عن كوميديا العناوين .. بقلم: د. خالد محمد فرح

Khaldoon90@hotmail.com

بمثلما يُعرَّف الإنسان عادة بأنه حيوانٌ ناطقٌ ، لتميزه بخاصية التواصل عن طريق اللغة ، أو بالأحرى لاعتقاده أنه هو الكائن الحي الوحيد الذي يمتاز بهذه الميزة ، فإنه يُعرَّف أيضاً بأنه حيوانٌ ضاحك ، وذلك نظراً لشيوع هذه الصفة أيضاً في جميع أعراقه وأجناسه المنتشره في شتى بقاع المعمورة.
وعالَمُ الضحك والإضحاك مرتبطٌ بالضرورة بدنيا الفُكاهة والمُلَح والطرائف والسُخرية والمفارقات وهلم جرَّا ، وهي لعمري متلازمات لم يخلُ عنها مجتمع ما من المجتمعات الإنسانية قديماً وحديثاً فيما نظن. هنالك بالتأكيد ، بعض المُحدِّدات والكوابح والسياقات الثقافية الاجتماعية والطبقية والمهنية والعمرية والفئوية والجنسانية ) المتعلقة بالنوع الاجتماعي أو الجندر ( ، التي تُحدِّد وتُكيِّف العلاقة بعالم الطرائف والفكاهة عموماً صناعة وتجاوباً. فعلى سبيل المثال: أنَّ مشهد الشخص الذي يسقط من حمار جامح مثلاً ، أو تزلّ به قدمه فينزلق في الطين فيسقط على الأرض ، قد يثير ضحك الصبية والأطفال وبعض الشباب في مجتمعاتنا ، ولكن الناس الكبار غالباًما ينظرون إلى ذلك بنحو مختلف ، إذ يكون شعورهم التلقائي هو القلق على سلامة الشخص المعني والتعاطف معه ، وقد يسارعون إلى مساعدته على النهوض ، ومواساته والاطمئنان على صحته و سلامته أولا.
ولكن تظل الحقيقة القائمة التي لا مجال لإنكارها البتة ، بأن أية جماعة بشرية ، بالغة ما بلغ أفرادها من الصرامة والجدية والرزانة ، أو حتى التنسُّك والتديُّن ، ومها كان اعتناقها لهذا الدين أو ذاك ، أو انتماؤها إلى هذه النحلة أو تلك ، فلا بد أن المرء واجدٌ فيها قدراً ما ، إلى درجة تقل أو تكثر من عالم المُلح والطرائف.
ففي تراثنا الإسلامي على سبيل المثال ، تفيدنا الروايات المتواترة عن سير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، أن أحد أصحابه عليه السلام ، اسمه ” نُعيمان ” ، قد كان رجلاً مشهوراً بالفكاهة والطُرفة ، وقد حفظت لنا كتب السيرة والأحاديث بعضاً من مواقفه وأقوله الطريفة والمضحكة ، التي عُهدت عنه أمام النبي الكريم نفسه ، فاستطرفها منه هو وأصحابه ، ولم ينكرها عليه.
ومع تسليمنا بأن الفكاهة والمُلح والطرائف أمرٌ شائع لم يخل منه بلد من البلدان ، ولا مجتمع من المجتمعات كما أسلفنا ، إلا أننا نسمع بالفعل أن هذا الشعب الفلاني أو ذاك بالتحديد ، خفيف الروح ومُولعٌ بالنكتة. هكذا يصف السودانيون– على سبيل المثال – إخوانهم وجيرانهم المصريين ، وخصوصاً عندما يقارنون أنفسهم هم بهم ، وعلى نحو أخص في سابق عهدهم ، عندما كان السودانيون يميلون إلى الجد والوقار الذي يقرب من العبوس ، والترفع عن الإفراط في الهزل والضحك ، بحجة أنها تذهب بالمروءة. وكأني بالسودانيين قد تمثلوا قول شاعرتهم الشعبية المُغنية ، إذ تمتدح فارسها النموذجي بقولها:
ندهتَ ليك الغفَّارْ
الاصم يا تارك الهظارْ!!
ثم قولها في مقطع آخر من ذات الأغنية:
ندهت ليك الصُلاَّح
الاصم يا تارك المزاح
هو الليلة من الموت ما بِهِمْ
ولكنَّ كل ذلك أو كثير منه قد راح ومضى مع الزمن ، وصار السودانيون من بعد عموماً ، من أبرع الشعوب في صناعة النكتة وتذوقها كذلك.
لقد نشأ أبناء جيلنا وترعرعوا في صباهم وبواكير شبابهم داخل السودان بحلول أواخر سبعينيات القرن الماضي وأوائل الثمانينيات منه ، مع أوج مشروع الكوميديان الرائد الأستاذ الفاضل سعيد رحمه الله ، وتزامن ذلك خصوصا مع ظهور مسرحياته الكبيرة مثل ” أكل عيش ” وغيرها ، كما شهدوا ظهور وتطور فرقة الأصدقاء المسرحية ، والانطلاقة القوية للفنان علي مهدي مع مسرحية ” هو وهي ” ، كما شهدوا وتابعوا إبداعات سائر الفرق والجماعات المسرحية الكوميدية التي تعاقبت بعد ذلك ، مثل فرقة الأستاذ جمال حسن سعيد ورفاقه ، وفرقة تيراب ، وفرقة الهيلاهوب ، وغيرها من الفرق ، واستمتعوا بأعمالهم الكوميدية الرائعة.
أما على مستوى الدراما الكوميدية في العالم العربي ، فقد ظل جيلنا وفياً ، بل مديناً بالولاء التام وشبه الحصري تقريباً ، لمجموعة )مدرسة المشاغبين ( وعلى رأسها الزعيم عادل إمام ومجايليه: سعيد صالح ، ويونس شلبي ، وأضرابهم مثل: وحيد سيف ، وأحمد بدير ، ونجاح الموجي ، وسيد زيان ، ومحمد صبحي ، ومحمد نجم ، كما عايش جيلنا طرفاً من إبداعات بعض الفنانين الكبار الذين سبقوا هؤلاء في هذا المجال مثل: فؤاد المهندس ، وعبد المنعم مدبولي ، وحسن مصطفى ، ومحمد عوض ، وسمير غانم ، وجورج سيدهم الذي رحل عن دنيانا مؤخرا.
ثم لما دخلت الألفية الثالثة ، شغلتنا الحياة ، وصرفتنا صوارفها الكثيرة عن متابعة الحركة المسرحية برمتها. وكبر أولادنا قليلاً ، فاحتكروا التلفزيون نفسه وركبوا فيه أجهزة البلى ستيشان ، وحرمونا من مشاهدته بالكلية أو كادوا. ومع ذلك ظلوا عبثاً يحاولون لفت أنظارنا إلى نجومهم هم في دنيا الكوميديا الذين لم تتح لنا الفرصة الكافية لمشاهدة أعمالهم مثل: محمد هنيدي ، وهاني رمزي ، ومحمد سعد ” اللمبي ” ، وأحمد حلمي ، وعلاء ولي الدين ، وماجد الكدواني ، وطلعت زكريا ، ويوسف عيد ، على الرغم من أن هذا الأخير لا يُعتبر من فئة الشباب في الواقع من حيث السن ، ولكن ومضاته الإبداعية الحقيقية في مجال الكوميديا قد سطعت معهم خلال العقدين الأخيرين ، مثل الأستاذ حسن حُسنى نوعاً ما.
وأخيراً أفلح أبنائي في نزع غشاء ولائي وتعصبي لتيار مدرسة المشاغبين عن عيني ، ونجحوا بعد إلحاح من جانبهم في إبقائي أمام الشاشة لمشاهدة أعمال لبعض من ذكرت من الفنانين الشباب ، فأدركت بالفعل أنني أمام مواهب فذة وبراعة استثنائية في الامتاع والإضحاك. كنا نجلس جميعنا في الصالون لساعات طويلة قبالة الشاشة الكبيرة الذكية ، وكان الأولاد يفعلون كل شئ وحدهم ، يستخرجون ما طاب لهم من الأفلام من موقع يوتيوب إما مباشرة من الشاشة ، أو في هواتفهم النقالة ويحيلونها عن طريق البلوتوث إلى تلك الشاشة ، وتلك لعمري هي أشياء لا طاقة لي بها ، ولا صبر لي عليها ، وكل ميسر لما خُلق له.
وهكذا شاهدنا معاً بتلك الطريقة ،أفلام: ” عسكر في المعسكر ” و ” تيتة رهيبة ” ، و” أمير البحار ” ، و ” وش إجرام ” و ” فول الصين العظيم ” و ” مبروك أبو العلمين حمودة ” لمحمد هنيدي ، و ” صباحو كدب ” لأحمد آدم ، و” كده رضا ” لأحمد حلمي ، نحواً من ثلاثين مرة) بدون مبالغة (!!لكل واحد منها خلال الأعوام الماضية. وحمدت لأبنائي– على كل حال – أنهم قد ألحقوني بركب هذا التيار الزاخر بالإبداع والإمتاع من الكوميديا العربية المعاصرة ، فطفقتُ أشاركهم متى ما أُتيح لي ذلك ، في تتبع أخبار نجومها وأنشطتهم ومختلف تطورات حياتهم الاجتماعية. فقد حزنت غاية الحزن مثلاً ، لسماعي نبأ رحيل الفنان ” يوسف عيد ” قبل بضعة أعوام ، هذا الفنان الكوميديان الاستثنائي ، الذي كان ينطوي على طاقة ابداعية هائلة في مجال الكوميديا ، لم يخرج منها إلى الناس إلا القليل منها في تقديري الخاص.
على أنني لاحظت أن هنالك ظاهرة عامة انتظمت العديد من الأعمال السينمائية الكوميدية المصرية ، التي ظهرت خلال العقدين الماضيين ، ألا وهي استخدام التورية أو النكتة التي تعتمد على اللعب بالألفاظ في عناوين الكثير من الأفلام. فكان من بعض العناوين التي رصدتها في هذا المجال على سبيل المثال فقط ، الأفلام التالية:
– ” الناظر صلاح الدين ” لعلاء ولي الدين وحسن حسني ، ففي هذا العنوان إحالة إلى عنوان فيلم شهير للمخرج يوسف شاهين ” الناصر صلاح الدين ” ظهر في خمسينيات القرن الماضي.
– ” فول الصين العظيم ” لمحمد هنيدي من ” سور الصين العظيم “.
– ” غش الزوجية ” بطولة رامز جلال ودنيا سمير غانم ، من ” عش الزوجية “.
– ” سامي أكسيد الكربون ” لهاني رمزي ، من ” ثاني أكسيد الكربون ” الغاز المعروف.
– ” لخمة راس ” بطولة أشرف عبد الباقي وأحمد رزق ، من قولهم: ” لحمة راس “.
– ” كلبي دليلي ” بطولة سامح حسين ومي كسَّاب ، من عبارة: ” قلبي دليلي ”
– ” ظرف طارق ” لأحمد حلمي ، من قولهم: ” ظرف طارئ ” وهذا هو بحسب مقتضيات اللهجة المصرية القاهرية التي تنطق القاف همزة.
– ” سطو مثلث ” بطولة أحمد السعدني وسعيد طرابيك ، من عبارة: ” سطو مسلح “.

ومهما يكن من شئ ، فإن الإفراط في هذا النهج من عنونة الأعمال الكوميدية المختلفة من أفلام ومسرحيات بهذا الأسلوب ، يمثل في نظرنا دليل ضعف وسلبية ، إذ أنه يشي بنوع من الرغبة في تملُّق المشاهد ، وإغرائه ، بل وزغزغته ” كلكلته ” مسبقاً لإضحاكه على العنوان ، قبل أن يشاهد العمل المعني ، لكي يرى ويسمع هل فيه ما يُضحك حقيقةً أم لا.
وختاماً بهذه المناسبة ، يعجبني اتكاء مؤلفي الدراما السودانية أحياناً ، على التراث الثقافي السوداني سواء كان ريفياً أو حضريا ، في عنونة بعض الأعمال المسرحية ، خصوصاً لجهة ما تنطوي عليه من طرافة وكثافة تعبيرية. وفي الذاكرة من هذا النوع من العناوين المثيرة والجاذبة مسرحية: ” موت الضان ” ، ومسرحية ” بيت بت المِنى بت مساعد ” من الفئة الريفية ، ومسرحية ” ستة / صفر ” للفنان عوض شكسبير التي تحيل إلى عالم كرة القدم من الفئة الحضرية ، وذلك على سبيل المثال فقط.
فموت الضان ، هو كناية عن الموت الجماعي الذريع الذي لا هوادة فيه ، وهو ما يحدث للضأن عندما تجتاحه جائحة أو يتفشى فيه مرض ما ، أو يهاجمه سرب من الذئاب ، بسبب جُبن الخراف والنعاج وغبائها ، وخصوصاً من جراء بقائها متجمِّعة ومتلاصقة ، وعدم التزامها بمقتضيات التباعد الاجتماعي التي يكثر الحديث عنها هذه الأيام ، وذلك بعكس الماعز الذكية وحسنة التصرف ، وذات الميل الغريزي نحو استقلال الشخصية ، والسلوك الفرداني ، مما يمكنها من التكيُّف مع أية بيئة ، والنجاة و ” المخارجة ” عندما يقتضي الأمر ذلك. وبالطبع فإن العنوان ستة / صفر الذي يحيل الى عالم مباريات كرة القدم ، يعبر عن هزيمة منكرة وخسارة فادحة يعرفها المشتغلون بهذا المجال ، ولذلك فنحن نتوقع أن تكون تلك المسرحية التي حملت هذا العنوان ، مجسدة فعلاً لهذا المعنى الذي هدف إليه مؤلفها بالضبط.

عن د. خالد محمد فرح

د. خالد محمد فرح

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً