السبيل إلى تعليم يواكب العصر .. بقلم: محمد حمد مفرّح
1 نوفمبر, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
38 زيارة
من البديهيات التي لا يرقى إليها الشك أن التعليم يمثل أساس نهضة الشعوب و مفتاح التطور الحضاري المادي و المعنوي الذي يمهد لها الطريق لولوج عالم الطفرة الحضارية المادية و الترقي القيمي. فبالتعليم أو العلم يتسنى للدولة مواكبة العصر و اللحاق بركب الحضارة المادية التي بلغت فيها بعض البلدان شأواً عظيماً و حققت الرفاه لشعوبها، كما أرتقت العديد من البلدان قيمياً، عبر التعليم، و حققت حضارة إنسانية قوامها القيم الانسانية الرفيعة مثل الأمانة و الصدق و إحترام الوقت و الوفاء و غيرها من قيم نبيلة و سامية. و لا شك في أن الحضارة المادية و الحضارة المعنوية أو القيمية تمثل رسالة التعليم السامية التي تتبناها الكثير من الدول، و هي تخطط للتعليم من أجل نهضة شعوبها و تطورها. و من المعروف أن أمريكا إستعانت، في بداية نشأتها، بعلماء التربية و علماء الاجتماع لرسم خارطة طريق لها تعينها على إبتداع توليفة لمجتمعها المتعدد الأعراق و الإثنيات حتى يصبح مجتمعا متناغماً يدين بالولاء لأمريكا فحسب. كما هدفت خارطة الطريق تلك لتمهيد سبيل التطور و الرقى لهذا البلد بغية تحقيقه كل ما يصبو إليه من تقدم. و قد كانت المحصلة ريادة أمريكا حضارياً، و بالذات في مضمار الحضارة المادية، و تسنمها ذروة هذه الحضارة مع تسيدها الساحة الدولية بلا منازع.
و ينطبق هذا الواقع على الكثير من الدول و بالذات دول العالم الأول و الثاني التي خططت، عبر التعليم، لنهضتها فحققت طفرات حضارية فوق العادة و قطعت أشواطاً جد مقدرة في مشوارها الحضاري. و قد تمثلت محصلة هذه الجهود في التحول الكبير الذي شهدته هذه الدول و الذي إنتظم كل مجالات الحياة فيها و إنعكس رفاهاً على شعوبها بصورة غير مسبوقة. ليس هذا فحسب بل ظلت هذه الدول تواصل مشوارها الحضاري و تتنافس بصورة مضطردة في حقل التطور، الأمر الذي غدت معه الساحة الدولية تشهد تصاعداً مستمراً في التطور في شتي المجالات.
و إذا وضعنا واقعنا التعليمي بالسودان تحت المجهر و حاولنا تقييمه آخذين في الإعتبار رسالة التعليم آنفة التوصيف فسنجده، دون مبالغة، صادماً و مؤسياً. و بعيداً عن الخوض التفصيلي في مسببات هذا الأمر يمكنني التأكيد على أن العامل السياسي يمثل رأس الرمح بل العامل الحاسم crucial factorفي الصيرورة الماثلة للتعليم. ذلك أن الأزمة السياسية السودانية، بكل منعرجاتها و ظلالها السالبة، و التي أقعدت السودان و حالت دون انطلاقته النهصوية، تمثل أس تخلف التعليم ببلادنا. و أود الإشارة، هنا، الى أنه سبق و أن نُشرت لي، بصحيفة الخرطوم، قبل سنوات خلت، أربعة حلقات عن واقع التعليم بالسودان. و قد تمحورت تلك الحلقات في أيلولة التعليم الى التدهور المريع على العديد من الصعد بعد أن كان وضعه السابق أفضل من راهنه المشار اليه. و قد عددت مسببات هذا التدهور و التي يأتي على رأسها عدم تخصيص الدولة ميزانية للتعليم تتناسب و متطلباته الحيوية التي ترتبط إرتباطاً عضوياً بالنهضة الشاملة. و قد أشرت، بصورة عامة، في معرض تشريحي لأزمة التعليم، إلى أن هذا الوضع قاد بدوره إلى تدني شروط خدمة المعلم مما جعل مهنة التدريس مهنة طاردة. كما أدى الى تدهور البيئة المدرسية بشكل غير مسبوق و بالتالي إنعكس ذلك سلباً على المستوىات الدراسية للطلاب فغدت تتدهور بوتيرة متصاعدة شكلت مساراً سالباً طبع واقع التعليم ببلادنا.
و قد إستمر هذا التدهور عاماً بعد عام، ملقياً بظلاله على العديد من المناحي حتى برزت آثاره السالبة بصورة جلية.
و من المعلوم أن مخرجات التعليم Education Outputs تمثل المعادل الموضوعي للتنمية الشاملة و من ثم النهضة بمفهومها العام. و بذا فهو يعد أساس النهضة باعتبار أن مخرجاته يعول عليها في إحداث هذه النهضة و الترقي فيها، كما هو الحال في عصرنا الحالي.
و بما أن التعليم يمثل سلسلة مترابطة الحلقات فإن التعليم العالي ببلادنا قد تأثر، هو الآخر، بحال التعليم العام فشهدت الجامعات و المعاهد العليا تدهوراً مريعاً على مستوى البنية التحتيةInfrastructure و البنية الفوقية Superstructure ما أدى إلى تدهور مستويات الطلاب بمؤسسات التعليم العالي بشكل يدق ناقوس الخطر. و قد إنحسر البحث العلمي بهذه الجامعات بشكل كبير، بسبب تدني ميزانية التعليم آنفة الذكر، و بالتالي فقد تراجع دور البحث العلمي في رفد مؤسسات الدولة بكل ما من شأنه الإسهام في تحقيقها لأهدافها و تطويرها.
الجدير بالإشارة أن كثرة الجامعات و إضمحلال الإهتمام بالكيف أو جودة التعليم وكذا نوعية التعليم فيها فضلاً عن دخول الجامعات و الكليات الخاصة المجال التجاري من أوسع الأبواب ضاعف من تدني مستويات التعليم و تسبب في عدم التعويل على مخرجاته.
غني عن القول أن التراجع الكبير الذي ظلت الجامعات السودانية تشهده في الترتيب العالمي لمستوى الجامعات يمثل دليلاً ساطعاً على إنقلاب واقع التعليم ببلادنا رأساً على عقب.
صفوة القول أن التعليم بالسودان يحتاج الى ثورة إصلاحية عاجلة تبدأ بإصلاح سياسي شامل و هادف، إذا ما أريد له أن ينهض من كبوته الراهنة و يسهم بحق و حقيقة في الأخذ بيد البلاد و نهضتها.
mohammedhamad9680@gmail.com
//////////////////////