اتفاق البرهان حمدوك: الشبه الموجود بين المعترضين واليهود .. بقلم: د. عبد الحكم عبد الهادي أحمد العجب

بسم الله الرحمن الرحيم
كنت قد كتبت مقالا ربما قبل أكثر من عامين بعنوان( سينتصر حمدوك لا محالة باذن الله) في هذه الصحيفة  نفسها، (ويكون حسنا لو أعاد الإخوة القائمين على الصحيفة نشره) وفي هذا المقال تاكيد لانتصار حمدوك الذي انتصر حقا بحقنه لدماء الشباب التي كان يمكن أن تسيل ان لم يكن الاتفاق، وهذا المقال سأوضح فيه بعض وجوه الشبه بين المعترضين على الاتفاق  وبين المشركين واليهود ، وقد نهانا الدين من التشبه باليهود وغيرهم من المخالفين للمسلمين، ولذلك نقرأ في سورة الفاتحة( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) والمغضوب عليهم هم اليهود والضالون هم النصارى
من  وجوه التشبه باليهود والمشركين
أولا:  الاعتراض على أمر الله:
قال تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) البقرة.
فألفاظ الآية واضحة ، وقال تعالى في آية أخرى{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)} [آل عمران: 24 – 26]
فالملك من الله والاعتراض على ذلك مضيعة للوقت وضياع للأنفس والأموال، ولعل الكثيرين يرددون قول أبي القاسم الشابي:
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي         ولا بد للقيد أن ينكسر
فهذا ليس على إطلاقه  ، والدليل على ذلك ما حدث في سوريا ، فقد ثار الشعب على بشار وكانت النتيجة الموت والخراب والدمار وما زال بشار هو بشار،  ويصدق البيت عندما يصادف إرادة الله، ومحاولة تغيير الحاكم أو نزع الملك منه ان لم يصادف مشيئة الله فهو الخسران بعينه، فما علينا إلا السمع والطاعة  والمناصحة للحاكم ولو كان عبدا حبشيا كما صح  في الحديث في سنن أبي داود وغيره.
ثانيا  من صفات اليهود: البهتان  وهو أن تقول في أخيك ما ليس فيه ، ويتضح ذلك في قصة إسلام    عبد الله بن سلام اليهودي ، فقد جاء  عن حميد عن أنس قال بلغ عبد الله بن سلا م مقدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة قال عبد الله بن بكر عن حميد وهو في أرض يخترف فأتاه وقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ينزع إلى أخواله قال فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خبرني بهن آنفاً جبريل قال فقال عبد الله ذاك عدو اليهود من الملائكة زاد في رواية عبد الله بن بكر عن حميد فقرأ هذه الآية ( من كان عدواًّ لجبريل فإنه نزله على قلبك ) البقرة فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أما أول أشراط الساعة فنارٌ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكل أهل الجنة فزيادة كبد حوت وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له وإذا سبقت كان الشبه لها قال أشهد أنك رسول الله ثم قال  : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ، إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلاَمِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ بَهَتُونِي عِنْدَكَ، فَجَاءَتِ اليَهُودُ وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ البَيْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ» قَالُوا أَعْلَمُنَا، وَابْنُ أَعْلَمِنَا، وَأَخْيَرُنَا، وَابْنُ أَخْيَرِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ» قَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: شَرُّنَا، وَابْنُ شَرِّنَا، وَوَقَعُوا فِيهِ) صحيح البخاري (4/ 132)
ولعل هذا عين ما حصل للسيد حمدوك رئيس الوزراء، فالكل متفقون على نزاهته ورجاحته ومكانته داخليا وخارجيا وأنه عنده من العلم ما ليس عند غيره في مجاله ، ولما حدث ما حدث رأى أنه يجب عليه أن يعود حقنا للدماء ، وهو محق في هذا ، فلو لم يعد لجرت الدماء كما جرت في سوريا وليبيا وغيرها ، ويجب علينا أن ندعمه وندعوا  له صباح مساء لموقفه البطولي الوطني ، وقد  استفزني كثيرا جدا بعض الشعارات التي رفعها أبناؤنا مثل( حمدوك النيء الشارع حيء و حمدوك وسخان جابو الكيزان ….الخ) وهذا كله غير صحيح.
ثالثا: التحايل على أمر الله.
قال تعالى (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)} [البقرة: 63 – 66]
وقال تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163)} [الأعراف:
162، 163]
جاء في أيسر التفاسير للجزائري (2/ 254 -255)
(ما زال السياق في بني إسرائيل إلا أنه هنا مع رسول الله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويهود المدينة فالله تعالى يقول لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام أسألهم1 أي اليهود {عن القرية2 التي كانت حاضرة البحر} أي قريبة منه على شاطئه وهي مدينة من مدن أرض القدس والشام3، أي أسألهم عن أهلها كيف كان عاقبة أمرهم، أنهم مسخوا قردة وخنازير جزاء فسقهم عن أمر ربهم، وفصل له الحادث تفصيلاً للعبرة والاتعاظ فقال {إذ يعدون في السبت4} أي يعتدون ما أذن لهم فيه إلى ما حرم عليهم، أذن لهم أن يصيدوا ما شاءوا إلا يوم السبت فإنه يوم عبادة ليس يوم لهو وصيد وطرب، {إذ تأتيهم حيتانهم} أي أسماكهم {يوم سبتهم شرعاً} ظاهرة على سطح الماء تغريهم بنفسها {ويوم لا يسبتون} أي في باقي أيام الأسبوع {لا تأتيهم} إذاً هم مبتلون، قال تعالى {كذلك} أي كهذا الابتلاء والاختبار {نبلوهم بما كانوا يفسقون} أي بسبب فسقهم عن طاعة ربهم ورسله، إذ ما من معصية إلا بذنب هكذا سنة الله تعالى في الناس. هذا ما تضمنته الآية الأولى (163) وهي قوله تعالى {وأسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم5 حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، كذلك نبلوهم6 بما كانوا يفسقون} . وأما الآية الثانية (164) فالله تعالى يقول لرسوله اذكر لهم أيضاً إذ قالت طائفة منهم أي من أهل القرية لطائفة أخرى كانت تعظ المعتدين في السبت أي تنهاهم عنه لأنه معصية وتحذرهم من مغبة الاعتداء على شرع الله تعالى قالت {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً} وهذا القول من هذه الطائفة دال على يأسهم من رجوع إخوانهم عن فسقهم وباطلهم، فأجابتهم الطائفة الواعظة {معذرة1 إلى ربكم ولعلهم يتقون} أي وعظنا لهم هو معذرة لنا عند الله تعالى من جهة ومن جهة أخرى {لعلهم يتقون} فيتوبوا ويتركوا هذا الاعتداء، قال تعالى {فلما نسوا ما ذكروا به} وخوفوا منه وهو تحريم الله تعالى عليهم الصيد يوم السبت، ومعنى نسوا تركوا ولم يلتفتوا إلى وعظ إخوانهم لهم وواصلوا اعتداءهم وفسقهم، قال تعالى {أنجينا الذين ينهون عن السوء} وهم الواعظون لهم من ملّوا ويئسوا فتركوا وعظهم، وممن واصلوا نهيهم ووعظهم {وأخذنا الذين ظلموا2 بعذاب بئيس} أي شديد البأس {بما كانوا يفسقون} عن طاعة الله ربهم، إذ قال تعالى لهم {كونوا قردة خاسئين3} فكانوا قردة خاسئين ذليلين صاغرين حقيرين، ثم لم يلبثوا (مسخاً) 4 إلا ثلاثة أيام وماتوا.
رابعا:  الاقتراح على الله.
  قال تعالى : (وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 28 – 32]
دعوة للتعقل حتى لا تغرق السفينة.
 أرجو من  المعترضين على هذا الاتفاق أن يتعقلوا وأن يتجنبوا التشبه باليهود، أو ما فعله المشركون مع رسول الإسلام  محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم،  وقد حكى القرآن الكريم طرفا من ذلك
قال تعالى:( وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (45) قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)} [سبأ: 44 – 46]
قال  ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير:(والتعبير بصاحبكم إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال: ما بي من جنة إذ الكلام جار على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم كما تقدم آنفا. وفائدته التنبيه على أن حاله معلوم لديهم لا يلتبس عليهم لشدة مخالطته بهم مخالطة لا تذر للجهالة مجالا فهم عرفوه ونشأ بينهم حتى جاءهم بالحق فهذا كقوله: فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون [يونس: 16] . والاقتصار في التفكر المطلوب على انتفاء الجنة عن النبيء صلى الله عليه وسلم هو أن أصل الكفر هو الطعن في نبوءته وهم لما طعنوا فيه قالوا: مجنون، وقالوا: ساحر، وقالوا: كاذب.  فبقيت دعواهم أنه ساحر وأنه كاهن وأنه شاعر وأنه كاذب (حاشاه) . فأما السحر والكهانة فسهل نفيهما بنفي خصائصهما فأما انتفاء السحر فبين لأنه يحتاج إلى معالجة تعلم ومزاولة طويلة والنبيء صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم لا يخفى عليهم أمره، وأما الشعر فمسحته منفية عن القرآن كما قال الوليد بن المغيرة، فلم يبق في كنانة مطاعنهم إلا زعمهم أنه كاذب على الله، وهذا يزيفه قوله: بصاحبكم فإنهم عرفوه برجاحة العقل والصدق والأمانة في شبيبته وكهولته فكيف يصبح بعد ذلك كاذبا كما قال النضر بن الحارث: فلما رأيتم الشيب في صدغيه قلتم شاعر وقلتم كاهن وقلتم مجنون ، ووالله ما هو بأولئكم .
وهذا أحسبه ينطبق على السيد حمدوك  رئيس الوزراء بالنسبة لمن رفضوا اتفاقه الأخير مع السيد البرهان رئيس مجلس السيادة  حفظهم ربي جميعا.
د عبد الحكم عبد الهادي أحمد العجب – جامعة نيالا- كلية التربية- قسم الدراسات الإسلامية
abualiyal196511@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً