلاوين، كان نصيبه عطاء لتشيد مدارس عديدة بالجزيرة في اول السبعينيات ، كانت طبيعة العمل تتطلب غيابه لمدة أسبوعين عن الحصاحيصا، وكان بجانب زاد الجسد حريصاً على زاد الروح، مثلما فتح لنا حساباً لشراء احتياجات البيت عند دكان المرحوم عثمان طه على الناصية المقابلة لبيتنا الاول بالحي الاوسط، كذلك فتح لنا حساباً بمكتبة النور بسوق الحصاحيصا، كان يأخذ منها زاده وتعلمنا منه ايضاً تلك الغبطة النادرة التي لا زالت تلازمني حتى الآن عند اقتناء الكُتب الجديدة، وقرأت في مكتبته كل كلاسيكيات الادب الفرنسي في بواكير الصبى، لذلك عندما كنت اصرف كل ما معي من مال في شراء الكتب يعلق قائلاً:
أمضى في ليبيا سنوات طويلة وعاد ليصبح مقاولاً ولديه بين حين وآخر كماين لصنع الطوب الأحمر، فوجد الكتوف قد تلاحقت طولاً وليس مقاماً، وصرنا “عاكف” وأنا نعمل معه، ومع عودته ظهر فجاءة عامل البناء الجنوبي ” الفيات” الذي كان يرافقه في السبعينيات ودائماً يأتي إلى بيتنا ويلاعبنا نحن الصغار بحملنا إلى اعلى وهو يضحك يقول:
عندما ظهر كتاب لتعليم لغة “الدينكا” اجتهد “عاكف” لتعلم لغة اجداده، ويتمرن تطبيقياً مع العمال ويساعده ” الفيات ” مبسوطاً وبحماس على النطق السليم، فأتقن فهمها، وذات يوم ونحن نعمل قبيل الساعة الثالثة بقليل موعد انتهاء العمل، تبقى مدماك واحد قبل ان نصل حد السقف واصر العامل الجديد الذي جلبه “الفيات ” في الصباح ان يتوقف عن العمل او تحسب له سهرة، فتكلم ” الفيات ” معه بلغة “الدينكا” واقنعه بان يحمل قدح واحد، سوف هو يحمل قدحين ، فقال له العامل الآخر وهما زالا يتحدثان بلغة الدينكا وهو ينظر باتجاه عاكف وهو معلق على علو السقالة الشاهق ” انا ح املا القدح دا لحد ما يدفق! والنشوف الولد دا كان يقدر يرفعو” فصاح عاكف به:
في عام ٢٠١٥م كنت في جولة حول الوطن العربي لتدشين كتابين صدرا في ذات العام بالقاهرة وهما “الاعمال الشعرية و”” مًنمنمات حكائية” بعنوان مثلما ينام الضوء بعيداً”
يسافر المعلم الى خارج السودان ويعود كما هو القروي الفقير الذي تمدن قليلاً، سريعا يخلع البدلة ويرتدي جلبابه الذي يلبس بالوجهين، وعندما عاد نهائياً من ليبيا صار مقهي عبد الرحمن الجعلي الشهير ب” أب شنب” مكتبه الذي يدير منه كل عملياته لمقاولات البناء، هذا المقهى معروفاً بأنه مركز تجمع كل ما يخص عملية البناء من بنايين وعمال ونجارين ونقاشين. تقف قربه لواري التراب والرملة.
دائماً ما كانا يجلسان معاً يتسامران ما بين الساعة الحادية عشر إلى منتصف النهار، في ذاك الوقت الخامل لهما معاً حيث يكون “المُعلم” قد اكمل التصاريف الصباحية لترتيب يومه لكل عماله، ويكون الفوج الأخير بالمقهى عاد بعد تناوله وجبة الفطور إلى مكان عملهم، ولقتل ذاك الضجر ابتكر المعُلم لعبة صارت شغلهم الشاغل بشكل يومي على مدار سنوات عديدة، ذات يوم جلس المُعلم على مقربة من عبد الرحمن الجعلي، وصار يبرم في شنبه القصير مقارنة بشنب عبد الرحمن الأصلي واتفق مع ثلاثة من العمال الذين يعملون معه من وقت لآخر عندما يمرون قربه وهو جالس في الجانب الآخر من الطاولة التي يجلس عليها “عبد الرحمن أب شنب” ان ينادونه هو “بأب شنب” ، فجاء العامل الاول وقال:
كنت أنا جزءً من هذه المباراة عندما امر بهما يتحفز “المُعلم” ويقف ينتظرني كي أناديه بلقب “أب شنب”، فالقي التحية بصوت علي وأحيي “أب شنب “الحقيقي اولاً فيقوم باحتضاني بقوة، يمسك يدي بيده ويرفعها إلى اعلى مثل حكم مباريات الملاكمة، قبل ان التفت إلى “المُعلم” واناديه وأقول له كيفك يا “مُعلم”.. فيقهقه المرحوم “عبد الرحمن الجعلي” طويلاً فهو يعرف انني لا اشرب لا الشاي ولا القهوة فيقول:
“رفيف” بنتي أطلقت عليه لقب “بابا جدو”، فصار كل من في البيت يناديه “بابا جدو”، مثلما كانت ايضاً تنادي أمها “بماما نازك” فصار الجميع ينادونها بهذه الطريقة بما فيهم “المُعلم” نفسه واغلب الصديقات. والأصدقاء المقربين، “رفيف” الصغيرة وهي تلثغ بالكلمات التي بدأت في النطق بها وعمرها سبعة شهور اسئلتها لا تتوقف عن جلبابه الانصاري الذي يلبس بالوجهين، وهي التي تظن بانه يرتديه مقلوباً! وتسأله لماذا لا يضع نقوداً وقلماً في الجيب الخلفي من جهة الظهر!!
ذات مكالمة مع “المُعلم” في شهر اكتوبر ٢٠١٦م احسست من صوته انه حانق على شيء ما، وتكاد العبرة تخنقه فسألته مباشرة عن ما به فلم يصدق فانفجر قائلاً:
وهكذا..
استهوت ابني “وريف” تلك الحكاية التي حكاها “المُعلم” عندما جاء اعرابي عابر لا ينتمي للمنطقة واناخ جمله الجائع الذي صار يأكل من خيرات الأرض التي امامه بلا حساب في منطقة قرب رفاعة تؤول ملكيتها لزعيمهم، فاعترضه أحدهم قائلاً:
طبعاً سيرة زعيم عموم الشكرية “أبوسن” بطرفتها وحكمتها وتجديفها كانت حاضرة بحكاياتها التي لا تنتهي، وعندما حاول “المُعلم” ان يختتم حديثه الطويل عنه بما حدث عندما انطلق خبر موته في البطانة، قلت له :
“أب سن مُتحدر
لم يتركوا شجرة واحده في البطانة واقفه على حيلها.
في صباح يوم الاثنين ٢٤ أكتوبر ٢٠١٧م قال “المُعلم” لشقيقتي الصغرى “سارا” بأنه يحس ببعض التعب والارهاق وحيله مهدود وبالأمس ترنح حتى كاد يسقط” فقالت له سارا ” تعال لي في المعمل بعدين افحص ليك الملاريا”.
عند منتصف النهار ذهب المُعلم “لسارا” عندما نظرت تحت الميكروسكوب رأت تلك الكريات البيضاء المريبة تكاثرت بشكل غير الطبيعي، فنادت على من هو أكثر خبرة منها من زملائها فرأى ما يهجس في بالها ونصحها بان يأخذوا العينة لمعمل خاص آخر في رفاعة على الضفة الأخرى من النهر، وآخري لمدني تتوفر لهم أجهزة أكثر دقة. فجاءت النتيجة سريعاً عليهم بالذهاب لمستشفى مدني في الغد، في يوم الثلاثاء قرر الطبيب في مستشفى “مدني” ان يرقد فوراً في قسم الكلى، واستشار آخر في قسم الذرة فقرروا ان يأخذوا عينة من النخاع للفحص. في صبيحة اليوم الاربعاء سألت اسرتي من لديه جواز صالح للسفر مع المعلم للقاهرة، قال شقيقي “عمار” الذي كان يعمل في ذاك والوقت في مدينة “سنار” ويأتي يومياً للمتابعة في “مدني” بان جوازه جاهز. قلت له:
اطمئن “عمار” الذي لم يستطع مفارقة “المُعلم” بإصرار عنيد، واستقبل خبر ميلاد طفله ” فخر” بعد أسبوعين من وصوله للقاهرة، ولم يعد كي يعطيه اسمه “فخر”. الفخر لي يا عمار ان أكون اخاك، وانت فخر أبيك، الذي لازمته في زمن مثقل بالأهوال.
رجع “عمار” الى السودان.. وجاءت “سارا وعارف”..
كانت ليلة الثلاثاء الأخيرة من مارس ٢٠١٨م، “سارا” تجلس قربه طلب منها ان تحضر له ماء كي يتوضأ، بعدها صارت تمسد له يده، فجأة سحب يده منها، واستعدل جسده واستلقى على ظهره تماماً وحاول ان يسحب البطانية، قالت له “سارا”:
“فالمُعلم” لازم “يدي البطانة شقه”!!
انتعل عاطف قلبه الدامي وطاف في رحلة صباح الأربعاء كي يرتب مع تجار الموت بالقاهرة أمر ترحيل الجثمان إلى السودان، فاكتملت الترتيبات بيسر وتحدد موعد السفر في ليلة الأربعاء على ان يصل الجثمان إلى مطار الخرطوم فجر يوم الخميس ٢٩ مارس ٢٠١٨م، ويتم قبره بالحصاحيصا مع شروق الشمس، ودق أيمن عاطف إسماعيل صدره بنضوج أكبر من عمره كي يرافق جده إلى مرقده لتعذر سفر وعاطف وسفري للأهوال المعلومة. وذهب عاطف والوالدة التي لازمته كل هذه الرحلة حتى النهاية، لغسل جسد “المُعلم” الطاهر قبل ان يوضع في مستقره قبل الأخير…
في مطار بورتسودان هبطت الطائرة والعواصف ماتزال عالقة!!
وطافت بـ “ود ابشام” لتودع أهلها فردا ً فردا، وتطوف بقبر ابيه، واخوانه الاثنين إبراهيم وناصر ليحانن قبر أخته مريم التي ربته، ويقالد أخته فاطمة بت بشارة وعم رجب وابنه عبد اللطيف.
ابنكم المذبوح بالغياب حتى العظم: عفيف اسماعيل
لا توجد تعليقات
