بهدوووء-
١
أيام ثورة ديسمبر وفي يوم ٢١ مارس، وبمناسبة عيد الأم ابتدرت مجموعة أقمار الضواحي والمعروف أفرادها كمحبين للفنان الراحل محمود عبدالعزيز، بتكريم أمهات شهداء الثورة السودانية، وفعلا بدأوا في الطواف عليهن، لكن لم تنته الزيارات إذ تم اعتقال جميع من شاركوا في هذه اللفتة شديدة الإنسانية والخصوصية والبالغ عددهم ٢٨ شخص، وحتى سائق الحافلة ناله من الاعتقال نصيب، و كانت معروضات بلاغ الطوارئ ضدهم، يا للدهشة..!! مصحف و سبحة بألوان علم السودان وسجادة، وطبعا لبؤس الخيال وفقر المبادرة، حاول من يفكر لهم الرد على جريمة قبض أقمار الضواحي فقرروا زيارة والدة الفنان محمود عبدالعزيز بواسطة عوض ابنعوف..
٢
شكل حدث إعتصام القيادة منذ ٦ إبريل وحتى مذبحة فضه، علامة فارقة في الحياة السودانية، تجاوزت الحدث لرمزية ما يمكن تسميته جمهورية إعتصام القيادة، في أكتوبر الماضي وكجزء من محاولة تهيئة المناخ لانقلاب ٢٥ أكتوبر، تم تنظيم اعتصام مدفوع الأجر، مُهيأ الخيام، مصنوع الطعام، لكنه اتحفر في ذاكرة السودانيين الحصيفة باعتباره إعتصام الموز و (الزمان مسغبة) ..
٣
بعد سقوط البشير و في أيام مماطلة اللجنة السياسية للمجلس العسكري وقتها، أعلنت قوى الحرية والتغيير عن وقف التفاوض مع العسكر في ٢١ ابريل ٢٠١٩، حبس السودانيون أنفاسهم في انتظار وماذا بعد، ليأتي قطار عطبرة في ٢٣ ابريل ليعيد تعريف موازين القوى وعظمة الشارع الثائر. حاليا مرة بعد اخرى يُسِّير بعض مناصري انقلاب البرهان وحميدتي، قطاراً من عطبرة نفسها للخرطوم دعما للانقلاب و لحكم الجنجويد والبرهان ..
كنت أعتقد أن الحكاية فقط في عدم الأصالة وضعف الخيال وفقر المبادرات و عطالة الموهبة، لكن الواضح أن هنالك محاولات هزيلة جدا للتشويش على رمزيات هذه الثورة، محاولات بائسه، لن يتذكرها أحد بعد وقت قصير، ولا حتى الكاتنبين لسيناريوهاتها، لأنهم يعرفون كم وكيف هي مختلقة. أما الثورة بكلياتها ، شهداءنا ، اعتصام القيادة، قطر عطبرة، جدارياتنا اشعارنا أفراحنا وآلامنا، هذا كله في وجداننا و وجدان أولادنا، و تبقى بعض المصطلحات راسخة في الذاكرة الجمعية السودانية، مُعرَّفة دونما حاجة إلى أل التعريف، فقط بالإشارة لها، فلا إعتصام غير اعتصام القيادة ولا قطار لعطبرة غير قطارها العظيم.
في أوقات تنفتح فيها أبواب السماء لاستقبال دعوات أهل الأرض، وفي وسط دعوات عديدة يناجي فيها البعض خالقهم بطلب الرحمة والمغفرة والعافية والستر، تنطلق حناجر قوم نظن بهم الصلاح، أن يارب العن عبدك البرهان،لا يلزمك أن تنتظر استجابة فورية لهذا الدعاء فهو من فصيل الادعية التي لا تتعجل نفاذ قدر الخالق، ولكنك تتتعجب كيف يغافل النوم أعين البرهان وحميدتي وخبرائهم الاستراتيجيين، عليهم اللعنة في الدنيا والآخرة أجمعين .. رحمتك وغفرانك ربي، وصبرك الجميل وجبرك بالخواطر ونصرك فهذا الوجع يخصنا جميعاً، كما الحلم وكما الوطن، يخصنا نحن الرجال والنساء .. يخصنا نحن الصغار والكبار .. يخصنا نحن بداخل وخارج البلد .. يخصنا نحن المهنيين والماشغالين.. هذه البلاد تخصنا جميعاً، ب (حلومرها)..خواطر ونصرك.
الأمل والجمال والمقاومة ..
في الفيلم البديع: (الخلاص من شاوشانك)، تقدم شخصية المحاسب و السجين البرئ (آندي دوفرين)، نموذجاً فريداً لأهم مبادئ المقاومة السلمية، وذلك من خلال إلتزامه بالهدف بتصميم وعزم بالغين، فهذا الرجل ظل يحفر في الجدار بتؤدة ودأب لمدة ٢٠ عاما، كما أنه ظل يخاطب الحكومة لدعم مكتبة السجن برسالة اسبوعية لمدة ست سنوات ولما ظهرت منهم بوادر استجابة للتخلص من ضغط كتاباته، لم يتوقف بل زاد معدل الخطابات إلى إثنين في الإسبوع.
من المشاهد الجميلة، لما أتيحت له سانحة أن يكون لوحده في المكتبة وبالقرب من ميكرفون الإذاعة الداخلية، قام بتشغييل موسيقى (لموزارت)، طبعاً إدارة السجن ركضت على المكتبة في مشهد أقرب لمشهدالمجانين، فوجدوه قد أغلق الباب من الداخل وفي أشد حالات الروقان والاستمتاع، أما حال زملائه المساجين فلا يوجد أفضل من وصف صديقه (ريد) والذي يمكن ترجمته: لقد بدا الأمر كما لو أن عصفورًا بديعًا قد انسلّ إلى قفصنا الصغير الرتيب، لتتهاوي مع صوته كل تلك الأسوار والجدران. وللحظات قليلة، شعر كل سجين في شاوشانك بالحرية .. النتيجة كانت تم ادخاله لحبس انفرادي، ولما خرج منه ولقي أصحابه سألوه: هل كانت المجازفة تستحق العناء؟؟
و هذا هوالمهم هنا، لأنه سؤال (يوماتي) يدور في السودان وفي كل الدول التى شهدت ثورات الربيع العربي، في العادة يكرر هذا السؤال الواقف على الرصيف وغير قادر على استيعاب كيف أن هنالك شخص عادي يشبهه، يمكن أن يقوم بهذه التضحيات، وما هو الدافع وماهو المتوقع؟
(آندي)اجاب على أصحابه، أن اسبوع الحبس الانفرادي هذا، مرّ عليه كأسرع لحظات في السجن..!،( ايووه )فعلاً، فالإيمان الحار، له في نفوس أصحابه حلاوة، وتزداد طلاوة مع الانتصارات مهما صغر حجمها، ويواصل في جزيئة مهمة جداً، وهو يقول أن السجانين لم يستطيعوا أن يمنعوه من مواصلة سماع الموسيقى التي يعشقها حتى وهو في الحبس الانفرادي، لأنها كانت في عقله وقلبه ( بستانه في صدره وجنته في عقله)، وبعدها شرح لهم العلاقة الطردية مابين المحافظة على تذوق الجمال والاستمتاع به وبين إبقاء الأمل حياً في نفوسهم، وهنا خاض حوار قصير لكنه مهم جدا حول الأمل، أعتقد أن هذا من أهم محاور الفيلم والرواية، صديقه ريد المقرب منه يعتقد أن (الأمل) خطير جدا لأنه يمكن أن يفقدك عقلك، و (آندي) يعتقد أن الأمل هو أفضل الأشياء، ولايوجد شئ جيد يموت على الإطلاق.
الخلاصة يقيني أنه المحرك الأساسي لسعينا نحو التغيير الشامل (الثورة هي بعض من أدواته) يستند على أملنا وايماننا بأنه في الإمكان افضل بكثير مماهو كائن، الفرق أن هذا الأمل قبل الثورة كان مجرد تمنيات، لكنه مع فعل الثورة المتخلق (يوماتي)، يتعثر هنا ويقوم هناك، يخطئ ويصيب، تحول لأمل مسنود بالعمل ،(و زي ماقال كابلي: بأملنا و بعملنا نبني جنه) ومرتكز على نجاح تجربة إسقاط النظام البائد، ويقيني أن مايقوم به جيل الثائرين الآن هو سحر مشابه لما فعلته الموسيقى في نفوس أولئك المساجين. لم ولن يمر يوما على هذه الثورة بدون ما (يراكم) وعي الناس بحقهم وقدرتهم على فعل ما ظنوه مستحيلا..فلنتحصن بالأمل، و نستعين بالعمل (مع حسن الظن في الخالق طبعاً) و لا ننسي نصيبنا من تذوق الجمال في الفنون وفي كل شئ.. الثورة عاطفة وعمل، الثورة شعر وفكر و إلتزام، والثورة أمل محصن بالتعقل ضد الإحباط.. و..و
والسايقه واصلة…
مشوار مختلف في عز الثورة والغضب..
(وتمشي معايا
وتمشي معايا)
وتمشي معايا)..
يصِّرُ وردي على التأكد من إنك منتبه لهذا المشوار القادم،
ثم يضيف (معايا)، أربع مرات، يقولها بعرفان الامتنان على الرفقة، ضمن مباهج كثيرة تستحق الامتنان،
ويفصح بعدها عن الوجهة:
..(وسط روحي)
…
قادر تتخيل انك سايق المحبوب وسط شوارع و زقاقات روحك؟
يشوف كل الحتت،
المضلمة والنورها جاهر..
العشوائية والمخططة بأعظم مهندسين ..
وفي الغالب، هذه الزيارة التفقدية لا أعتقد يتوافق عليها، لوما كان الجزء الاكبر من (كراكيب الروح اتلّم واتضاير)، ولوما كان (الحوش مرشوش ومفروش)
و لوما كانت الروح (بقت زي) ما وصف الدوش في (الحتة القبلها)، وهو بِمتِّع نفسه بالدهشة؛
طبول بتدق
وساحات لي فرح
نوّر وجمّل للحزن ممشى ..
….
ولكي يبين لك تأثير المحبوب، فيلزمك سماع آخر المقطع:
(لا البلقاهو بعرفني
ولا بعرف معاك روحي)
….
طبعاً مجدي النور، عبر فرقة ساورا قدم فكرة مشابهة في (رموش الصيف) وهو بقول:
متمني أسوقك
مشوار جوه الروح ..
لكن الدوش و وردي يكسبوا بجدة الفكرة وطلاوة العبارة و عذوبة اللحن و أداء العبقري الفريد محمد وردي ..
(الحزن القديم)
(الدوش وردي)
mido34067@gmail.com
///////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم