١. ضو البيت: المنقذ الذي لم ينتظره أحد
:: عتبة العُنوّان والإهداء:
العنوان الرّئيس لهذه الرّواية بجزئيها هو (بندرشاه) وقد ورد في معجم المعاني، أن الكلمة: بندرشاه؛ تعود لأصل فارسي هو (شاه بندر)، إذ أن كلمة (شاه): تعني (رئيس) أو (زعيم) أو (حاكم)، وتفيد كلمة (بندر) اسماً مذكراً يكثر استخدامه في إمارات الخليج، ويعني (الميناء)، أو (مرسى السفن). و(البندر) في هذا السياق هو المدينة الساحلية، لكنه يطلق أيضاً على البلد الكبير.
وقد عمد الطيب صالح هنا، على تقديم الجزء الثاني وتأخير الأول فبدلاً عن (شاهبندر) أصبحت العبارّة اسماً مركباً واحداً (بندر شاه)، لكنها تنطوي على المعنى نفسه. أي رئيس أو زعيم البلدة..
أما هذا الجزء الأول من ثنائية بندر شاه، فقد وسمه الطيب صالح باسم (ضو البيت) بمعنى نور البيت وإشراقه، وهو والد بندر شاه، الذي استمد منه نور الزّعامه واشراق النفوذ.
ولعل عائلية الحكاية المركزية، هو ما دفع بالطيب صالح في عتبة الإهداء، بإهدائها إلى أمه وأباه وشقيقته وشقيقه، ما يحيل إلى خصوصية النّص (بندر شاه).
وبذلك يُرجع الطيب صالح؛ على مستوى المقولة المركزية للنص، الصراع (العام) إلى وحدة بنائه الأساسية (الأسرّة). ولذلك يضئ العنوان بدرج، بكونه أحدوثة عن كون الأب ضحية للجد و الحفيد، على المستوى العائلي.
وعلى المستوى العام؛ فإن تحالف الماضي والحاضر، هو ما يحدد المستقبل.. أو بلغة أخرى، أن المستقبل ضحية للماضي والحاضر.
وهذا يحيلنا إلى العنوان (بندرشاه) كعنوان تراثي، والخط الذي كتب به العنوان وشرحه أحدوثة (أميري) فهو أيضاً خط تراثي، فالطيب صالح هنا ينطلق من التراث في رسمه و أسلوب تركيب الجملة، فالإستهلال نفسه لا يُحال إلى زّمن بداية تامة، فهو زّمن الأحدوثات وزمن ألف ليلة، الذي يُحيل الحكي إلى نفسه.
فهي أحدوثة تناقلتها الألسن، من مكان إلى مكان عبر التاريخ، عَبْرَ ما يمكن تسميته بفَنِّ العَلاقة. فعند نزول الليل، يمكن لكلمةٍ ظلَّتْ محظورّة طوال النهار، أن تُعَبِّرَ عن نفسها وتصبح متداولة..
لقد اختار الطيب صالح نوعاً من السرد –يعتمد على القفزات السريعة للحكايات، والحوارات– كأسلوب للإقرار بتواصل الحكي في بُعده الميتاروائي، الذي يخضع لمنطق زمني مختلف؛ بالتالي منطق سردي مختلف.
فود حامد هي الزاوية التي تُرى منها الحيّاة، وهي محددة من المهد إلى اللحد. فالتغييرات والتحوّلات تحدث داخل هذا النسق، الذي يجمع داخله بين الغيبي اللازّمني، والمادي الزّمني.
وهكذا تشتغل بندرشاه؛ في توليد حكاية أخرى عن حكايتها لدى قارئها؛ من التفاصيل الكثيرّة، التي ولدتها رؤية قارئها؛ للعالم والحيّاة والنّاس.
إذ يُستوعب القارئ بواسطة هذه التفاصيل، التحوّل الذي يطرأ على الحاضر، ليصير راهناً في الماضي.. والماضي راهناً في الحاضر. فالرؤيا هنا لا حدود لها، وكذا شخصياتها جميعهم مروا بهذه الرؤية؛ سواء تجلت في نداءٍ غامض أو صوتاً تكشف عن (الشيخ الحنين) أو غيرّه.
وفي الزّمن نفسه.. على مشارف الفجر، بحيث بدت مسألة الزّمن، وإعادة إدخاله في توقيت محدد، تتميز بالثَّبَات والتِّكْرَار. ما بين الواقع والخيال. فالزّمن فجر، قُبيل صياح الدّيكة، حيث الهواتف الخفية، تجعل محيميد والطريفي وسعيد؛ أسرى النداء والهتاف؛ الذي أغرقهم تحت طائلة إغراء إرادة الحديث عن التحوّل، الذي عاشه كلٌ منهم لحظتها!
تحت وطأة هذا النداء، الذي سلبهم إرادتهم؛ وقادهم كالنيام.. تنفتح حكاية بندر شاه، على نوافذها في الماضي البعيد وحاضر الماضي/ الرّاهن.
في ود حامد فضاء مزدوج للزّمن، ينقسم داخله الشخوص عبر صراعاتهم، وكذلك فضاء آخر؛ مشبع بالحُلم والحكايات، المنبعثة من الوجدان الثقافي لود حامد؛ مركزها (الشيخ الحنين) و(بندرشاه) و(صوت جد محيميد/ التاريخ)..
فأشخاص كالطريفي؛ يرون أنفسهم ورّثة لبندر شاه د؛ فالنداء يفتح أبواب متخيلٍ مجنح، يقتلعهم من يقينهم ليرّمي بهم في لجج القلق، يريدون أن يحلوا محل محجوب وعصابته.. محل بندرشاه.. أن يصبحوا زعماءً لود حامد.. لكن كيف بدأت الحكاية؟
بدأت من هناك.. فقبل عقود خلّت، رّمت أمواج النيل بضو البيت؛ على ”قيف نهر ود حامد“ فـ”ضو البيت“ كما تصورّه الرّواية، هو شخص غرّيب، أخضر العينين. أبيض اللَّون، مجهول الهُوِّية.
رّمت به أمواج النيل إلى ود حامد، ذات فجرٍ غامض، وهو بين الحيّاة والموت!.. على جنبه الأيمن جُرح مميت. وكان فاقداً للذّاكرة. لا يعرّف من هو، ولا من أين جاء، ولا ما الذي أصابه!..
عالجه الأهالي وأطلقوا عليه إسم ضو البيت ”نحن كما ترى، نعيش تحت ستر المهيمن الدّيان، حياتنا كد وشظف، لكن قلوبنا عامرّة بالرّضى. قابلين بقسمتنا الـ قسمها الله لنا. نصّلي فروضنا، ونحفظ عروضنا. متحزّمين ومتلزمين على نوايب الزّمان، وصروف القدر. الكتير لا يبطرنا والقليل لا يقلقنا.
حيّاتنا طريقها مرسوم ومعلوم من المهد إلى اللّحد. القليل الـ عندنا عملنا بسواعدنا. ما تعدينا على حقوق إنسان، ولا أكلنا رّبا وسُحت. ناس سلام وقت السلام، وناس غضب وقت الغضب. الـ ما يعرّفنا يظن أننا ضعاف، إذا نفخنا الهوا يرمينا، لكننا في الحقيقة مثل شجّر الحرّاز النابت في الحقول، وأنت يا عبد الله جيتنا من حيث لا ندري، كقضاءِ الله وقدرّه. ألقاك الموج على أبوابنا، ما نعلم أنت مين، وقاصد وين. طالب خير أو طالب شر.
مهما كان نحن قبلناك بين ظهرانينا، زي ما نقبل الحر والبرد والموت، والحيّاة، تقيم معنا.. لك ما لنا وعليك ما علينا. إذا كنت خير تجد عندنا كل خير. وإذا كنت شر فالله حسبنا ونعم الوكيل، ص: ¹²³/¹²⁴“
وهكذا أسلم ضو البيت و تم ختانه، فالأحدوثة هنا تُثِيرُ في الآخرين.. الذين يستمعون إليها؛ سلطةَ الحكي التي ستجعل منهم أنفسهم رُواة؛ يسردون ما حدث.. بالتالي سلسلة لا نهائية من توالي الساردين، والحكايات التي يعاد إنتاجها من الحكاية نفسها. عبر زمن غير محدد؛ فالزّمن يتحرك من خلال عدة رُواة، محيميد ليس سوى واحد منهم.
فبندرشاه لا تملك زمنا يؤطرها، فهي تسرد داخل بنى زّمنية مختلفة باختلاف الرُواة، وأجيالهم المتعاقبة في ود حامد، وعالم ود حامد نفسه؛ هو جزء من حكاية بندر شاه، فهو كعالم (ود حامد) ينطوي على حكايات عديدة، لا تأخذ شكل وحدات معزولة لكلٍّ منها بداية ونهاية، بل تدخل ضمن مشروع كليٍّ، ينخرط في حكاية ضو البيت ”تعطوني قطعة أرض أشتغل فيها وحدي، فأنا رجلٌ غرّيب. وما أحب أدخل مع أهل البلد في مشاكل بسبب الشغل (…) قبل ضو البيت الهبة وبدأ العمل فوراً (…) وكان هو أحضر معاه بذرّة التمباك في العلبة الطلع بيها من النيل (…) أشتغل كأنه شيطان من نسل إبليس (…) زرع الطماطم والبصل والبامية والقمح والشعير واللوبيا، ص: ¹²⁷“
ولم يعد ينقصه شيء سوى إكمال نصف دينه، ليضرب جذوره عميقا في هذا المكان الذي رّمت به الأقدار إليه ”هل يذكر شيئاً من ماضيه؟.. فأجابت: تجيه أطياف ذكريات، ذكريات معارك وحروب في الغالب. يتكلم عن الطعن والضرب والمدافع والبارود. يعرق ويجف وتصيبه رجفة. يكاد يغمر. يرجع لحالته هو يضحك وأنا أضحك، ص: ¹³⁷“
كانت فاطمة طبيبته في أول مجيئه مصاباً، وهي التي علمته القراءة والكتابة، وحفظ على يديها شيئا من القرآن، وهي من كانت تساعده في الحقل. رف قلبه لها. ورف قلبها له، وهكذا زوجوه لها، بعد برهة من التردد؛ في إعطاءِ ابنتهم لغرّيب، لا يعلمون عن ماضيه شيئاً ”ضو البيت أصبح زينا ومتلنا على الخير والشر. في الحارّة والباردة. وما دام طلب مصاهرتنا على سنة الله ورسوله، فأهلاً وسهلاً بيه. ومرحباً به مرحبتين (…) استيقظت البلد مبكرّة على حس الزغاريد (…) كان عُرساً مشهوداً حضره جيرّة ود حامد كلها، من الضفة الأخرى، ومن القرّى المنشورّة على الضفتين، ص: ¹³⁰/¹³³“
حيّاة ضو البيت بينهم غيرّت في حياتهم، كانت أحواله تتحسن وأحوالهم تتحسن معه.. السّرد هنا يكشف عن رمزية الغريب، الذي بمجيئه تتغير حيّاة النّاس إلى الأفضل، ولكن لا يلبث ضو البيت بينهم سوى خمسة سنوات، فكما جاء من النهر استرده النّهر ”مضى كالحُلم، وكأنه ما كان. لكنه، ترك إبنه عيسى، الذي سار عليه فيما بعد إسم (بندر شاه) وُلد بعد موته بثلاثةِ أشهر. وجهه أسود مثل أمه. وعيونه خضر مثل أبيه، وهو في النّاس نسيج وحده. لا يشبه ده ولا دا، ص: ¹⁴⁰“
فـ(بندر شاه) إذن نتاج لقاء فريد بين الوافد الغرّيب، بالمحلي المتجذّر في (ود حامد) كـ (نواة) للبلاد الكبيرة، التي تشكّلت في هذا المزّيج المدّهش بين السكان الأصليين، والغرباء الوافدين عبر القرون، جاءوا جميعاً من كل الأصقاع، ففتحت لهم ذراعيها واحتضنتهم وزرعتهم في تربتها فلم يعودوا غرباء.. أصبحوا جزءً من نسيجها، بوجوههم السمراء؛ وعيونهم متدرجة الألوان، وسحناتهم الضاربة في عروق الأرض.
تلاقح كل هذا وذاك فأنتج (بندرشاه) كشخص طموح.. فهو منذ طفولته يرى نفسه مختلفا عن أقرانه، رّسم لنفسه صورّةً محددّة، وعمل على تحوّيلها بمرورِ الوقت إلى واقع.
ينفصل الرّاوي عن الجماعة، وينقل ما رآه أو سمعَه ذات ليلةٍ لم يكن فيها سوى مستمعٍ واحد بين مستمعين آخرين. يروي بتفصيلٍ ما نُقِلَ إليه دون أن يستطيع الحيلولة بين ذاكرتِه؛ وتأويلِ ما سُمِعَ أو رأى.. بين ذاكرته ونشاط التحريف؛ الذي يُغيّر في أصل الحكاية المشتركِ ”يروي حمد ود حليمة أن عيسى ود ضو البيت (بندرشاه) خرج عليهم ذات يوم؛ وكانوا صبية صغاراً، في لباسٍ كأنه لباس العيد، ولم يكن الوقت عيداً. كان يلبس جلابية جديدّة من الحريرِ، وعلى رأسه طاقية حمراء جديدّة مشغولة، وعمة ناصعة البياض. وفي رجليه حذاء أحمر يلمع.
ويقول حمد أن هيئة عيسى كانت شاذّة حقيقة.. وسط صبية بينهم العارّي، والذي لا يلبس غير خرقة حول وسطه، والمقطع الثياب، والمتسخ الثياب.. ظهر لنا غريباً ومضحكاً. أول ما رأيته صرّخت: (بندرشاه)..
وأخذنا جميعاً نردد: (بندرشاه).. وطاردناه؛ حتى أدخلناه دارّه. ومن يومها ولا أحد يناديه بغير (بندرشاه)، ص: ⁴⁰“
يبدو أن ود حامد؛ هي مركز التحوّلات في البلاد الكبيرة، فقد كان (عُرس الزين) نقطة تحوّل في تاريخها، مثلما كان خروج (ضو البيت) الرّجل الغرّيب من النّهر، نقطة تحوّل أخرّىٰ، فبميلاد (ضو البيت)، تتكرّس في المكان قيمّة التحوّلات وديناميتها.
وفي السياق يتداخل الزّمن والواقع والخيال: (متى) كانت أولى تلك التحوّلات في مسار حيّاة ود حامد، و(متى) كانت آخرها، وهل تمت هذه التحوّلات وفقاً لنشاط بشري (مادي) في التاريخ، أم أن ثمة نشاط روحي؛ هارب عن الموضعة والضبط ضمن قوانين (الزّمان والمكان)، هو ما أحدث هذه التحوّلات.. الوحدة بين ماهو مادي وما هو روحي.. بين ما هو واقع وما هو خيال، هذا الهجين في وحدات البنىية والشكل والمضمون؛ يُصاغ في رواية (بندرشاه بجزئيها: ضو البيت ومريود) انطلاقا من معالجة بنية (التغييّر) و(التحوّلات).
فالتحوّلات في ود حامد، تتم عبر نشاط سكانها البسطاء، والمؤسسات النامية التي ينشؤنها ”الجمعية التعاونية“ التي تعكس صرّاع الإرادات والأجيال، والتوجهات السياسية في البلاد الكبيرة. حيث تتقاطع هموم التحديث مع الفساد والفوضى.
ود حامد كنموذج للبلاد الكبيرة؛ تعيش مثلها، واقعاً غير واقعي، يمتزج فيه الحُلم بالخيال، لتمثل في هذا السقط من الأفكار والأوهام والرؤى؛ حكاية (بندرشاه) وحفيده (مريود) مختبراً لعوالم ود حامد الواقعية الأسطورية.
التناص:
درج أول في العتبة الثالثة:
يستهل الطيب صالح الجزء الأول من (بندرشاه) (ضو البيت) بثلاث مفتتحات تناصية، بمثابةِ درجات للعتبة التي تلي العُنوّان فتحاورّه، في تقاطعاتها مع عوالم النّص:
الدرب انشحط واللوس جبالو اتناطن
والبنـــدر فوانيســو البيــوقدن ماتــن
بنـــوت هضاليــم الخــلا البنـجاطــن
أسـرع قـودع أمسيت والمواعيد فاتن
(شاعر مجهول)
فمن خلال هذه المربوعة الشعرية، ندلف إلى الخلاء الواسع، الذي تتراءى في ظلمته فوانيس المدينة خابية على مدى المسافة البعيدة، التي تفصل بين هذا ”الهمباتي“ وبينها، وهو يمضي وحيداً على ظهر راحلته، يحثها في المسير تجاه جبال (اللوس) التي تلوح في العتمّة كرأس شبح يشرئب بعنقه. ليصيب غنيمة هناك، عطلته عن اللحاق بمواعيده مع المحبوبة.
درج ثان في العتبة الثالثة:
أَلا لا أَرى مِثلي امتَرى اليَومَ في رَسمِ
تَغَـــصَّ بِــهِ عَـــيني وَيَلــفُظُهُ وَهمـــي
أَتَــت صُـــوَرُ الأَشـــياءِ بَينــي وَبَينَـــهُ
فَجَهـــلي كَــلا جَهــلٍ وَعِلمــي كَلا عِلمِ
(أبو نواس).
وهنا يقف الرجل أمام أثر دارس مرتاباً في ماضيه، الذي يتجسد أمام عينيه، متسللاً أوهامه، لا يدري ما الحقيقة وما الوهم أو المتخيل.
درج ثالث في العتبة الثالثة:
في حضرّة من أهوى، عبثت بي الأشواق
حـــدقت بـــلا وجـــهٍ، ورقصت بـلا ساق
وزحمـــت بــــراياتي وطبـــولي الآفـــاق
عشــقي يفنــي عشقــي، وفنائـي استغراق
ممــــلوكك لـكنــــي ســـــلطان الــــعشاق
(الفيتوري)
في هذا المجتزأ من ”معزوفة لدرويش متجول“ يجسد الفيتوري، حالة عشق تفضي إلى وحدة الوجود؛ والفناء في الذات المطلقة.
وهكذا تشتغل الدرجات الثلاثة في العتبة الثالثة، في مقام التقرّيب في المسافة بين الحقيقة والوهم والمتوّهم، وتداخلاتِ الخيال في الواقع، حيث تنتصف المسافة المحبوبة، كجسرٍ يُفضي إلى وحدةِ الخيال والواقع، قوام وحدة الكون بانسانه وطبيعته وكائناته المرئية وغير المرئية. فتلك هي القاعدة التي ينهض عليها متن النص، في بنيتيه: الظاهرية والخفية.
الإستهلال، الحَكَّاية ومغاليق أُخرّىٰ:
بعد غيبةٍ طويلة يعود الرّاوي (محيميد) إلىٰ ود حامد، يلتقي أصدقائه القُدّامى (عصابة محجوب)، الذين يعاتبونه على طول الغياب.
فمحيميد، الذي لم يتخذ بنفسه القرارات التي غيرّت مسارات حياته، أخيراً قرّر أن يفعل ما يريد بالضبط، أن ينفق ما تبقى له من حيّاة في ود حامد ”كان محجوب مثل نمر هرم، جالساً جلسته القديمة رُغم السنين والعلة، أبداً كأنه يتحفز للوثوب، معتمداً بيديه على عصاه، وذقنه على يديه. متلفعاً ثوبه على رأسه فوق العُمامة، عمقت الأخاديد التي على خديه عند الفم، والتجاعيد على الجبهة، وفي العينين.
تحوّلت تلك الحدّة مع مرور الأيام وذكريات المعارك والهزائم ولا شك، إلى حُمرّة عليلة. لم يعد في العينين إلا الغضب.
كنا أمام دكان سعيد؛ والليل يزحف حثيثاً على ود حامد. قال محجوب موجهاً كلامه إلى الرّمل؛ عند منغرس عصاه: غيبتك طالت من البلد، ص: ⁹“
في هذه الغيبة الطويلة؛ جرّت كثير من المياه تحت الجسر، وغير الزّمن من النّاس والأشياء والمكان.. الحكي هنا.. يبدأ بعودة محيميد بعد غيبة طويلة، لكنه يتواصل إلى ما وراء وما فوق عودته (الميتاسردي) فعودته هي التمهيد لعودة الحكاية لجذورها.
فالحكايات كلها في ود حامد، مركزها الجمعية التعاونية ودكان الطاهر والنهر والجامع والحقل. وكل وحدة من هذه الوحدات، تندرج في نظام سياقي محدد، داخل البنية المركزية؛ التي تشكلها حكاية بندر شاه.
فتلك الوحدات والشخوص الرُواة الذين يتحركون فيها، هي التي تحدد الزّمن، بالتالي المغزى المستفاد؛ الذي قد يختلف بصوت رُواة آخرين، وفي لحظة أخرى وفي موقع آخر مختلف؛ عن المواقع التي تمثلها هذه الوحدات. فذلك يؤثر على المستمع للحكاية في تلك اللحظة، وفي ذلك المكان ومن هذا الراوي أو ذاك.
”ما دام عبد الكريم ود أحمد أصبح متصوف، والزّين أصبح من الأعيان، وسيف الدين على وشك يعمل نايب في البرلمان، إيه الغرّيب سعيد البوم يكون إسمه سعيد عشا البايتات، ص: ¹²“
لقد نال الزّمن منهم جميعاً، بأمراضِ الشيخوخة وانطفاء وّهج الذّكريات. لكن في خضم هذه الحالة من جذّوات الماضي الخابية، ينقلنا الرّاوي إلى مستوىٰ آخر من السّرد، يمهد به لحَكّاية بندرشاه ”إن ما حدّث شئ قائم بذاته، لا صلة له بما كان وما سيكون، ظاهرّة شاذّة، منعزلة. كأن تلد العنز عجلاً، أو تُثمر النخلة برتقالاً.
ثم عدنا فقلنا أن ما حدّث لـ(بندر شاه) وأولاده هكذا. ولكنه، ما كان ليحدث لنا، لأننا لسنا مثل (بندر شاه) وأولاده. ويرد النّاس بعضهم على بعض، وهم يتشبثون بأوهىٰ الأسباب: صدقتم صدقتم، ويصمتون صمتاً قلقاً هشاً، كما يهدأ الوجع برهة، ص: ²³“
كان (بندر) شاه قد انفتحت عليه طاقة القدر في الثراء، ثم أن التشابه بينه وبين حفيده (مريود) كالتشابه بين الشخص وصورّته على المرآة، لا فرق سوى السن بين الجد والحفيد، الذي في سن الرّاوي، الذي لا يزال يذكر ”كان مريود وكيل الجد ونائبه وقائم مقامه. أذكر أنني دُهشت دّهشة عظيمة أول مرّة رأيت ذلك. كان (مريود) يكبُرني بعامٍ أو نحوِ عام، ولم يكن سنه يزيد عن الخامسة عشر حينئذٍ.
جاء إلى جدي وقت الضُّحىٰ، وعند جدي مختار ود حسب الرّسول، وحمد ود حليمة، وأنا منزوٍ في ركنٍ. كعادتي، لا أتكلم إلا إذا سُئلت، وإذا تكلمت لم أزد على جملة أو جملتين.
دخل (مريود) وسلم عليهم، ينادي كلاً منهم باسمه المجرّد! لا عمي فلان ولا جدي فلان، ثم جلس دون أن يُؤذن له بالجلوس، قبالة جدي. لم يكن وقحاً. لا، ولكنه كان واثقاً من نفسه؛ ثقة تقرّب من الوقاحة. لم يضيع أي وقت في المجاملات، ودخل في موضوعه مباشرّة، متجاهلاً الرّجلين، ص: ²⁵“
وهكذا يقدم لنا الرّاوي؛ شخصية مريود حفيد بندر شاه، كمرآة تعكس وجه الجد، في إطار أسطوري تحسه دون أن تلمسه أو تجد له تفسيراً، فالماضي (الجد) يتجسد بكل حزمه وعزمه في (الحفيد)، الذي يُشكِّل حضورّه وحسمه الأمر الذي جاء لأجله، لحظة صادمة تنسج ما يلي من وقائعٍ وأحداث.
لينقلنا إلى مستوىٰ سّردي آخر في سيرّة التحوّلات، التي اعترّت ود حامد، فنتعرف على مسار (خُبث الفلاح) الذي مضى فيه سعيد (البوم)، ليصبح إسمه سعيد (عشا البايتات) وكيف تزوج من إبنة الناظر، بالحيلةِ والمكر والدهاء، بعد أن ورّطه في الديون، فحطم الفارق الاجتماعي والحضارّي الواسع بينهما.
باسترجاعِ الماضي، ووقائعِ اللحظة الحاضرّة في رّصد التحوّلات، التي طرأت على ودحامد، يسعى الرّاوي (محيميد) إلى صرف الأنظار عن سبب عودته، بعد كل هذا السنوات!
يحاوِّل أن يشغل نفسه بمعرفة التغييرّات التي حدثت، لتفادي أن تتحوّل عودته إلى موضع تساؤل، فهو يدرك أن دورّه في الإجابة عن السؤال الذّي يتفاداه، لامحالة وشيك ”أحالوني على التقاعد لأنني لا أصلي الفجر في الجامع (…) عندنا الآن في الخرطوم حكومة متدينة، رئيس الوزراء يصلي الفجر حاضراً في الجامع كل يوم، وإذا كنت لا تصلي أو تصلي وحدك في دارك، فسيتهمونك بعدّم الحماس للحكومة. أن تُحال للمعاش كرم منهم (…)
وسيقول له محيميد: بعد عام أو عامين أو خمسة، ستجيئنا حكومة مختلفة، لعلها غير متدينة، وقد تكون ملحدة، إذا كنت تصلي في دارك أو في الجامع فإنهم سيحيلونك للتقاعد (…) بتهمةِ التواطؤ مع الحكومة السابقة، ص: ⁴⁸/⁴⁷“
وهنا يشير الرّاوي إلى عدم إستقرار نظام الحكم، وغياب الدستور المدني الرّاسخ، بسبب الانقلابات العسكرية الحزبية والطائفية الدينية، التي يتغير نظام الحكم تبعاً لتوجهاتها الانقلابية، كتوجهات معادية لمبدأ (المواطنة) كأساسٍ للواجباتِ والحقوق، وليس الدين أو العرق.
إذ تسلط الرّواية الضّوء على إنهيارِ (مراكز القوى القديمة) في ود حامد، ونشوء (مراكز قوى جديدة). لقد تبددت سلطة محجوب (زعيم العصابة الشهيرّة) في (عُرس الزين)، وفقد تلك السطوّة والهيبة، أمام زحف الزّمن وتيار الأجيال الجديدة، التي ابتلعته أمواجها الهادرّة، كأنه لم يكن يوماً، الدينمو المحرّك لود حامد في المكروهات والمسرّات.
ركزّت الرّواية على الإيقاعِ المخيف للزّمن، وتقدّم العمر والحزبية البغيضة، الفساد السياسي، وإعلاء مفهوم الحزب والحزبي، على قيمة الوطن والمواطنة.
فقدمت بذلك تحليلاً دقيقاً حول ما جرى ويجري وما سيجري، من خلال تجارب شخوصها في هذه القرية، التي تنطوي على كل التناقضات، التي يحتقن بها التاريخ الاجتماعي والسياسي للسودان.
ينتظمُ الحكيُ كحركة طويلة من الذهاب والإياب، تارة تُبعِدُ فيها الحكاية عن محجوب ما ذم به وتارة تؤكده، وهو الأمر نفسه في حكاية بندر شاه، في الانقسام حوله كشخص شرير أو خير.
فالرّهانات متعددة بتعدد الرُواة والسُّراد. للحكاية نفسها. وبهذا المعنى؛ بندرشاه هي رواية لإعادة تأسيس ود حامد؛ عبر انخراط ثان متفرِّدٍ لـ (السلطة) في مجتمعها النّامي.
”محجوب انهزم. محجوب النّمر هزمته الضباع، أطفال وصعاليك وبنات فارّغات. حوّش، انتخبوا الطريفي ولد بكري رئيس، وحسن ولد بكري نائب رئيس، وحمزّة ولد بكري سكرتير، وسعيد عشا البايتات أمين صندوق، وسيف الدين مراقب أعمال.. قالوا وظيفة جديدّة لتحسين العمل في المشروع.
البنات بتاعين المظاهرّة، زغردن. والطريفي هتف: (يحيا الشعب). وين الشعب؟ ناس عشا البايتات وود رحمة الله ومفتاح الخزنة، وهلم جرا. ياهم ديل الشعب؟ (…)
منو البترضاك يا رماد؟ إنت قايل نفسك صغير (…) يلقاله واحدة من بنات الفن الطلعن جداد ديل. واحدة بتتكلم انجليزي. الزّمن دة زّمن انجليزي (…)
واحدة من بنات المظاهرّة الهتفن يحيا الشعب. الشعب منو غير ناس سعيد عشا البايتات السجم (…) جملة الإيمان البلد حاصل فيها خير (…) انتو ناس أما تبقو حكام أو تقولو البلد خربت. أيوة يحيا الشعب. الشعب ياهم نحن. بنات المظاهرّة حبابهن عشرّة. محتشمات ومؤدبات ومتعلمات. بناتنا وبنات وليداتنا. وإن لقيت لي وحيدتن فيهن تعرّسني، جُملة الإيمان باكر أعقد عليها، ص: ⁵⁴/⁶⁹/⁷⁰
ولا ينسى الطيب صالح بحسه الساخر، الإيماء خفية لأثر الأوضاع الاقتصادية في العزوف عن الزواج، كجزءٍ من الحالة العامة، التي يخلفها الفساد في الاقتصاد، في ظل نظم لا تبالي بأي مبادئ، وتعتمد الولاء عوضاً عن الكفاءة ”انت تفتكر الحَكَّاية بالكفاءة. الموضوع كلو أونطة في أونطة. المهم تبقى فصيح لسان وقليل إحسان. بس كتر من (يحيا) و(يعيش) شوف الحزب القوي أدخل فيه (…) شويتين شويتين تلقى نفسك بقيت نايب في البرلمان (…) إذا ما عملوني وزير جُملة الإيمان أعمل عليهم إنقلاب (…) وبعدين كمان شنو، ما خلاص ارقد قفى. أي حاجة عاوزه اضرب الجرس: ادخل يا فلان وامرق يا علان. فلان عينتك حكمدار. فلان سويتك باشمفتش. فلان حكايتك بايظة معاي دخلتك السجن. فلان ما توريني خلقتك. فلان حبابك عشرّة. وقتين امرق بالعربية الشفرليت وسط البلد، النّاس تهتف (يعيش) الطاهر ود الرّواسي (يحيا) الطاهر ود الرّواسي. خلاص بقيت حاكم عام، ص: ⁹¹“
وتتناص الوقائع هنا بقرينة (أحدى عشر رجلاً/كوكباً)، عبر تقنية الإسقاط، حول ما جرى لمحجوب، مع قصة سيدنا يوسف، ويتحوّل الرّاوي هنا إلى شاهد على التاريخ..
ففي سورّة يوسف، نجد الصبر على الابتلاء والتآمر والامتحان؛ ثم التمكين والعزّة.. نجد كتمان سر (الرؤيا) التي حكاها لوالديه، حتى لا يُضمر له أخوته الذّين يغارون منه الشر.. نجد الضنك وهوى النفس ونزواتها؛ والغوّاية الأنثوية والبراءة.
فخيانة زليخة لزوجها، وما ترتب عليه من زج ليوسف في السجن، تجد اكتمالها كخيانة فيما حدث لشهريار وأخيه إذ، يضبطان زوجتيهما مع عبيدهما. ويقرران أن لا حاجةَ لهما بالمُلْكِ، ما لم يكتشفا هل جرى لأحد مثلما جرى لهما أم لا.
وفي شخص عفريتٍ سيجد شهريارُ وأخوه منْ يبحثان عنه. بل، سوف لن يتضح لهما بأنه هو ما كانا يبحثان عنه، إلا بعد أن ألحَقَا به مُصَاباً أفظع من مصابهما:
ففيما كان العفريت نائما حمَلَتْهُما امرأته على مواقعتها. بعد أن أوقع الأخوان من هو أقوى منهما في ما كانا ضحية له، آنذاك فقط استعادا القدرّة على استئناف مزاولتهما للمُلْك.
ومن هنا تبدأ حكاية شهريار وشهرزاد. بعد الحكاية المركزية. بل إن حكاية شهرزاد مع شهريار هي آخر الحكايات، فقد سبقت شهرزاد آلاف الفتيات اللاتي قضن لأنهن لا يُجدن الحكي ”ضَجَّت النّاس وهرَبَتْ ببناتها“، وجاء يوم ”لم يبق في المدينة بنت تحتملُ الوطء“ عدا بنتي الوزير: ابنته الكبرى شهرزاد –يعني اسمها إبنة المدينة– وكانت قد بلغت سن الزواج، ثم الصغرى دنيازاد، وكانت على مشارف البلوغ.
وفي هذه المنطقة من الحكاية، حيث صارت مدينة بأكملها مهددة بالزوال، تحت وطأةِ جنونِ بندر شاهها القاتلِ، في تلك اللحظة فقط؛ ظهرت شهرزاد لتداوي بالحكي جراح المدينة.
أخذت شهرزاد الكلمةَ، واحيت بها شروط علاقة ممكنة، وصارت زوجةً وبقيت على قيد الحيّاة. كانت شهرزاد تثق في قوّة اللُغـّة. تعرف أن القدرّةَ على تحويل المصيبة إلى قدرٍ، أمرٌ يقيم داخل اللُغـّة نفسها.
ستعيد بالحكي بناء المدينة، لتكاثر سكانها، وتنمو من جديد.. سيحدث كل شيء، فيما شهريار يستمع إلى حكاياتها ليلة تلو اخرى، دون أن ينتبه لسريان الزّمن، بينما يتحوّل سرّيان الزّمن إلى شرايين، تروي عروق المدينة وتخصبها؛ وتجدد حياتها.
ومن ثم ينتقل الرّاوي بالسّرد عبر ضمير المتكلم أنا، ليتبع نداءً غامضاً في الليل، يقوده في عالم رؤيوي حُلمي أشبه بعوالمِ ألف ليلة وليلة، لينتهي إلى عرش، يجلس عليه بندر شاه، و(أحد عشر رجلاً) من أبنائه يرّسفون في أغلالهم أمامه.
كان الصّوت صّوت جد محيميد (سلطة التاريخ=الماضي)، لكن الوجه والهيئة لـ(بندرشاه) (زعيم الحاضر)، الذي على يمينه حفيده (مريود) (المستقبل) ”قام هذا ونزل من المنصة، وجِئ له بأسواط غليظة، طويلة من عروقِ السنط. نزع الجند الثياب عن الرّجال الأحد عشر، وأخذوا يجرونهم واحداً وراء واحد إلى مريود، يجلد كل منهم. والجالس على العرش يسمع ويرى (…)
تمنيت أن يفسر لي بندر شاه مغزّى ما حدث، ولكنه لم يقل وأدركت أخيراً، أن الصّوت دعاني لأكون شاهداً وحسب، ص: ⁵⁸/⁵⁹“
في الحقيقة ليس الرّاوي وحده من مر بمثل هذه التجربة، فقد حدث الأمر نفسه لـ(بندرشاه) في رحلته لـ(بندرشاه الأول) في نفس المسار، كما حدث للطرّيفي ود بكري، وكل الممسكين بخيوط الفوضى في ودحامد، حتى سعيد (البوم) عشا البايتات؛ جاءه الشيخ الحنين في رؤية، يخبره بالذهاب إلى قصر (بندر شاه)/ (فرعون).. أحد سلاطين الدنيا الزّايلة.
فيمضي في رّحلة أشبه برحلة قمر الزمان بن الملك شهرمان في الليلة الأولى بعد المائتين من ألف ليلة وليلة وغيرها من حكايات الاغراء والاغواء، الذي يصمد أمامه الطريفي.
بل أن اللُغـّة نفسها تتخذ مساراً بلاغياً تراثياً، في هذا المستوى اللُغَّوي، اذ تنحدر من ينابيع المحسنات البديعية كالطباق والجناس وغيره، في مناخات ألف ليلة وليلة ”جات بنية زي الحورّية، نهدها طالع يادوب زّي تمرّة (اللألوب) عُريانة جل، تتقصع وتتقدّل. الكفل زي السحلية والبطن زي جناين الشايقية، مسكتني من شيتي، وقالت لي هاك هيتي، رقدت وفتحت فخذيها، شفت البيها والعليها. قالت لي: يالله.. يا شاكي، تعال وأرقد بين أوراكي، تلقى مناك وتنال هناك، ص: ⁷⁵/⁷⁶“
يكمن ثراء هذا النص –ضمن ما يكمن فيه– في كونه عبارة عن بنيةِ تدَاخُل عدة حكايات، يتوحد فيها الزّمني والرّوحي. ونحن لا نستطيع أن نخضع بندر شاه بجزئيها، لمنهج تحليلي محدد، فبندرشاه تخضع قارئها لتأثيراتها ونهجها، كما خضعت لتأثير الحكاية نفسها ود حامد كلها، في هذا الفجر عبر النداء الخفي الذي قاد النّاس، وأغرقهم في عالم مربك ومحير عالم متخيل..
عالم يخرج من وجدانهم الثقافي وواقعهم اليومي. فيما وعيهم ينتج رمزيات تترسخ في وجدان الأهالي بقوّة، كأنهم لم ينتجوها بأنفسهم.. إذ لا يعود ثمّة حد فاصل بين المتخيل والرّمزي والواقعي الملموس.
”طلعت الميضنة وأنا أبكي… صوت مليان بالأحزان، ناديت فوق البيوت. ناديت للسواقي والشجر. ناديت للرّمال والقبور. والغياب والحضور. ناديت للضالين والمهزومين والمكسورين. للصاحين والسكرانين. للنصارى والمسلمين. ناديت: الله أكبر، الله أكبر.. وأنا أبكي وأنوح، ص: ⁷⁶“
الذين يصلون والذين لا يصلون، الأصدقاء والخصوم. ذهبوا جميعاً للصلاة، في فجر ذلك اليوم. كأن قوى خفية تدفعهم للتجمع؛ هنا ”قرأ الامام سورّة الضحى بصوت مجلجل، استمد قوته من أحزان الرّجال، الذين اجتمعوا ذلك الفجر دون سبب واضح؛ وعلى غير موعد، ص: ⁶³/⁶²“
رمزية سورّة الضحى. ربما توظيفها هنا؛ يأتي لكونها الساعة التي سجد فيها السحرّة، بعد إيمانهم برسالة موسى، وهي التي يستحب التكبير عند الانتهاء من قراءتها، فهي قد أذنت بعودة الوحي بعد انقطاعه خمسة عشرّة ليلة، ما أصاب النبي الكريم بالهم والغم. على حسب ابن كثير.
ربما أن ذلك؛ وكل مواعظ التاريخ كشريط سينمائي؛ مرّت لحظتها بين الركوع والسجود، في دموع الخوف التي سالت تبللهم جميعاً.
فلحظتها كان ثمّة شئ يحدث لمحيميد ولغيرّه: النداءات الغامضة التي لا يسمعها سواهم، الأشخاص الغامضين الذين يراهم سواهم. دون إجماع على رؤيتهم، كأنهم وحي.
ومثلما يرتفع السرد إلى سدرة منتهاه، ينحدر في مستوى آخر، حيث الأصدقاء القدامى؛ يأنسون ببعضهم أمام الدكان ”أحمد وعبد الحفيظ ما كانوا حاضرين، الخلق محشورّة تحت السيالة، الحر كاظم الأنفاس، ونحن متحضرين للكتل.
بعدين صويحبنا الـ ما يغبانا يقيف عاوز يخطب. الليلة القبلها متعشي معانا هنا. حلف قال يصوّت معانا. وقت وقف أنا قلت لود الرّواسي:
معليش زي بعضه، أهبل وعوير لكن برضو معانا. لا سلام عليكم لا بسم الله لا الحمد لله. قال: يا جماعة الخير محجوب وناس الطاهر وسعيد ناس أصحابي وأهلي. محجوب حبابه عشرّة، راجل ما يتفضل عليكم. جملة الإيمان راجل يوزن ألف راجل. شكَّال صرِّيمّة ومخلص يتيمّة. لكن الحق لله الجماعة أكلوا البلد. نقوا لحمها ما خلوا غير العضم. الخراب.
من الله ما خلقنا والجماعة ديل يسرقوا وينهبوا. حلال بارد عليهم الشي الـ أكلوه. مافي إنسان عاوز يرجعه منهم. ناس عليك أمان الله تلقاهم في الحاره والباردة. سرقوا ونهبوا البلد. الله لا يكسبهم حسنة. رجال فرسان وبطونهم ما بتشبع. دحين، زي ما قال الطرّيفي ولد بكري، النّاس دي تتفضل تروح بيوتها، بالتي هي أحسن. وإلا إذا كان عندهم كلام، الشعب واقف لهم بالمرصاد.
يحيا الشعب. يعيش الشعب. يعيش الطريفي. يسقط محجوب. وخصوصاً يسقط جني إسماعيل مقطوع الطاري. انشاء الله ما تتعدل عليه محل ما يقبل. صاحبي أخو أخوان. قروشو كلها مودرها في العرقي. محجوب راجل حبابو عشرّة. ما يتفضل عليكم. خدم البلد وسرق ونهب. باع لي البرسيم الحوض بخمسين قرش. قلت له أشاركك في البقرة. قال شراكة ما عاوز. يا جماعة صلو على النبي. الحلال بين والحرام بين. فضو الحكاية دي، خلونا نروح بيوتنا، ص: ⁷²/⁷³“
انقلب كيان البلد فجأة، بعد أن اجتمع أولاد بندر شاه الأحد عشر عليه، وقتلوه ضرباً بعروق السنط، فبندرشاه صاغ حفيده مريود على شاكلته، وسلطه على أولاده الأحد عشر، فثاروا لأنفسهم منه.
رفض الإمام الصلاة بالنّاس، وغادر إلى مكة ليموت هناك، بعيداً عن هؤلاء الملاعين، الكاشف ود رحمة الله العجوز الطاعن في السن، قرّر الهجرّة.
زوجة بكري بعد خمسين عاماً من الستر فارقته. ثار من لا يثور. وشاجر من لا يشاجر ”يقال أن مريود كان يحدد لكل منهم عمله، ويحدد له جزاءه. لا تفوته صغيرّة ولا كبيرّة. كل ليلة تنعقد محكمة في الدّيوان الكبير، يجلس بندر شاه وإلى يمينه مريود، على كرسيين عاليين، على منصة في صدر الدّيوان. يصدران الحكم معاً، ويكون العقاب بالسياط. يفعل ذلك مريود و(بندرشاه) متربع على كرسيه يسمع ويرى، ص: ⁸⁶“
وآخيراً فالسياق المزودج لحكاية ”بندرشاه/ شاهبندر“ من جهة يُجْبِرُ على إنتاج سياق للحكاية، ومن جهة أخرى الحكاية نفسها تبني سياقها، لأنه –في آن واحدٍ– حكاية معروفة لود حامد لكن يُعَادُ نسيان سياقها، فيتم إنتاج سياق لها من قبل رُواتها، يختلف باختلاف رواياتهم.
فلا أحد يأبه لحكاية بندر شاه كبندرشاه.. لا قيمة لها بحد ذاتها، لكن الأمر لا يتعلق ببندر شاه.. القيمّة الحقيقية لسلطة نقل الحكاية، سلطة العلاقة، سلطة النقل الاستذكار، سلطة بناء الذاكرة. فحكاية بندرشاه –والحكايات الأخرى في ود حامد– يتحدد جريها على لسان رُواتها بإدراكات صغيرّة جداً، لما تمور به ود حامد من متناقضات، وصراعات وتحوّلات.
هوامش:
[¹] الطيب صالح، بندرشاه ”ضو البيت“، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٧
ahmeddhahia@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم