حان الوقت الذي تُعلن فيه قيادة تجمُّع المهنيين بالتنسيق مع التجمعات والتنظيمات الشبابية ساعة الصفر التي تهُب فيها كل مدن وقرى الوطن للإنقضاض النهائي على النظام، فقد نجحت تمارين “التسخين” بخروج المواكب في المدن والأحياء كلٍ منها على إنفراد، وإنتهى الشعب من إختبار قوته بهذه المواكب وأثبت أنه لا يزال الشعب المعلِّم الجبّار، كما ثبت أن الجيل الجديد من الشباب والأطفال هم بالفعل من صلبة وطينة آباء وأجداد ثورتي أكثوبر وأبريل في بسالتهم وتحديهم وصمودهم أمام الموت وبطش السلطات، فليس هناك اليوم مواطن حر يغمض عينيه ولا يطوف بخياله صورة الطفل “الأسد” الذي أصبح أيقونة ثورة “ديسمبر” الذي تقدّم صفوف أول موكب وهو يهتف بوجه صارم كأنه قائد كتيبة.
كما أن ما خرج من مواكب ومسيرات خلال الأسابيع الماضية قد أطلع العالم بما يكفي على قضية الشعب وديكتاتورية وظلم وفساد النظام برغم إنشغال كثير من القنوات الفضائية الكبرى بقضايا أخرى بعضها بموضوع التصويت على مسار خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي وأخرى بمقتل الصحفي “خاشوقجي”، إلاّ أنه لا توجد نشرة أخبار بفضائية أو إذاعة عالمية يغيب عنها من خبر أو حوار إنتفاضة الشعب ضد نظام الإنقاذ، كما أن كل عواصم ومدن العالم قد شهدت مواكب هادرة لأبناء الوطن المقيمين بالخارج، ووقف العالم على حقيقة أن هذه الثورة ليست لجياع خرجوا ينادون بالخبز، وأنها ثورة من أجل الحرية وإنهاء حكم الفساد والديكتاتورية والتسلّط والإقصاء.
كما أن إستمرار المواكب والمظاهرات قد أثمر في تعبئة كثير من أفراد القوات النظامية بعد أن تبيّن لهم أن أركان النظام يستخدمونهم كأدوات ودُمِي حتى يتنعّموا بمسروقاتهم، وأنهم يدفعونهم لإرتكاب الجرائم في حق إخوانهم وأخواتهم وأمهاتهم، فيما يُطالع اللصوص الذين يدافعون عنهم أخبار الموت والدمار من داخل قصورهم وهم آمنين وسط عيالهم، حتى أن فرد الأمن منهم – من فرط الحياء من أفعاله – أصبح يرتدي النقاب الإسلامي حتى لا تُعرف هويته.
وأكثر أهمية من ذلك، أن الشعب قد أدرك (بياناً بالعمل) كذب فرية النظام بأن سقوط النظام سوف يجعل الوطن يعيش حالة من الفوضى والإنفلات الأمني كما يعيد ويُكرِّر، ووصل الشعب إلى حقيقة أن بقاء النظام هو الذي يجعل الوطن كذلك، بعد أن وضح له أن كل شعب السودان في المدن والقرى والنجوع على قلب رجل واحد ضد عصابة تريد أن تطبِق على رقبته بالزور، وهي القوة التي تجنح وتهدِّد بالعنف والموت، وأن الحركات المسلحة (وهي جزء من هذا الحراك) ترفع السلاح في وجه الإنقاذ لا في وجه المركز، وأنه – خلافاً لما كان يتخوّف منه كثيرون – أن القوى التي تقود الإنتفاضة الحالية قد وضعت التدابير المطلوبة لفترة الإنتقال والحفاظ على وحدة وتماسك الوطن.
لقد حانت لحظة الإنقضاض الشامل على النظام، فالإنهاك الذي أصاب أفراد الأجهزة الأمنية بتوالي خروج المسيرات لأسابيع حتى الآن، يصيب أيضاً المواطن، كما أن إستطالة فترة الحراك من شأنه أن يتيح للنظام فرصة إتخاذ تدابير وترتيبات جديدة لم تدخل في الحساب، كما أن هذا التطاول من شأنه كذلك أن ينتهي بالمُتظاهرين إلى قناعة بعدم جدوى ما يقومون به، في مقابل الإصابات والخسائر في الأرواح التي تحدث كل يوم.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم