كيف ” مُكن ” غندور علي قيادة اتحاد العمال؟ .. بقلم: صديق الزيلعي
12 ديسمبر, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
26 زيارة
امتلأت صفحات الانترنت بأحاديث وكتابات لبروفسير إبراهيم غندور، لا تشبه غندور الذي عرفناه خلال الثلاثين عاما الماضية. فقد تحول، في لمح البصر، لديمقراطي عتيد يتحدث بلغة القانون والحوار. وبدون أدنى إحساس بالحرج، أو الانتباه لذكاء أبناء شعبنا ، صار يتحدث عن رفضه التمكين والأقصاء والعزل السياسي وحل حزبه الخ. سأحاول في هذا المقال تذكير غندور كيف وصل لقيادة اتحاد العمال، حتى يتوقف عن منهج “التمسكن ” و ” كتل الضل”. لان تاريخ ممارسات نظام الإنقاذ لا تزال طازجة وحية امام اعين أبناء شعبنا. كما ان التوثيق لتلك الفترة السوداء من تاريخ بلادنا، موجود بتفاصيله، ولم تنجح كل المحاولات لتدميره. ولن نتعرض لمواقفه عندما منح منصب مدير جامعة الخرطوم، وموقفه عندما قتلت الكتائب الجهادية الطلاب العزل، وتم فصل الأساتذة والطلاب. ولا ممارساته كوزير للخارجية، والتي لم يديرها بنفسه وانما كان ينفذ حرفيا ما يصدر من الرئيس المخلوع، وفشل حتى في توفير احتياجات سفاراته، وذهب يستجدي المجلس الوطني. ولا فترة اشرافه على الحزب الحاكم المسئول عن الإرهاب والتزوير وسرقة المال العام وتدمير بلد بكامله. ولكني سأركز على ما اعرفه وهو ” تمكينه ” على الحركة النقابية، وهو القادم من خارجها.
سأبدأ في هذا المقال بعرض تعامل سلطة الانقلاب مع النقابات، منذ بيانها الأول، وما تعرض له قادة النقابات من اعتقال وتشريد من العمل وتعذيب في بيوت الاشباح وقتل عمد. وسأركز على ما سمي بمؤتمر الحوار النقابي، الذي شكل أكبر هجمة لتحطيم الحركة النقابية، وجعلها ترسا من تروس النظام الحاكم.
أعلن انقلاب 30 يونيو 1989، منذ ساعاته الأولى، في البند الثالث من بيانه الاول، حل النقابات ومصادرة ممتلكاتها، واغلاق دورها، والاستيلاء على وثائقها. وواصل العداء باعتقال الالف من القادة النقابيين، وزجهم في السجون، وتعذيبهم في اقبية جهاز الامن، واغتيال على فضل بأبشع الطرق، ومنها غرس مسمار في رأسه، ثم الادعاء الكاذب، والحقير حقا، بانه مات بالملاريا.
كون نظام الانقلاب بعد فترة، لجان من عناصره، واسماها لجان تمهيدية للنقابات. ضمت تلك اللجان العديد من الذين سقطوا في انتخابات نقاباتهم ، فتم فرضهم عليها ، بينما القيادات النقابية المنتخبة تقبع في السجون وبيوت الاشباح.
انعقد مؤتمر الحوار النقابي في الفترة من 29 يوليو وحتى 4 أغسطس 1990. قدمت في المؤتمر أوراق (اعدت سلفا في مطبخ اللجنة السياسية للانقلاب). الأوراق هي: تأصيل العمل النقابي، التشريعات النقابية السودانية، هياكل التنظيم النقابي، دور النقابات في البناء الوطني، دور النقابات في العمل الاجتماعي، دور النقابات في الدبلوماسية الشعبية، قوانين الخدمة والعمل وتثوير الخدمة المدنية. وقدمت مذكرات من اللجان التمهيدية التي كونها الانقلاب، وليست من القيادات الشرعية المنتخية. وهي مذكرات باسم اتحاد نقابات العمال، اتحاد الموظفين والمهنيين والفنيين والمعلمين، اتحاد أصحاب العمل، اتحاد المزارعين. كما قدمت أربع محاضرات هي: تاريخ الحركة العمالية، محاضرة الثقافة العمالية، محاضرة المعاشات والتأمينات مقارنة بالتكامل الإسلامي.
سأركز مناقشتي على ورقة تأصيل العمل النقابي التي قدمها الدكتور حسن الساعوري، لأنها محورية في عمل المؤتمر وشكلت الإطار النظري لكل ما تم فيه من قرارات، وما نتج عنه من تغيير شامل للحركة النقابية. كما ان الورقة تشكل رؤية الحركة الإسلامية لما أسمته التأصيل النقابي.
. ثم سأتعرض للتوصيات. وسأحاول مستقبلا مناقشة بقية الأوراق لأهمية المعرفة الدقيقة بمخطط الحركة الإسلامية لتخريب الحركة النقابية.
جاء في ورقة الدكتور الساعوري عن تأصيل العمل النقابي: ” نشأ العمل النقابي في التاريخ الإسلامي وسبق بذلك أية نشأة أخرى في العالم بما لا يقل عن ثمانية قرون”. ويأتي مثل هذا الحديث المزور في إطار تغبيش وعي العاملين واقناعهم باننا الاصلاء في العمل النقابي التي يختلف تماما عن النمط الأوربي التناحري والبغيض. ويصرح بأن: “نشأة النقابات في بلاد المسلمين تمت من غير أي صراع أو مشاكل، سواء كان ذلك مع أصحاب العمل أو مع السلطات “. وهذا الحديث المغلف بغطاء ديني لم يملك عتاة الانتهازيين وسط النقابيين السودانيين التصريح به علانية. وقد رأينا خلال الثلاثين عاما الكالحة تأثير هذا الحديث على العمل النقابي الذي تم تدجينه وصار ترسا من تروس دولة الإنقاذ الفاشية. ويواصل ويزيف التاريخ بقوله: ” بل ان الواقع التاريخي يشير الى ان التجربة النقابية السودانية قد جاءت من الاستعمار نفسه”. وهذا يشكل إساءة لنضال عمال عطبرة والسكة الحديد والتضحيات التي قدموها ضد المشروع النقابي الاستعماري واصرارهم على الشكل النقابي الحقيقي. وهناك كثير من القضايا التي ذكرها، ولا يتسع المجال هنا لمناقشتها، وأتمنى ان ارجع لها مستقبلا بتفصيل لكشف زيف الادعاء بالتأصيل والاختباء وراء الدين لتنفيذ أغراض دنيوية وسلطوية.
وسأقتطف بعض التوصيات التي توضح الهدف من المؤتمر:
• ” أن تقوم النقابات بدور مؤثر في استنهاض الهمم وحشد الطاقات وانبعاث القيم الروحية التي تدعو للطهر والايثار ونكران الذات وسط العاملين بهدف زيادة الإنتاج وبناء الوطن وذلك عن طريق القدوة الحسنة والتذكير والتدريب والتأهيل”
• “نظرا للظروف الدقيقة التي تمر بها البلاد وتمشيا مع السياسات العامة والبرامج التي طرحتها ثورة الإنقاذ الوطني فانه يتحتم علينا كنقابيين ان نقرر بان سلاح الاضراب هو أداة هدم وتخريب”
• أن تتحمل النقابات مسئوليتها كاملة في الوقوف ضد الهجمات التي تستهدف السودان في هويته الحضارية والتصدي للعملاء وعناصر الطابور الخامس”
• ” توحيد كلمة عامل في القانون بأنه الشخص الذي يعمل لقاء أجر مهما كان نوعه، انطلاقا من أن العمل قيمة دينية وحضارية وتطبيقا للعدالة الاجتماعية والمساواة بين كافة أطراف المجتمع”
• ” توحيد الحركة النقابية في اتحاد عام واحد للعمال وتنفيذ ذلك كهدف استراتيجي يدعم الوحدة الوطنية “.
جاءت كل التوصيات والقرارات في هذا الإطار المذكور في المقتطفات أعلاه. ليأتي البشير في ختام المؤتمر ( 4 أغسطس) ليقول لهم: ” اننا نتطلع لحركة نقابية همها الأول هو رفع معدلات الإنتاج والتغلب على شج الإمكانيات بابتكار أساليب جديدة للعمل وتحسين ظروف العاملين”.
نرجع لغندور الذي لم ينتمي للحركة النقابية، ولم تتفضل عليه سلطة الانقلاب آنذاك بمجرد مقعد كعضو في هذا المؤتمر المصيري للعمل النقابي. فقد تم اختيار أطباء، للمشاركة في المؤتمر ، هم: الجزولي دفع الله، مجذوب الخليفة، سليمان سيد احمد، الباقر عمر السيد. ومعنى ذلك انه لم يساهم في تشكيل رؤية الحركة الإسلامية للعمل النقابي، لمعرفة أصحاب الشأن وسطها، انه لا يملك أي خبرة أو تجربة داخلها. ولكن بعد فترة، في ظل استهتار سلطة الانقلاب بمؤسسات شعبنا، وبقرار أو فرمان سلطاني يصبح غندور رئيسا لاتحاد العمال، ومديرا لجامعة الخرطوم في آن واحد. هل بعد كل ذلك يملك غندور الحق في الحديث عن الكفاءات والتمكين والاقصاء. وماهي الكفاءات والخبرات النقابية التي يملكها لتجعله على رأس الحركة النقابية السودانية، صاحبة أعظم ارث في المنطقتين العربية والافريقية ؟
كختام لها المقال ندعو غندور ، الذي كرر الدعوة للحوار كثيرا ، ان يقدم لنا كشف حسابه خلال توليه قيادة اتحاد العمال، وماذا قدم للعمال ؟
siddigelzailaee@gmail.com