كنا نلجأ للريف عند الأزمات فصار الريف اكبر ازماتنا !.. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي


 

 

جاءت سيدة الريف يسبقها الحياء إلي المدينة علي ظهر حمار أو ( راجلة) تحمل بضاعتها من الحليب ، الروب ، السمن , البيض ، المكانس ( المقاشيش ) المصنعة بإتقان وربما طواقي . مناديل وشالات .
العقد المبرم بينهما وبين المدينة أن تبيع إنتاجها وتتحصل علي دريهيماتها وتشتري مايلزمها من سكر، شاي وبن وخلافه مما يتوفر في حوانيت المدينة ومن ثم الانطلاق في رحلة العودة للريف الحبيب .
كان أهل المدينة يذهبون للريف في عطلاتهم وأوقات فراغهم للترويح عن النفس وتجديد الدماء ومواصلة الارحام ويعودون وهم أكثر حيوية ونشاط للتصدي لصخب المدينة وقلة الراحة المكتوب علي جبينها .
ودار الزمان دورته والحال تبدل وأهل الريف صاروا يأتون للمدينة زرافات ووحدانا ولا يرجعون الي قواعدهم سالمين أو غانمين ويتخذوا من الأطراف سكنا عشوائيا ليس به من أسباب الحياة غير المعاناة والسخط والزحف الي وسط المدينة لمزاولة اي عمل والسلام وغالبا يكون هامشيا يمارس في الشارع العريض يزيد المدينة تلبكا وعسر هضم والمدينة تحس بالغثيان وتستفرغ ما في جوفها الخاوي والمستشفيات الحكومية ناءت بحمولتها من طالبي العلاج ولكن الحيلة قليلة والمستشفيات الخاصة ممنوع الاقتراب منها أو التصوير الا لاصحاب االبطون البيضاء والعيون الخضراء والشيكات الطائرة .
بنت الريف رقيقة الحال الغنية بالقناعة المتدثرة بالخفر وجمال الروح تناولك كمية كبيرة من البيض في إناء وسيع تفرغه لك من غير نقصان وفي المقابل تنال دراهم معدودة تصرها في ثوبها حامدة شاكرة لتنطلق الي اسرابها من الدجاج الذي يشاركها السكن ونتبادل معه اسمي ايات المحبة والاحترام .
وأهلنا الطيبون تركوا الجروف واللوبيا وتربية الجداد وحلب الماعز وطحن العيش بالمرحاكة وجاءوا الي المدينة التي ابتلعتهم كالفك المفترس من غير رحمة وصاروا يقضون سحابة يومهم في صفوف الخبز وعز الوقود وشح الماء وتعبت الأرجل من المساسقة في المدينة المكتظة بالعربات ولا توجد بها مواصلات .
ومدت لكم يااهل الريف الطيبين الشركات الكبيرة خاصة الغذائية لسانها الطويل اللئيم وباعتكم البيضة الواحدة بخمسين جنيها والدقيق صار بالجرام بعد أن كان بالوقة والكيلو وسعره علي مدار اليوم والليلة يسابق اعتي البورصات وحدث ولا حرج عن منتجات الألبان بهذه الشركات الطفيلية الاخطبوطية التي جعلت من الأجبان سلعة فوق طاقة المواطن المسحوق والزبادي عند هؤلاء القتلة بدم بارد يزيد سعره وتخفض كميته مرات ومرات في أزمان قياسية تكاد العقول من هولها أن تنفلت من عقالها
نعرف أن أباطرة هذه الشركات معظمهم له ارتباط بالعهد البائد وكانوا يمولونه ويدعمونه بالمال الوفير وهو يبادلهم حبا بحب ويرد لهم التحية باحسن منها فينالون من الإعفاءات الضريبية الشيء الكثير ويقض الطرف عن تجاوزاتهم وتلاعبهم بالاسعار وتطفيفهم للكيل واستيرادهم للبصات المعطوبة .
ولا غرابة أن يجعل أباطرة السوق والمال والأعمال من أنفسهم كائنات تختلف عن المواطنين العاديين الذين يجوز أن يساموا الخسف ويعصرون حتي ينزفون . لما لا وقد حولوا كثير من مالية بلدنا المسكين الي ماليزيا ، دبي وتركيا وهنالك اشتروا الفنادق والفلل والقصور التي لا ينقصها حتي ملاعب الجولف .
ياحليل كسلا الوريفة الشاربة من الطيبة ديما كان كيلو الموز بها بثلاثة قروش ويرحل للخرطوم ليباع بسبعة قروش واليوم الموز في أرض الإنتاج وارض الاستهلاك كلو سعره واحد كاد أن يصل الي ال ٤٠٠ جنيه للكيلو . وكان الموز قد دخل حلبة ملاكمة المواطن والقصد أن توجه له الضربة القاضية في فاكهة شعبية محببة كانت زهيدة الثمن لناس الطبقة الوسطى التي تبخرت مع المرحلة الوسطي وصار بالسودان نظام طبقي أما تحت أو فوق ونعزي الكاتب العبقري نجيب محفوظ الذي طالما احب وكتب عن الموظف الباشكاتب صاحب الصولة والجولة الذي يعود من عمله بالدوائر الحكومية في الأمسيات متابطا أوقة موز وصحيفة يومية هذا الباشكاتب الذي يسير العمل بدقة بق بن وبهمة ونشاط ووطنية واخلاق وورع كانت طبقته هي الوسطي وكان مرتبه يكفيه ويفيض علي ذوي الأرحام واليوم الوظيفة مهما كانت يستحق صاحبها الزكاة كما صرح بذلك العلامة الشيخ عبد الحميد كشك ( يرحمه الله تعالي).
لم أري في حياتي شعبا له نصيب الأسد في التعاسة التي يتجرعها غير شعبنا الطيب القلب الحسن المعشر ينوء صدره بهموم كالجبال الراسيات ومازال بلعب الضمنة ويدخن الشيشة ويجلس الساعات الطوال أمام ستات الشاي بتجادلون في المواضيع الفارغة وبتعاطون من السياسة اسجمها ولا يعرفون أن البلد ليس بها وزير تربية لقرابة ثلاثة أشهر وان مدارسنا صارت من غير مكتبات لأن الأولية للامتحانات والتفاخر يوم إعلان نتيجة الشهادة لنجعل من الأول في الشهادة عبقري زمانه والمدرسة التي انجبته سيرتفع سهمها في بورصة الكذب والنفاق والدجل والشعوذة والتلفزيون القومي وكالعادة ينشط في سوق عكاظ هذا ويسخر وقته الضائع الفارغ في مقابلات هايفة مع الأسر حتي نصدق أن عندنا نبوغ وأننا بصدد اكتشاف لقاح جديد للكرونا .
أيها المواطن ارعي بي قيدك وناس المحاصصات والترضيات لا هم لهم إلا أنفسهم وانت لو رجيت منهم شيء لا محالة ستحصد التراب والندم وهذا انذار اخير لك أن تحمل طوريتك وعديل علي الحقول وما ترجي ناس برة والجيران يساعدوك كلهم بقوا خونة وعبيد لإسرائيل التي تقتحم المسجد الأقصى المبارك والعالم بشجب ويدين والجامعة العربية أمينها نفسه مصهين والتطبيع رغم ذلك يسير بخطى حثيثة وجماعة التطبيع السوداني ينتظرون من الصهاينة أن يطوروا لهم الزراعة ويمدونهم بأحدث انواع التكنولوجيا ولا يدري المساكين بأن أهل حي الشيخ جراح يشكون مر الشكوي وإسرائيل كل يوم ترسل لهم المجرمين من المستوطنين ليسلبوهم أراضيهم ويرمونهم خارج الحدود .
اين شراسة حماس بل اين كل هذه المنظمات الجهادية التي تتمخطر في الفضائيات وكأنها جابت الديب من ديلو .
تركيا تشجب وتتاجر مع الكيان الإسرائيلي ولا تخرج عن طوع الناتو وتعود لمصر لأنها فقدت الكثير بمغامراتها الفاشلة .
العالم يتفرج علي مأساة القدس واصلا هذا العالم قلبه مع الأقوياء أما الضعفاء والفقراء والمحتاجين أصحاب القضية فليس عنده وقت للانشغال بهم ويتركونهم لإسرائيل وتركيا وقطر والسعودية والإمارات والبحرين وعمان ليجهزوا عليهم تماماً حتي لا تقوم لهم قائمة .

حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
معلم مخضرم فقد ظله وقضيته .
ghamedalneil@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً