مذكرات فتاة شقية  .. التأليف: فاطمة محجوب عثمان

الناشر : دار مدارات الخرطوم 2019
علم “التاريخ الاجتماعي” هو العلم الذي يتناول الحياة اليومية لعوام الناس، يهتم بالمجموعات البشرية ويصف أحوالهم ويدرس أنماط حياتهم، والمظاهر المادية لنشاطهم في أعمالهم الاقتصادية، وتقاليدهم، وعاداتهم، كالمأكل، والمشرب، والملبس، وتجاذبات الحياة اليومية في أسواقها وطرف ظرفاها وغيره. وكتاب مذكرات فتاة شقية للأستاذة فاطمة محجوب عثمان يعتبر أحد ضروب ذلك النوع من العلوم.
ما دفعني لاقتناء الكتاب وشوقني للاطلاع عليه هو أن كاتبته هي شقيقة الشهيد عبد الخالق محجوب، وقدم للكتاب تلميذه الدكتور عبدالله علي إبراهيم، وقلت في نفسي أن مذكرات شقيقته ومقدمة تلميذه لاشك سوف ترسم لي ملامح طفولة هذه الشخصية الفذة التي خطت اسمها بأحرف من نور في تاريخ النضال الوطني، لكنني حقيقة وجدت الكتاب أبعد ما يكون عن ذلك، وكما ذكر الدكتور عبدالله علي إبراهيم في تقديمه للكتاب (يتوقع المرء من كتاب بقلم الأستاذة فاطمة محجوب عثمان ود كسبة، الشقيقة الأصغر لأستاذنا عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب الشيوعي حتى مصرعه الفاجع بعد فشل انقلاب 19 يوليو 1971 ، أن يكون عن هذا الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس. إلا أن أسعد ما في هذا الكتاب وأبرك أنه كتاب عن طفولتها وتعليمها وامتهانها التعليم. حقها حلالاً بلالاً كما نقول. ولم يزد دور عبد الخالق عن غيره من أخوتها، أو حتى آخرين في الحي السيد المكي الذي نشأوا فيه) انتهى النقل.
الكتاب يتناول التاريخ الاجتماعي لمدينة أمدرمان في مرحلة خصبة في تشكيل ملامح المجتمع الأمدرماني الحديث في فترة أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، والتاريخ الاجتماعي يحسبه البعض أحد فروع علم الاجتماع لكنه من وجهة نظر أخرى هو المدخل لدراسة التاريخ بصفة عامة، خاصة في ظل وجود قوانين تحكم التطور الاجتماعي وترصد التحولات من نظام اجتماعي إلى آخر ويستنبط القوى المحركة لتلك التحولات كما جاء في المادية التاريخية الجدلية التي توصل لها كارك ماركس وفردريك أنجلز حيث كان الاعتقاد السابق أن التاريخ سلسلة من الأحداث غير المترابطة تشكلها الصدف.
هناك الكثير من الكتب التي تناولت التاريخ الاجتماعي لمدينة أمدرمان، لكن ما يميز كتاب (مذكرات فتاة شقية) عدا كونه صوت أنثوي يستحق الاحتفاء هو قدراته الفذة في تناول الحراك اليومي للحي الأمدرماني بتفاصيله وخصوصياته في تلك المرحلة البكر في تاريخ المدينة (مراحل الانصهار  الأولى)  مرحلة تشكلها، وعكس الكتاب النشاط المهني للنساء العاملات، صورت ووثقت بدقة وشفافية وعمق لمهن وأنشطة اندثرت، ولتلك التي في طريقها  للاندثار، مثل مهن ستات الظار ودقاقات الشلوفة والشلاخات وعاملة الصحة اللائي يأتين على البسكليت والطهارات وصانعات الثياب “الفرات” والطواقي وبائعات الكسرة والربيت والفسيخ والدكوة والمريسة.. إلخ .. مهن ووظائف قدمت لها المؤلفة في دقة وصف كأننا أمام فيلم وثائقي حيث تقدم الشرح للعمل والطقوس التي تصاحبه وأنقل لكم هنا بعض من تصاويرها تصف دق الشلوفة للعروس هذا النص:
( … حاجة (فضة) تسكن في حي السيد المكي وهي من الحلب المهنة التي اشتهرت بها هي دق الشلوفة للعروس والتي تعد طقوسها ضمن الاستعدادات التي يقومون بها قبل الفرح ” تحضر حاجة (فضة) حاملة شنطة الشغل بها أدوات عبارة عن دستة إبر مربوطة في حزمة واحدة، و(صفراوية السمك والسكن) وغالباً ما تبدأ حفلة دق الشلوفة بعد تناول طعام الفطور من عصيدة بالتقلية وشية خروف العريس الذي يحضره خصيصاً لتلك المناسبة، تحضر العروس وسط الزغاريد والتشجيع (بتنا) وأما العروس فغالباً ما تكون في ذعر . ترقد بعد أن توضع تحت رأسها عدد من المخدات لتعلية الرأس وتجلس (فضة) في بنبر تعاونها أخرى، تفتح الصندوق وتخرج الأدوات وتبدأ العملية والنسوة يحطن (بعنقريب دق الشلوفة) ووسط الزغاريد تبدأ حاجة فضة في الغناء:
دقوله دقوله بت الراجل أب شورة
دقولة ما تبكي بت الراجل العرضي
والليلة حار باكر ضحك قرقار
تستمر هذه العملية زهاء ثلاث ساعات تقريباً، ثم تؤخذ العروس في حالة يرثى لها والشلوفة تكون قد تمددت حتى وصلت الحنك. (دق الشلوفة) كان من علامات الجمال وثانياً ما بتخلي العروس تتشوق للراجل يعني (الإحساس في هذه الشلوفة انتهى!).  وتواصل الكاتبة .. ” بعد مضي أسبوعين تأتي (فضة) لتزيل القشرة بالزيت تكون الشلوفة برت وأخذت لون الوشم الأخضر الجميل، ويرسل العريس مرة ثانية حق حاجة (فضة) الحلوى والبلح وإذا كان مقتدرا خروف وليمونادة، وتتنادى النساء لجلسة صباحية لتناول الحلويات .. وإذا كمان فطور يكون أفضل”. انتهى النقل
 وهكذا دواليك وصفها الدقيق لكل المهن الأخرى مثل التشليخ والزار وللنساء الجبلابيات وهن يقمن بغزل القطن بالمترار وما يتبع تلك المهن والممارسات من طقوس وأهازيج ورقص وغناء، كل ذلك من خلال أفعالها الشقية وشيطنتها وهي طفلة مما جعلها في مواجهة دائمة مع (الخيزرانة) عصا الوالد وقرصات الحبوبات الموجعة.
أجادت (فطين) كما كانت تنادى وأبدعت في رسم صورة للمجتمع حيث أفردت جلَّ الكتاب لمراحل طفولتها وبعض صباها في المدارس وعلاقتها بالمعلمين والمعلمات في ظل المستعمر وتناولت كذلك أنشطة أشقائها عثمان وعبد الخالق وعلي ومحمد خلال مراحل الطفولة والصبى المبكر ومن قبل تناولت نشاط الوالد محجوب عثمان الثقافي والاجتماعي والسياسي.
على الرغم من تمتعي وانبهاري بالسياحة الإثنوغرافية الأمدرمانية وللمواقف الطريفة للكاتبة وهي تحكي عن شقاوة طفولتها إلا أنني لا أنكر أنني كنت أبحث من بين السطور عن تلك البيئة التي تخلق فيها ونشأ ذلك العبقري المغوار الشهيد عبد الخالق محجوب وعن طفولته.
ولد عبد الخالق في أمدرمان حي السيد المكي في 23/09/1927، في منزل متواضع مبني من الطين تتوسطه شجرة ظليلة يقع بمنطقة الشهداء شمال مستشفى امدرمان، البيت مكون من ثلاث غرف وديوان للرجال حمام وتكل ومزيرة بزيرين من الفخار، غرفة للوالد محجوب عثمان تحتوي على دولاب مكتبة وعنقريب وشماعة وطاولة للطعام وغرفة يتشارك فيها عبد الخالق مع اشقائه عثمان وعلي ومحمد وغرفة الثالثة لشقيقاته البنات فاطمة وآمنة وهدى. عثمان هو الشقيق الأكبر وآمنه هي التي تليه ثم علي ثم فاطمة ثم محمد وآخر العنقود هي هدي التي توفيت وهي في المرحلة الثانوية. وكانت والدته (أم النصر بت الحسن) قد توفيت في 1944 وهو في السابعة عشر من عمره.
في مذكرات فتاة شقية استشفينا ذلك النبع الذي أنتج لنا عبد الخالق، فوالده (محجوب عثمان ود كسبه) درس الخلوة والأولية في جبل البركل بالشمالية ثم التحق بالمدرسة الابتدائية بعد تخرجه في 1920التحق بالعمل في الري المصري بمنطقة جبل أولياء، بعد فترة وجيزة تم فصله نسبة لأنه كان يكتب مذكرات الاحتجاج للعمال المصرين المطالبين بزيادة أجورهم.
في 1922 حصل على وظيفة في مصلحة البوسطى وهناك تعرف على عرفات محمد عبدالله المناضل والوطني الغيور وتوضدت علاقته به حتى صارت أسرية، كان عرفات يحرر مجلة “اللواء الأبيض” في منزله بحي الدباغة ويحضر راجلا أو على ظهر حمار تفاديا للمخبرين إلى منزل صديقه (محجوب أفندي) لمراجعتها واضافة ما يرى انه مهم حتى تخرج المجلة في ثوب قشيب حيث كانت المجلة من أقوى أسلحة النضال ضد المستعمر.
في نادي الخريجين تعرف (محجوب أفندي) على الشاعر (أحمد محمد صالح) مؤلف النشيد الوطني والذي قامت بينهما صداقة وطيدة خاصة بعد أن أسسا لليالي أدبية شهرية مرة بمنزل محجوب ومرة بمنزل أحمد واتسعت دائرة تلك الليالي الأدبية وجذبت أليها لفيف من المثقفين أمثال الأستاذ عثمان إبراهيم اسحق والأستاذ الشيخ محمد مكي شبيكة.
في تلك البيئة نشأ (عبد الخالق محجوب) وقضى طفولته، وتفتح وعيه، وكان ككل الأطفال له شقاوته ومغامراته مع شقيقه الأصغر (علي محجوب) حيث كانا الأكثر قرباً، ربما بحكم السن، وكلاهما يحبان القفشات والضحك كانا خلال الاجازة الصيفية يمارسان نشاطاً تجاريا فيقومان ببيع عصير “العرديب” و”الكركدي” لأطفال الحي تحت ظل الشجرة الظليلة التي تتوسط دارهم، وكانا مولعان بالذهاب إلى المولد، يأخذان ما توفر لهم من بيع العصائر ويذهبان إلى سوق الزلعة “سوق الأطعمة داخل المولد” وذات يوم أكثرا من تناول تلك الأطعمة فأحس “علي” بالطمام وآلام البطن وتصرف عبد الخالق ودخل به مستشفى امدرمان حيث تم اسعافه ورجعا إلى البيت متأخرين واكتشف الوالد فعلتهم فعوقبا ومنعا من الذهاب للمولد وأكل الأطعمة الملوثة. كان (عبد الخالق) حينها في المرحلة الوسطى بمدرسة الأميرية و(علي) في السنة الأولى بمدرسة بيت الأمانة.
ومن ذكريات طفولتهما حينما مثلا دور الطبيب والممرض مع (علي سينجر) الذي يعمل طباخاً بالمنزل بعد مرض الوالدة فقررا أن يقوم (علي) بدور فحيص وعبد الخالق بدور الطبيب فأوهما علي سينجر بأنه مريض مصاب بتعفن في الفم وعليهما علاجه فغضب علي سينجر واشتكاهم للوالد الذي عاقبهما بالجلد بالخيرزانة.
وكان لعبد الخالق محجوب نشاطه الرياضي كذلك حيث كان يلعب لفريق أشبال حي السيد المكي وكانوا يمارسون اللعب في (ميدان الحديد) وكان فريق الكرة مكون من عزالدين كبوشية، خضر طلحة، عوض بخيت، قمر الأنبياء، علي محجوب وعبد الخالق محجوب وإبراهيم الشبلي. اللعب كان يوم الخميس وذات يوم وفي أحد المباريات وكان فريق عبد الخالق منتصرا على الفريق الآخر بهدفين لصفر مما أثار حماقة أحد لاعبي الفريق الآخر يدعى (قمر الأنبياء) الذي دخل في مشادة كلامية مع عبد الخالق وتناول حفنة من طين الزبالة ورمى بها وجه عبد الخالق وعينيه مما تسبب له في (رمد يرجي).
تطور نشاط عبد الخالق وصار عضوا بلجنة نادي النهضة (وكان أول نادي أنشيء في الحي) حيث استأجر عبد الخالق منزلا مكونا من غرفتين بعد أن جمع تبرعات من شباب الحي وتبرع بقية سكان الحي بالكراسي والتربيزات والمزيرة وكان للنادي أنشطة ثقافية ومسرحية وسينما متجولة وليالي غنائية يحيها الفنان (عثمان فرفشة) الذي يتغني بالأناشيد الوطنية (أيها الروح الطروبة .. نحن من وادي العروبة .. رمز سودان جديد .. أنشد الطير غناء وارتدى العلياء ثيابا .. شعبنا الفن بداه.
ويغني المرحوم عبد الرحمن مختار لحسن عطية (يحي الحب دام صفانا عاش النيل الروانا). لجنة النادي كانت مكونة من عبد الرحمن مختار، عبدالخالق محجوب، شمس الدين أحمد ياسين، الهادي بابكر، علي محجوب، وحمد الملك وآخرين.
(يا منايا حومي حول الحمى واستعرضنا)
هذه بعض ملامح من طفولة وصبا الشهيد عبد الخالق محجوب الذي فارقنا حين تدلى عنقه من حبل المشنقة في سجن كوبر في يوم الأربعاء الموافق 28/07/1971 وهتافه لا يزال يشف آذاننا (عاش نضال الشعب السوداني … عاش نضال الحزب الشيوعي).
 عاطف عبدالله
Atifgassim@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً