محمد هارون عمر
د. محمد المصطفى موسى طبيبٌ، ومؤرخ، وقاص، وروائي، وكاتب رأي مقيم بالمملكة المتحدة. أرسل إليّ رقميًا ثم ورقيًا، أحدث إصداراته: رواية موسومة بـ «48».
طلب مني استلام النسخة من الناقد والمخرج الأستاذ السر السيد، فظللت أرنو وأصبو وأتوق ليوم استلام هذه الهدية؛ تلك التي عبرت القارات والبحار والجبال لتصل إلى مدارج أمدرمان الأنيقة، مسقط رأس المبدع.
قبل أيام عدة، اتصل بي الأستاذ السر السيد وطلب مني الحضور إلى فندق السلام روتانا بالخرطوم لاستلام الأمانة. وللأمانة، فإن د. محمد ساحرٌ ماهر في كتاباته السردية، خلابٌ في قدرته على جذب الأحاسيس والمشاعر. قابلت الأستاذ السر، واستلمت الهدية اللندنية—ويا لها من هدية!
الناشر: دار زراف للنشر، المملكة المتحدة، يناير 2026م. أمّا الإهداء، فهو لروح الروائي والناقد والقاص والصحفي الراحل صديق الحلو. يبلغ عدد صفحات الرواية 315 صفحة من الحجم المتوسط. ومن حيث الشكل والتصميم—الغلاف، الورق المصقول، والبنط—فهي لوحة زاهية، رائعة، وساحرة.
طفقت، على عجل، أستقصي وأستقرئ ما خطّه بنان د. محمد المصطفى. عنوان الرواية غريب وفريد؛ إذ يأتي في هيئة الرقم «48». ومحمد المصطفى مؤرخٌ غاص في سراديب التاريخ ولُجَجه، سبر غوره، وعجم عوده، وغمس نفسه في خِضمه اللُّجّي؛ فلا غرو أن يوظف الخيال والثقافة التاريخية سرديًا.
هذه رواية تاريخية تحكي عن أم درمان في نهايات عهد الاستعمار، تُسرد بأسلوب أدبي شيق، بقوة حكي ساحرة وسرد مدهش، بلغة شاعرية. وقد وظّف البلاغة توظيفًا لافتًا، من استعارة ومجاز مرسل وكناية وتشبيهات ومحسنات بديعية، بمهارة لغوية وإحساس شاعر فريد، دون تنطع أو تقعر، وبألفاظ منتقاة بعناية لا تتوافر إلا عند كبار الكتاب.
وقفت أتأمل شخصيات الرواية—المدوّرة والمسطّحة—مثل همفري الإداري البريطاني، وعائلة أولاد منصور أصحاب البيت التجاري الطموح، وماتريد العربيدة، وديمتريوس التاجر اليوناني بسوق أم درمان، وهو انتهازي مثير للجدل، وسيد الرجال الذي يعمل حمّالًا بسوق حي العرب، إضافة إلى الناشف، وأب لاطومة، والدقوني.
استبطن المبدع شخصياته، فصوّرها بحرفية ودراية، وأحاط بميولها واتجاهاتها وثقافتها ومكنونها النفسي والسلوكي والأخلاقي، موظفًا إياها بذكاء روائي لتؤدي أدوارها في نسيج النص.
الرواية تمتح من الماضي وتزخر بالصراع، لذا فهي من روايات المعرفة. وقد استفاد الروائي من معرفته العميقة بمجتمع أم درمان زمان، ذلك المجتمع الذي ترعرع فيه. تنمو الأحداث بواقعية ورومانسية، ويشكّل سوق أم درمان فضاءً مركزيًا—رتيبًا، رهيبًا، وعجيبًا—كمسرح معدّ بعناية للصراع الطبقي وتضارب المصالح.
ويمثل المفتش همفري رمزًا للاستبداد والاستغلال، إذ يدير الأمور وفق المصلحة الإيديولوجية الاستعمارية. ومثل هذه النصوص العميقة، التي يكتبها مفكرون من طراز محمد المصطفى، ذات قيمة ثقافية ووطنية كبيرة، وتشكل جرعة معرفية منعشة للنشء، كما تفيد في مجالي علم الاجتماع التاريخي والتاريخ الاجتماعي.
ومن خلال قراءة أولية لعدد من الفصول، وجدتني أمام نص دسم، شهي، وثمين، كتبه مفكر ومنظّر حجة في التاريخ، أقام جسورًا وجدانية بين شخصيات مأزومة وأخرى ناهضة، في نسيج سردي محكم يشبه—كما قال Roland Barthes—هندسة العنكبوت.
تجسّد الرواية قوانين الربح والخسارة، والخبث والفجور في الخصومة، وهي علل تلازم مجتمعات الأسواق الانتهازية والنرجسية. كما تكشف عن وعي عميق بقوانين العرض والطلب والمنافسة، والدس والتدليس والتطفيف.
وترسم علاقات رأسية وأفقية بين التجار الخواجات، بما فيها من مكر ونهم للمال، وفجور في الخصومة؛ حتى يبدو رجال السوق كأنهم سمك يأكل بعضه بعضًا، في تجسيد لقانون الغاب والقسمة الضيزى.
وقد تجسدت شاعرية اللغة في الرواية بصورة لافتة، بلغة مكثفة إنزياحية. ففي صفحة 32، نجد بوحًا شفيفًا ورقيقًا لا يقل جمالًا عن لوحة وصف الطاووس للإمام علي بن أبي طالب:
” لوحة المغيب المتسربلة بالشفق، والشمس التي كان قرصها يستدير تأهبًا للانزواء، ومن خلفها أشرأبت طلائع الظلام، وهي تتطلع للهبوط الآمن بأطراف حي العرب.”
ومن خلال هذه الصفحات المفعمة بفيض من الصدق العاطفي والفني، تؤكد «48» أنها نص عالمي جدير بالترجمة إلى عدة لغات. لقد خطا د. محمد المصطفى خطوة كبيرة نحو النجومية والعالمية، وأسهم بهذا العمل في الارتقاء بالرواية السودانية إلى مصاف العالمية.
وهو، بهذا الجهد، يكمل رسالة الطيب صالح ، وينطلق من مسرح المملكة المتحدة ليقتفي أثره بإسهام سردي رفيع القيمة.
الآن حصحص الحق، ويمكن القول إن الرواية السودانية قد أزهرت، وأثمرت، وأينعت—وحان قطافها .
zamanaldonia@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم