الفيمينست أمام بوابة تجمع المهنيين .. بقلم: د. عبدالله البخاري الجعلي
شارك
teetman3@hotmail.com
قبل أيام قليلة أتجهت عدد من الفتيات من جماعة ما يعرف بالفيمينست لمقر تجمع المهنيين حاملين لافتات كُتِبَت عليها عبارات تشجب و تندد التهميش و الأستعلاء الذكوري على المرأة السودانية من قيادات قوى الحرية و التغيير في فترة ما بعد سقوط نظام الأنقاذ . بداية وجب علينا أن نوضح معنى كلمة ( فيمينست ) للقارئ الكريم قبل أن ندلف للحديث عن هذه الوقفة ؟ فيمينست كلمة تُطلَق شيوعاُ على الفتاة التي تُطَالِب بحقوق النساء ، و الفيمينست كجماعة هي حركة عالمية نسوية تدعو عموماً إلى الأعتراف الكامل بأن للمرأة حقوقاً و فرصاً مساوية للرجل في مختلف مستويات الحياة العلمية و العملية. النسوية الكندية الشهيرة في الجماعة لويز توبان ترى تعريفا آخر بعيدا عن الفهم القاموسي للكلمة ، تُعَرِفُه بأن ( فيمينزم ) هي عملية إنتزاع وعي فردي في البداية ، ينتقل فيما بعد ليكون وعي جمعي ، متبوع في الأخير الى ثورة عامة ضد موازين القوى الجنسية و التهميش الكامل للنساء في لحظات تاريخية محددة. يتذكر الشعب السوداني بأكمله والذي وقف مشدوهاً يومها وهو يشاهد في إحدى حلقات برنامج ( شباب توك شو ) وكانت بعنوان ( ماذا تريد المرأة السودانية ؟ ) تلك الفتاة حديثة العمر وئام شوقي وهي تناكف شيخاً وقوراً وهو رئيس هيئة علماء السودان، تطالبه بالحرية المطلقة للنساء ، وتلقي باللائمة على الدين فيما آل إليه حال البلاد . أعتقد أن هذه الناشطة كانت وقتها خير من يمكن أن يمثل التوجه المبدئي لهذه الحركة العالمية ! كانت النساء من أكثر الفئات المجتمعية التي ذاقت الويل و الضيم من نظام الأنقاذ ، والمؤسف له أن نعترف بإن السودان الذي تقدم الأمم في الشرق الأوسط وأفريقيا في الحقوق التي اكتسبتها المرأة في مجتمعه منذ ما قبل وبعد الأستقلال ، وجدناه يتقهقر عائداً الى عهد القرون الوسطى في العقود الثلاثة الماضية التي حكم فيها هذا النظام البلاد عبر قانون و شرطة ما يعرف بالنظام العام . كانت المرأة تواجه عبر هذا القانون المعيب عقوبة الجلد بأربعين جلدة ودفع غرامة في حال إدانتها بتهمة ارتداء البنطال، أو ما يوصف بأنه “زي فاضح” استنادا إلى المادة 152 ، غير أن المادة ذاتها لم تخض في تفسير أو تفصيل ضوابط وشكل هذا الزي، لذلك وجدنا أنها تركت الأمر في الأخير للشرطة لتحديد ماهية اللبس الفاضح أو المخل . هذا الأمر كان يُوَاجَه دوماُ في الشارع العام بسخط شعبي كبير لأن طبيعة المجتمع السوداني المحافظة في ظني إعتادت أن تكون الرقابة على المرأة تحديدا تقع في إطار العادات و الأعراف و التقاليد الأسرية و المجتمعية . أي أن الأسرة في الدرجة الأولى ثم المجتمع في الدرجة الثانية من بيده مفتاح منح أو كبت الحرية للمرأة ، لكن أن يترك الأمر للحكومة بنظرة أيدلوجية بحته تمارسه على الطريقة الأفغانية الطالبانية من خلال رأي و تقييم أي عسكري في هذا الشرطة سيئة السمعة للحالة التي أمامه ، هذا ما كان مرفوضاً و غير مقبول لقطاعات واسعة من الشعب السوداني . أبلغ مثال لذلك أنه وفي ظل الرفض الشعبي الكبير لممارسات النظام القمعية على لبس النساء عبر قانون النظام العام ، ظهرت الفتاة وئام شوقي في القناة الألمانية تطالب بمنح المرأة السودانية حرية الحركة و التنقل و اللبس كيفما تشاء ، وتعدت ذلك الأمر بأن هاجمت الحكم الأبوي و الزواج كمؤسسة راعية للأسرة ، فواجهت بعدها ما واجهته من موجة كبيرة من الهجوم و السخط و التهكم و الأزدراء من قبل معظم فئات المجتمع على أختلاف الأسباب و الدوافع لذلك الهجوم . جاء بعدها الناشط السياسي المعروف البوشي ومن منصة أعتصام القيادة العامة ليجدد التذكير بهذه المطالب ظنا منه أنها ستجد القبول الشعبي بعد سقوط النظام ، ليتراجع بعد أقل من يوم واحد عن كلامه، ويعتبره قد أُخرج من سياقه ، عندما واجه أيضا موجة من الغضب و الهجوم أقسى من تلك التي واجهتها وئام شوقي ، دفعته دفعا في الأخير للتأكيد على أنه إبن بيئته و مجتمعه السوداني بعاداته و تقاليده المحافظة ! أعتقد أن أكبر معوق لأستعادة المرأة السودانية لدورها الطليعي في المجتمع ، و لأستعادتها لكامل حقوقها في الحياة العلمية و العملية هي تلك الأصوات النشاذ التي تظهر بين الفينة و الأخرى لتسجن نضال المرأة وتحصر معركة مطالبها في حرية لبس البنطلون وحرية الحركة و التنقل في الشارع آخر الليل كيفما تشاء ! الفتيات اللاتي وقفن أمام مقر تجمع المهنيين ، يُحمَد لهن أنهم لم يتطرقوا لقضية حرية اللباس و حرية التنقل و الحركة للمرأة بالشكل المبتذل الذي تطرق له سابقا البوشي و وئام شوقي ، فقد كانوا يحملون لافتات منددة بسياسة التمييز النوعي سياسياً ضد المرأة السودانية خصوصا بعد مشاركتها الكبيرة و المميزة في الثورة . عند قراءتك لما كُتِبَ في هذه اللافتات تلحظ أن معظم شكواهم تركزت على حول مسألة التهميش السياسي و الظهور القيادي الضعيف لهن في منصات الأعلام الثوري و المفاوضات السياسية مع المجلس العسكري ، رغم الأدوار الكبيرة و التضحيات الجسام المعلومة التي قدمتها المرأة جنبا الى جنب مع الرجل لأنجاح ثورة ديسمبر – أبريل المجيدة . فمثلاً تجد أن إحدى اللافتات كُتب عليها ( تشكرونا في المظاهرات و تنسونا في المفاوضات ) ، و لافته ثانية كُتِب عليها أيضاً ( كاروهات تعرف .. بلوزات ما تعرف ! ) ، و أخرى ثالثة صِيغَت بلغة دسيس مان كُتِبَ عليها ( كنداكة أمشي البيت … مفاوضات مافي ليك … التجمع بشغلها ليك ) ! . من الطبيعي أن نُذكِر بإن هذه الجماعة وإن أختلف البعض في شكل و منهج توجهاتها إلا أنها في هذه الوقفة تحديداً أشارت بمصداقية كبيرة لنقطة ضعف واضحة في التمثيل النسوي القيادي لتجمع المهنيين خصوصاً و قوى إعلان الحرية عموماً . ولأن الأمور تسير دوما في السودان عكس المخطط و المأمول له ، فأن المراقب الطبيعي لتسلسل الأحداث السياسية لهذه الثورة كان سيتوقع بداهة أن تكون جماعة مثل ( الفيمينست ) هي إحدى لوبيات الضغط التي يمتلكها تجمع المهنيين على قوى الثورة المضادة والتي كانت سبباً في أنتهاك حقوقها في السابق . لكن أن تجأر هذه الجماعة بالشكوى وتمارس ضغطها الآن على قوى الثورة الحقيقية التي أستأمنتها على إستعادة حقوقها ، و تُبدي أحباطها من المسار الأداري لتجمع المهنيين و الذي همش المرأة في التمثيل القيادي … هذا ما يثير بالفعل التعجب و السخرية و الطرفة . لا يختلف أثنان أن هذا الفعل الأحتجاجي مشروع ، ويتسق تماما مع الحقوق التي تكفلها الدولة المدنية الحضارية لمواطنها ، ولكنها تبقى خطوة في المنظور السياسي و الأستراتيجي بتوقيت خاطئ يخدم بشكل غير مباشر قوى الثورة المضادة ( الكيزان ) في الضغط على تجمع المهنيين ، أو تشويه صورته أمام الرأي العام على أقل تقدير . هذه الجماعة لم تقتنع بالظهور الدائم و المميز لدكتورة مريم الصادق المهدي و المسنود قطعا بحزب جماهيري كحزب الأمة القومي و رعاية أبوية كارزمية ممثلة في السيد الصادق المهدي . ولم تقتنع أيضا بالظهور المتقطع والخجول لميرفت حمدالنيل في بعض جلسات المفاوضات مع المجلس العسكري أوبعض المؤتمرات الصحفية لتجمع المهنيين ، لذلك لم تراعي أي ظروف سياسية أو توقيت مناسب لهذه الوقفة الأحتجاجية ، فقررت في هذا المنعطف الخطير من مسار الثورة أن تقرع جرس الأنذار علناً وبالواضح ما بالدس أمام بوابة مقر تجمع المهنيين . كان من المهم مراعاة المناصفة شكلا و مضمونا لمشاركة المرأة في التمثيل القيادي في تجمع المهنيين أو قوى إعلان الحرية و التغيير حتى لا تخسر قوى الثورة يوما بعد يوما أطرافه التي ساهمت بقوة في تصدره للمشهد السياسي . أعتقد أن هذه التهم ربما كانت لتختفي من الواجهة المطالبية لهذه الجماعة، و كانت ربما ستظهر بدلا عنها قضايا و مطالب أهم للمرأة السودانية من مسألة الظهور الأعلامي أو التمثيل القوي في المفاوضات مع المجلس العسكري ، لو أن قوى الحرية و التغيير دفعت بالفعل الى الواجهة الأعلامية وحتى في غرف التفاوض عدد مقدر من قياداتها من الجنس اللطيف ، وهذا لعمري حق أصيل لهن لأن الثورة السودانية لولا مشاركتهن المميزة فيها بأتفاق الجميع لما نجحت ولما أستمر زخمها و حضورها بقوة حتى لحظة خلع البشير . نعم تقدمنا كثيرا على عديد من الأمم في المشاركة النوعية للمرأة السودانية في مختلف القطاعات المهنية و الأنتاجية ، نذكر منها على سبيل المثال و ليس الحصر : ( أ ) وصول المرأة السودانية لقبة البرلمان قبل نظيراتها العربية و الأفريقية ، ثم رفع الكوتة النسائية في البرلمان من 10 % عام 1991م الى 30 % في آخر تعديل قانوني . ( ب ) وصول المرأة السودانية لمنصب القاضي قبل أكثر من عقدين من الزمان في الوقت الذي كانت فيه هذه الوظيفة حكرا للرجال في الجارة القريبة مصر . ( ج ) تقلد عدد مقدر من النساء عمادة الجامعات و الكليات ، دون أن ننسى ذكر الأخت و الصديقة حاجة عثمان التي ولجت مؤخرا كأول سودانية عالم الطيران و أصبحت فيه أول كابتن سودانية تقتحم هذا المجال وسط الرجال . ولكن كل ذلك الزخم و الماضي المشرق لا ينفي ولا يلغي تماما أن وضع المرأة السودانية اليوم متأخر و متأزم ، وأن هنالك معوقات كثيرة تقف سدا منيعا لتصحيح هذه الأوضاع الشائهة لنصرة قضايا المرأة السودانية … نذكر منها على سبيل المثال : ( أ ) التركة السياسية و الأيدلوجية السلبية الثقيلة التي تركها لنا نظام الأنقاذ في قمع و إذلال المرأة من قبل الدولة و مؤسساتها الأمنية و النظامية . ( ب ) مجتمع يخلط دوما بين الدين و تعاليمه السمحة والتي منحت المرأة مساحة كبيرة للفعل العام ، وبين الأعراف و التقاليد المتوارثة . ( ج ) العشوائية و التخبط الواضح و الكبير للناشطين في هذا المجال في مسألة وزن الخطاب العام الموجه للمجتمع تجاه معالجة هذه القضايا الحساسة ، وضرورة ترتيب الأجندة و الأولويات التي تَهُم و تخدم حلحلة المشاكل و الهموم الكبيرة التي تعاني منها المرأة ، خصوصا فئة النازحين و المتأثرين بالنزاع المسلح في مناطق الحروب . ( د ) نظرة تقليدية متخلفة من النخب السياسية تجاه الدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة في العمل العام السياسي ، في ظل إختزال نمطي لأدوراها في مناصب محددة في الدولة ( الرعاية الأجتماعية ، و الأمومة و الطفولة ، و التعليم ) . ختاما ما يمكن قوله أن الجديد الذي يُمكِن أن تقدمه لنا قوى الثورة في هذه القضية القديمة و المتجددة هو ضرورة الدفع سريعا بعدد مقدر من النساء في المناصب القيادية خصوصا إذا ذكرنا أنهن لا تعوزهن الكفاءة لتلك المناصب . كما يجب أن تُعلي قوى الحرية و التغيير عموما و تجمع المهنيين تحديدا من صوتهما إعلاميا في معركة الدفاع عن قضايا و حقوق المرأة ومخاطبة مظالمها و إنصافها عاجلا غير آجلا . كما يجب أن تمنح هذه القوى الثورية ولو مرحليا هذه الهموم النسوية أهمية قصوى و تخرجها من عباءة الجماعات و المنظمات المتخصصة فيها مثل ( الفمينيست و لا لقهر النساء و الأتحاد النسائي السوداني ) لتنصب نفسها موضع الفاعل وليس نائب الفاعل في الجملة السياسية لهذه القضية . هذا الأمر ليس تقليلا من شأن و دور هذه الجماعات و المنظمات و الأتحادات ، ولكن لكي نقول لهم وفي إطار الخطة الأسعافية الوطنية الشاملة التي سوف تنتظم كل الدولة ، أننا جميعا معكن صفا واحد لدعم و أنصاف حقوق المرأة السودانية ، وعودتها لتلعب أكبر الأدوار الفيصلية في المجتمع و لتتبوء أهم المناصب الحساسة في الدولة .