تحديات بناء الدولة الجديدة وازالة دولة التمكين .. بقلم: د. سامي عبد الحليم سعيد
24 أبريل, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
119 زيارة
advosami@hotmail.com
خضعت الادارة العامة في السودان خلال فترة الحكم الشمولي الممتد من عام 1989 و حتى ابريل 2019، الى عملية هدم ما هو سائد، و إحلال مبادئ و قيم إدارية لا تعزز المحاسبية و الرقابة و الشفافية، و تؤسس للتمييز القائم على الانتماء السياسي، من خلال تطبيق سياسات من شاكلة (التمكين). تلك السياسات و باعتراف اصحابها، كانت مدمرة بصورة منهجية للدولة السودانية، مما احالها بالفعل الى خراب. و (التمكين) وفق ما عرفناه بالتجربة، هو أقسى حالات انتهاك حقوق الانسان في مجال الادارة، و إنتهاك صريح و جسيم لمبدأ المواطنة، و لمبدأ المساواة.
يقف السودانيون من جديد على عتبة التفكيرفي كيفية بناء السودان على نسق مبادئ الادارة الحديثة القائمة على الحكم الرشيد، و هذا أمر يبدو عليه في غاية التعقيد، و يحتاج الى عصف ذهني، و صبر شديد.
ان مؤسسات الحكومة (السلطة التنفيذية) و الخدمة المدنية ظلت على مدى ثلاثين عاما، تخضع لمعايير التمكين السياسي، مما أحال سلك الخدمة المدنية الى مؤسسات تخدم التوجهات السياسية للحزب الحاكم، و نخبته، كما تم توظيف الادارة العامة للدولة في خدمة الفساد و الانحراف بالسلطة، و بالتالي أصبح من الصعب ان يتم ادراك هذا الدمار بصورة عاجلة مالم تمر بخطوات و عملية اصلاح طويلة المدى، و لاغراض اصلاح مؤسسات الحكومة (السلطة التنفيذية) علينا ان ندرك ثلاث حقائق، تتفرع منها موضوعات عديدة، و هي:
1. ان هدف الدولة يتغير مباشرة بتغير النظام الديكتاتوري الحاكم، و بالتالي تتغير استراتيجية الدولة وفقاً للارادات الجديدة و الاهداف المرحلية و طويلة المدى. هذا التغير في الاستراتيجية يتطلب تغيير بنيوي و موضوعي في مؤسسات الحكومة، حتى يكون بمقدورها الوفاء بمتطلبات الأهداف الجديدة للدولة.
2. ان الكادر الوظيفي الذي ظل يعمل في وزارات و مؤسسات الحكومة طيلة فترة الثلاثين عاماً الماضية، هو نتاج ثقافة و نظريات ادارية مشبعة بالعديد من العيوب المفاهيمية و القيمية، و ترك امر الدولة لهذا الكادر بدون ضوابط صارمة سيؤدي الى فشل كل التدابير المقترحة لاصلاح شأن الحكومة و مؤسساتها. و نتيجة لذلك لا يمكن القول بان هناك قطاعاً من قطاعات الحكومة لم يتأثر بالتدهور الاداري و الفساد و الانحراف بالادارة العامة في الدولة.
3. الحقيقة الثالثة، هي ان الدولة تعاني من ضعف حاد في جانبين المالي و البشري. و ان الموارد العامة المتاحة في التوقيت المعين، و الطبيعة الاسعافية للمعالجات المستعجلة، قد لا تسمحان باتباع سياسات طويلة المدى من اول وهلة، و ربما من الانسب اتباع خطط اسعافية، انتقالية، و سريعة النتائج.
و بالتالي على الخطة الاسعافية قصيرة المدى – و استجابة لمقتضيات للحقائق الثلاث اعلاه – ان تتبع التالي:
اولا: البداية الصحيحة تبدأ من وضع استراييجية قومية اسعافية للحكومة الجديدة، يعكف على صياغتها خبراء وطنيون، و ان تلبي شعارات استدامة الديمقراطية و الحكم الرشيد و سيادة حكم القانون. هذه الاستراتيجية تنطلق من شعارات قومية تتبناها الدولة ، و يتم من خلالها وضع الخطط، و مؤشرات التنفيذ و التقييم.
ثانياً: استجابة للتحدي الخاص بالكادر البشري، فان على الخطة الاسعافية ان تقسم نشاط السلطة التنفيذية الى اربعة او خمسة قطاعات، و ان يكون لكل قطاع مفوضية ( بحيث تكون كل مفوضية مشرفة على الخدمات التي تقدمها ثلاث او اربعة وزارات). تخضع المفوضيات لمعايير الاستقلالية و المهنية و الكفاءة، و ان يراعي في تكوينها التوافق القومي. هذه المفوضيات تتكون من كوادر وطنية مؤهلة و مشهود لها بالنزاهة، و يتم تعيينهم من الشخصيات التي لم ترتبط بالعمل ضمن منظومة التمكين السياسي، و من الذين مازالوا يمارسون اعمالاً تقع ضمن اختصاص المفوضية المعنية، بحيث ان لا يكونوا قد انقطعوا عن الممارسة الفعلية للعمل المعني.
إن المفوضيات، تكفل رقابة مهنية و مستقلة، و تضع موجهات عاجلة لكل قطاع – متى ما استدعى الامر – و من ضمن ذلك وضع موجهات متوافقة مع الاستراتيجية القومية الاسعافية، بشأن الاصلاح المؤسسي و تحسين الاداء. من الممكن ان تشمل المفوضيات ما يلي: (1) العدل و حقوق الانسان (2) العلاقات الخارجية (3) الموارد و الموازنة العامة (4) القطاع الامني (5) الخدمات العامة، و اي قطاع اخر ذو خصوصية.
و تتميز المفوضيات عن المجالس الاستشارية، في ان المفوضيات تتمتع بسلطة علوية على السلطة التنفيذية بوصفها مفوضة من ممثلي الشعب (البرلمان) و في النظم الرئاسية تكون مفوضة من البرلمان و يصادق عليه رئيس الجمهورية، و بالتالي تكتسب درجة من السمو على هيئآت السلطة التنفيذية، و مهمتها تضع الاستراتيجيات و تراقب تنفيذها، بل ان بعض جوانب التنفيذ تتطلب مصادقة مسبقة من المفوضية.
بجانب ذلك فهي هيئة فنية تتمتع بقدرات و كفاءات أعلى مما لدى السلطة التنفيذية، و تقدم المفوضية تقارير دورية لممثلي الشعب (البرلمان) بوصفه يتمتع في الدولة الديمقراطية بالصفة الرقابية، وفق نظرية الفصل بين السلطات. بينما المجالس الاستشارية، فانها و بحسب اسمها تقوم بدور استشاري للوزارة المعينة، في الجوانب الفنية المتعلقة باختصاص اللجنة او المجلس الاستشاري. يتبع المجلس الاستشاري او اللجنة الاستشارية للوزير المعني، و للوزير ان يأخذ بنصائح اللجنة او ان يرفضها، فقرارات اللجنة غير ملزمة للوزير.
ثالثاً: لادراك مسألة القصور المالي و القدرات و الفنية، من المهم السعي لطلب مساعدات من المجتمع الدولي في المحورين المالي و الفني، و في ذلك هناك مؤسسات دولية تابعة للامم المتحدة معنية باستدامة الديمقراطية و الحكم الرشيد. و من الممكن الاستفادة من التجارب الدولية في هذا الاطار ضمن الخطة الاسعافية، و الحرص على ضمان استقلالية الدولية، و عدم الوقوع في فخاخ المعسكرات الدولية. و في هذا من الافضل الاعتماد على المؤسسات الدولية التي للسودان عضوية فيها. من التجارب الدولية التي يمكن الاستعانة بها ضمن الخطة الاسعافية تجربة دولية جمهورية افريقيا الوسطى، التي تم فيها تكوين صندوق مساعدات دولية لدعم الاستقرار و بناء السلام و الديمقراطية، و باشراف و رعاية و اشراف من مجلس الامن الدولي. هذا الجانب قد يساعد في توفير قدر من الجوانب المالية المستعجلة لا سيما في الامور التي تحظى باهتمام عالي لدى المنظمات الدولية، لا سيما مواضيع محاربة الفساد، و الحكم الرشيد و الاصلاح القانوني و المؤسسي.
ختاماً، من غير المتوقع ان تنتج كل الخطط نتائجها المطلوبة في ازمان قصيرة، كما انه من غير المتوقع ان تسير كل الخطط وفق ماهو مرسوم لها، مالم تكون تلك الخطط نتائج تحليل علمي عميق. إن التحول الديمقراطي و الحكم الرشيد، عملية طويلة، تتحقق نتائجها بتكامل عناصرها مجتمعة، و في هذا من المهم ان تتوحد الارادة السياسية، مع التوظيف الامثل للقدرات و الموارد و الكفاءات.
////////////////