حسين خوجلي وفحيح القلم “المستجد” .. بقلم: د. محمد عبد الحميد
22 أبريل, 2020
محمد عبد الحميد, منبر الرأي
39 زيارة
دبج الأستاذ حسين خوجلي مقال أو بشكل أدق رسالة مفخخة قال إنها حصرا على (الأنصار والرفاق)
وهي في واقع الحال رسالة لكل مهتم ومتابع للشأن السياسي السوداني، كيما يعيد ويستبصر مآلات صراع الإسلاميين مع الشيوعيين. وهو صراع يستمد فيه كل واحد منهما مقومات ومبررات بقائه من الآخر. كما أنه صراع أبطلت مفاعيله الضاربة في العبث السياسي ثورة ديسمبر المجيدة.
فالثورة أبطلت الرؤيا الكلية التي انطلق منها الأستاذ حسين خوجلي لعملية الصراع نفسه. فإذا ما أمعن خوجلي النظر بتأمل متفكر في أدوات الصراع السياسي، سيجدها قد حرقت لحسن الحظ في شعارات ثورة ديسمبر. غير أن النظر المستبصر يستلزم إزالة الغشاوة في بادئ الأمر عما تصوره المخيلة أن الصراع السياسي في السودان هو رهين وبشكل حصري بين اليمين ممثلا في الإسلاميين واليسار ممثلا في الشيوعيين وهذا داء رؤيوي عضال لما يَبْل منه خوجلي وكثير من كلاسيكيي المسرح السياسي في اليمين واليسار. .
إن الجماهير التي خرجت في ثورة ديسمبر ثارت لتؤكد الحقيقة الماثلة الآن أن هذا الصراع قد انتهى بكل جراحاته ونزيفه ونزقه. وبكل خسائره في استنزاف المقدرات الوطنية وأولها (الوقت) كمورد أساسي في التنمية. حيث لم يعد هنالك فائض منه ليذهب لذلك الصراع الغشيم. إن ما أحدثته الثورة هو اصطفاف جديد ينشد الحرية والسلام والعدالة، برزت فيه قوى جديدة قوامها شباب الثورة بنفس الدرجة التي قوامها شباب الأحزاب الكبرى والمعنيين تحديداً هنا شباب حزبي الأمة والتجمع الاتحادي.
تُوحي رسالة خوجلي من طرفٍ خفي حسرته المريرة على مصرع الإمام الهادي على “يد الرفاق”. في حين أن كل متابع لمجريات الصراع السياسي يمكن أن يدرك أن تباكي خوجلي وسائر الإسلاميين على مصير الإمام، إنما هو من قبيل المزايدة على الرفاق لا أكثر ولا أقل. فإن كان خوجلي غير منكر لمناقب الإمام ومولع بمجاهداته ومجاهدات طائفته في سبيل القيم الدينية، فلماذا لم ينضم لطائفة الأنصار خاصة وأنه يتفاخر بلهوجة بانتمائه لأسرة تدين بولائها لهذه الطائفة حتى أنه حفظ أشعار أهله في رثاء الإمام كما أورد ذلك في رسالته. و لَمَا ولج مجندا في سلك تنظيم الإخوان المسلمين مع ان “كسب الأنصار الديني” في السودان أكبر وأجل من كسب الإخوان… غير أن شيئا ما في التركيب النفسي والوجداني دفع بخوجلي لتفضيل الإخوان على الأنصار … وهي ذات الدوافع النفسية التي جعلته يكتب تلك المناحة السياسية المنبثقة من تجليات ذلك الصراع اللئيم القديم.
لا تعدو أن تكون رسالة خوجلي تحريضا بتحريك مكامن الغبن التاريخي لدى الأنصار ضد الرفاق. وليت كان ذلك موقفا مبدئيا من القتل وارتكاب المجازر في حق أياً من كان. فإن كان لخوجلي موقف مبدئي من القتل والتنكيل، لشهد الناس له موقفا شاجبا لكل مظالم نظام الإنقاذ الذي والاه وتقوى به، ونافح عنه مدافعة صارخة على رؤوس الأشهاد. عموما ومهما يكن من أمر، إن كان للرفاق حقد تاريخي أو طبقي على الأنصار كما يوحي بذلك خوجلي في رسالته، فإن الإخوان لم يكونوا أحباب الأنصار الخلصاء. ولا غرو في انهم قد رأوا فيما فعله النميري بهم كسرا (لشوكتهم). كما اورد د.عبد الله على ابراهيم في مقال متحدي بعنوان(لو قلت لك الترابي قال في ضربة 1970 ما قاله استاذنا عبد الخالق بالحرف بتودي وشك وين). المقال منشور بصحيفة سودانيل بتاريخ 28 مارس 2020م. ما حكاه عن الترابي بعد دخوله نظام مايو 1977 فيما عرف بالمصالحة الوطنية إذ أورد د. عبد الله إبراهيم على لسان الترابي (ومهما يكن من سياسات اتخذتها مايو إزاء طائفة الأنصار فقد كسرت اليوم شوكتها .. نقلا عن الأيام 23 ديسمبر 1977). والواضح أن ما قاله الترابي ليس استنكارا لما حاق بالأنصار من تقتيل، ولا هو تنديد بما فعله الرفاق بإراقة الدماء الذكية التي تباكي عليها خوجلي. وإنما هي في المجمل كلمات لا يُستغرب قولها من سياسي قادر على أن يرتب أوراقه السياسية بدهاء، بغض النظر عن فداحة الجرم الذي استتبع كسر تلك “الشوكة” . لذلك فإن رسالة خوجلي بمشاهدها الدرامية الاحد عشر الدامية يجب أن تقرأ في سياق محاولة استغلال مرارات تاريخية وذاكرة معطونة في الدماء لإراقة المزيد من الدماء. كما أنها يجب أن تقرأ من خلال عقلية الغفوة التي لا تود أن تحسن قراءة المشهد السياسي الكلي الراهن في أعقاب الثورة. فالشاهد أن الوعي الذي أحدثته الثورة لم يتجاوز أطر ذلك الصراع السخيف بين الإخوان المسلمين والرفاق فقط، وإنما تجاوز حتى منطق استثارة العواطف الجريحة. فالمتابع لمجريات تجلي الوعي الثوري بإمكانه الإدراك بأن شباب حزب الأمة قد تجاوزوا حتى قيادتهم السياسية التي تلجلجت في دعم الثورة عند اندلاعها. ولم يكن لها إلا أن تمضي في دعم الثورة لنهاية الشوط، فقد كان ذلك خيار لا رجعة فيه ولا مراجعة ، ولم يكن للقيادة إلا أن تواصل في ذات الخط ملتحقة بالشباب الثوري داخل الحزب. وهذا أمر لم يتمكن خوجلي من النظر إليه ولا هو مستعد لذلك. كما أنه غير مستعد لتقبل رؤية أحد كوادر حزب الأمة وهو يقف بشموخ ثوري على المنبر ليعلن تصفية تركت نظام الإنقاذ دون أن يقول مستنكرا في مشهده الأخير من رسالته بقوله ( سبحان الله!! هاهو الزمان يستدير كاملا كهيئته الأولى. ذات الواجهة القديمة، وذات الوجوه ، وذات التحالفات الشيوعيون والقوميون العرب والبعثيون، كل الذي استجد أنهم أضافوا عبد الله بن سبأ الجمهوري مفتياً. بل هو ذات التحريض وذات الكراهية للقيم والرجال ، وذات الاستبداد والسيطرة والإقصاء. فقط إنهم يبحثون خفافاً عن أبا جديدة وإمام قتيل بيد أن 19 يوليو الجديدة تنتظر وأبواب المخابرات مواربة وما أشبه الليلة بالبارحة).
في التقدير العام لا أحد ينكر أن للأنصار مرارات مع الرفاق، كما لا أحد ينكر أن هنالك تناقض تاريخي بينهم وبين بقية مكونات الثورة. ذلك أن قوى الثورة في حقيقة الأمر ليست على قلب رجل واحد من حيث الرؤى الفكرية والتوجهات. وأن التكتل الحالي المتمثل في قوى الحرية والتغيير لم يأت ليميل الكفة لصالح أي من طرفي ذلك الصراع المقيت بين الإخوان و الشيوعيين. فالصراع الآن عنوانه العريض هو استعادة الديمقراطية والحقوق الأساسية وتصفية نظام الإنقاذ من خلال تجريده من كل ما اكتسبه عبر سياسة التمكين التي وضع بها يده على مقدرات البلاد. بغض النظر عن مستوى الخلاف بين مكونات الثورة، لذلك فإن محاولة خوجلي دق أسفين بين هذه القوى لا يعدو أن يكون مناحة من قلم مصاب بفيروس قديم مستجد.
د. محمد عبد الحميد