عرض و تقديم كتاب: “عصر البطولة في سنار”(1) .. بقلم: د. محمد عبدالله الحسين
24 ديسمبر, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
124 زيارة
الكتاب من تأليف جاي سبولدينق، وتعريب أحمد المعتصم الشيخ. الكتاب صادر عن هيئة الخرطوم للنشر عام2010. عدد صفحات الكتاب حوالي 486 صفحة، من القطع المتوسط. و يتكون الكتاب من ثلاثة أجزاء و يتضمن كل جزء عدد عناوين فرعية.
نبذة عن المؤلف:
المؤلف هو جاي سبولدينق، امريكي الجنسية كان يعمل أستاذا للتاريخ في جامعة كين بولاية نيو جيرسي، وله عدد كبير من المقالات والكتب عن السودان (خاصة الدولة السنارية ووثائقها، و قد انجز اطروحة الدكتوراه عن دولة الفونج بعنوان ملوك الظل و الشمس. وهو يعمل أيضا مستشارا لعدد من الوكالات الحكومية، كما يعمل معلقا في بعض وسائل الاعلام.
أولاً لابد لي من الإشادة بهذا الكتاب، كتاب “عصر البطولة في سنار”، و الذي يعتبر من الكتب القليلة التي تناولت تاريخ الفونج بكثير من الإحاطة و الشمول و العمق، والذي اعتبره من بين الكتب النادرة التي أرهقني التجول بين سطورها بقدر ما أمتعني. وقد استغرقت بالتالي قراءتي له و مراجعتي له عدة مرات وقتلا طويلاً، ليس لكبر المتن ، و لا لدسامة المادة، ولا لتعدد مستويات التناول والتحليل ، و لا لتعدد المصادر، ولا لجِدّة التناول فقط ، بل لكل ما ذكرت، دونما مبالغة. حيث أن كتاب مثل كتاب “عصر البطولة في سنار” ليس من السهل أن تقرأه مرة واحدة، أو أن تقرأه دون أن تستوقفك بعض عباراته، أو اشاراته، أو تلميحاته، أو استنتاجاته المثيرة للجدل، ودون أن تراجع معلوماتك، أو دون أن تُدهَش. فالكتاب بحق عبارة سِفر عتيد، لا غنى عنه لأي دارس، أو قارئ لتاريخ دولة الفونج.
الأفكار الأساسية للكتاب:
لقد احتوى هذا الكاتب على جوانب عديدة ، تستحق الاهتمام و التعليق. إلا أن هناك ميزتان هامتين تميّز بها هذا الكتاب و تستحقان بالتالي الإشارة إليهما. أولاهما حجم المصادر من وثائق، ومخطوطات، وأطروحات، ووثائق ومخطوطات وأطروحات, وكتب، ومقالات و وثائق أرشيفية استقى منها المؤلف معلوماته. فلا غرابة إذاً أن جاء الكتاب زاخراً بالعديد من الآراء، والأفكار، والاستنتاجات التي تستحق التأمل و تستحق االتوقّف عندها.
وثانيهما هو انتهاج الكاتب للمنهج البنيوي ( و الذي رأى الكاتب أنه لا مفر من اتباعها) وذلك لتفسير لعلاقات بين البنى و المؤسسات في الدولة السنارية على الصعيد الداخلي. و ربما كان يشير أيضاً لتأثيرات العلاقات الإقليمية و الدولية على الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية للدولة السنارية. وفي نفس السياق تبنى المؤلف المنهج الاقتصادي لتفسير سقوط الدولة السنارية في نسختها الثانية(أي في عهد حكم الهمج). وهو التفسير الذي رأى فيه الكاتب أن من أهم أسباب سقوط دولة سنار هو تأثّرها بالرأسمالية و الطابع البرجوازي في كافة مظاهر الحياة، وكذلك الأخذ بما اسماه مفاهيم العرب(المبادئ الإسلامية).حيث صبغت تلك العوامل كما رأى سبولدينق أسلوب الحياة في ذلك الوقت، وأضحت من ثم سمة بارزة لنظام الحكم وأسلوب إدارة الدولة، و العلاقة مع الرعية، والذي امتدّ من ثَمَّ ليشمل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية في تلك الفترة من حكم الدولة السنارية. وهو ما رأى فيه سبولدينق بأنه كان العامل الحاسم لتفكك الدولة السنارية وشيوع الاضطراب في أركانها خاصة في فترة حكم الهمج (1762-1821) .
من ناحية أخرى، لم ينظر المؤلف إلى مراحل تطور الدولة السنارية باعتبارها مرحلة واحدة، كما فعل كثير ممن سبقوه. و لكنه نظر إليها باعتبار أن دولة سنّار مرت بظروف ومراحل زمنية مختلفة، مما قد يتيح إمكانية وصف و تحليل ظروف كل مرحلة و التعرف كذلك على سمات كل مرحلة وخط تطورها، والعوامل التي أثرت فيها، و في نهج الحكم و إدارة الدولة، وما إلى ذلك.
عقد المؤلف في مقدمة كتابه مقارنة بين ما اسماه عصر البطولة في سنار (و الذي يقصد به فترة حكم الهمج) وبين عصر البطولة في الجاهلية. حيث وصف شخصيات ذاك العهد بأنها شخصيات(تتسم بالنبل، والقناعات الذاتية الراسخة، والأفعال البطولية الخارقة، ولكن يلفها طابع من التشاؤم، والعدمية يختفي فيه الشعور بالمألوف).
قد يكون هذا الافتتان كما ذكر الكاتب، مردّه مظاهر الشجاعة، والإقدام. و إن كان ذلك قد تم في عصر اتسم بعدم وضوح الرؤية، وبالاضطرابات، وعقد التحالفات، وانفضاضها، والسعي وراء أمجاد شخصية، وإن امتدت تلك الأمجاد فهي لا تشمل و لا تظلل بنعمائها سوى ذوي الشأن من القادة والنبلاء. بالتالي يمكن اعتبار افتتان الكاتب بتلك الشخصيات و بأنه لا تعدو أن تكون في إطار نظرة شاعرية من الكاتب ذات أبعاد رومانسية اضفاها وجود اولئك القادة الذين كان القتال و الموت بالنسبة لهم بمثابة نزهة، بالتالي يمكن اعتبار افتتان المؤلف و إعجابه بأولئك الزمرة بأنها لا تعدو أن تكون محض ملاحظات إعجاب عابرة لا تقلل من الصرامة والأسلوب الجاد للمؤلف، ولا مع تحليلاته الفكرية الحاذقة. و لكن الجانب الذي يهمنا في هذا الوصف هو الإجابة على السؤال النابع من تلك المقارنة بين تلك الشخصيات التي اتسمت بالأعمال البطولية الخارقة والشجاعة والإقدام. فهل كان للعصر و الظروف السياسية في ذلك الوقت دور في خلق شخصيات بمثل تلك المواصفات؟. قد تكون الإجابة على هذا السؤال من جانب الكاتب متضَمَّنة أو مسَتبَطَنة في ثنايا تحليلاته و استنتاجاته.
وفيما يتعلق برؤية العامة للمؤلف، و التي اشرنا إليها اعلاه و التي وردت في مقدمة كتابه، في أنه يتفق مع من اسماهم بأنهم (عدد من المؤرخين ذوي البصيرة)، في أن عصر البطولة الجاهلية كان واحدا من حقب التحولات الاجتماعية والمؤسسية في المجتمع العربي، والذي صاحبته تغيرات تماثل التغيرات التي تصاحب نشوء الدول، وتداعي الامبراطوريات وظهور النقود في التداولات التجارية مما يؤدي للتمايز في السلطة والجاه مشبها ظهور القوى الجديدة، التي جمعت كما هو الحال في المجتمع العربي بين التراث القديم، والقيم الجديدة كما حدث ذلك في أول الاسلام. .
بالتالي فهو يرى أن المقارنة بين الشخصيات التي جاءت كانت في حقيقة الأمر إشارة إلى القيم التي يحملونها و السلوك الذي انتهجوه. و بالتالي فإن التحولات التي تمت، كانت تحمل سمات كل من التراث القديم والقيم الجديدة. وهي التغيرات التي صاحبها دخول النقود كوسيط للتبادل التجاري مُحدثة نوعاً من التمايز من حيث الثروة والجاه، ومن حيث أسلوب الحكم، وإدارة الدولة و الموارد.
ويمكن للناظر للمشهد و الواقع السياسي و الاجتماعي في تلك الفترة أن يلاحظ التناقض البيّن بين فترتي الحكم السناري الأولى و الثانية. حيث اتسمت الفترة الأولى(فترة الفونج)بما يشبه الانغلاق السياسي والاجتماعي على الصعيد الداخلي، و انسداد السُبُل للصعود لأعلى خاصة بالنسبة لعامة الشعب(الرعية). بينما اتسمت الفترة التالية(فترة الهمج) باتساع آفاق المشاركة والانفتاح التجاري والثقافي مع العالم الخارجي.
و هنا أجد نفسي متفقاً إلى حدٍ بعيد مع الكاتب، في استنتاجاته بخصوص تأثير العلاقات المفتوحة مع العالم الخارجي (خاصة في وقت لاحق) والتي تشمل العلاقات التجارية، والتي تضمنت أيضاً التعامل بالنقود كوسيط للتبادل، و الذي أدى لاحقا إلى إحداث تحولات اجتماعية واقتصادية أفضت إلى تغييرات عميقة في اسلوب الحياة، وفي التطلعات، وانماط التفكير، والقيم والسلوك. أو أدت إلى جلبت (الرِّجْل الغريبة، والعين الغريبة)،على حد حسب الوصف الوارد في الكتاب.
من بين الآراء العديدة للكاتب، والتي تلفت النظر هي العبارة والتي بثّها المؤلف ضمن طيات آرائه وتحليلاته، هي بربطه بين عهد البطولة، وبين قيام الثورة المهدية، حيث يقول:( بأن دولة المهدية جاءت كرد فعل لمعضلات، وايجابيات عهد البطولة المجهض في سنار) . كما يؤكد المؤلف نفس المعنى في مكان آخر( و أخيرا كانت تلك الحقبة التي تناولها الكتاب جذابة ومأساوية في آن واحد إذا ما قيست بالمعايير الإنسانية، إذ حفلت برجال أقوياء يشبهون أبطال الجاهلية الذين أداروا الصراع، غالباً في ظروف غير مواتية، لفرض النظام على مجتمع كان في حالة شتات. وفى النتيجة استطاع واحد منهم هو المهدي، ان يحقق حلم أمة عربية جديدة وكبيرة فى السودان ). وهي لعمري من الآراء المبتكرة، إن لم تكن النادرة في هذا الشأن، وإن كانت العبارة تحتاج إلى مزيد من التفسير و التوضيح
من ناحية أخرى فإن الإشارة للجانب المتعلق بتأثير الرأسمالية والبرجوازية في التنظيم الاجتماعي للدولة و إدارة الموارد و كذلك في العلاقة بين السلطة المركز و الأقاليم هو جانب ندر الالتفات إليه عند تناول تاريخ سلطنة سنار واضمحلالها، باعتباره إحدى المؤثرات أو العوامل التي أثرت في نمط الحكم وأسلوب الحياة في الحكم السناري في ذلك الوقت .
فيما يتعلق بالنقطة الأخيرة بالذات فقد اعتمد اسبولدينق بشكل كبير في المنهج الذي اتبناه فيما يخص الوضع الاقتصادي، وممارسات السلطة في دولة سنار إلى مرجعين هامين أولهما هما كتاب باري هايندنس (طرق انتاج ما قبل الرأسمالية)، وكتاب (الاسلام و الرأسمالية) لماكسيم رودنسون. ويقر الكاتب إنه في إطار محاولة معالجة أو فهم أسباب انهيار دولة سنار أنه استفاد من أفكار كل من بول اينزف (العملة البدائية، 1966)، ومقالات كارل بولاني (قاردن سيتي،1968 )، وكاثرين كوكري فيدرفتش (أبحاث في طرق الانتاج الافريقية 1969،)، حيث أخذ من هذه الكتابات أطره المفاهيمية لتفسير اسباب انهيار دولة سنار.
و استنادا على ذلك فهو يرى أن القوى الجديدة التي استولت على الحكم قد جاءت تحت ستار الاسلام كما أنه يدعم رؤية ايمانويل ولرشتاين في تحليله بانضمام سنار إلى ركب النظام العالمي المبني على أسس رأسمالية في نهاية عهد الاقطاع الاوروبي .
بالتالي يرى سبولدينق بأن العوامل التي تحكمت في سنار، وكذلك القوى الجديدة، و المؤسسات التي دمرت سنار، إنما هي عوامل رأسمالية. وهي العوامل التي ظهرت تحت ستار الاسلام كما أشار مكسيم رودنسون و بيتر جران.
mohabd505@gmail.com