دلالات ومعاني في يوميات اول امريكي زار السودان (1821م) (6) عاصمتان في رحم الغيب .. بقلم: عبد الله حميدة

منذ ان تحرك جيش حملة اسماعيل من بربر تجاه سنار -كما سجل (إنجلش) في يومياته -التزم الضفة الغربية للنيل الي ان وصل مقرن النيلين الابيض والازرق . ثم عبر الي ضفة النيل الابيض الشرقية المتاخمة لبقعة ( المقرن .)
وطوال الرحلة الشاقة قبل وصول الحملة الي هذه البقعة لم يمرالجيش الغازي علي اي من المدينتين الهامتين : (شندي) حاضرة الجعليين او: ( الحلفاية) عاصمة العبدلاب التين تقعان علي الضفة الشرقية. لكن (إنجلش ) ذكر ان جيش الحملة توقفت في الشاطئ الغربي المقابل لشندي وانه قد عبر الي المدينة بصفته الفردية وشاهد مبانيها ووصف اهمية موقعها كملتقي طرق للقوافل التجارية.هنا يبرز سؤال بدهي وهو : لماذا اتبعت الحملة هذا المسار ولم تعط اعتبارا للمدينتين المذكورتين ؟
هناك سببان موضوعيان. السبب الاول هو ان المعلومات التي توفرت للحملة بواسطة الادلاء قد أشارت الي ان النقطة المقابلة لمقرن النيلين عند النظرإليها من جهة ضفة النيل الابيض الغربية هي الانسب لعبور الجيش وعتاده – نسبة لضحالة المجري – الي مايسمي بداية (بر سنار) اي الموقع الذي انشئت عليه الخرطوم فيما بعد . واما السبب الثاني فهو ان الاهمية العسكرية للمدينتين المذكورتين قد انتفت جراء استسلام المك نمر في بربر وضعف مشيخة العبدلاب التي جاء كبيرها ( الشيخ ناصر)خاضعا عند وصول الجيش الغازي قبالة الحلفاية.
يصف ( إنجلش) اقتراب الحملة من نقطة العبورألي ما كان يعرف بالبر السناري بقوله : ( عبرنا السهول الصخرية الجرداء الي ان بلغنا ارضا علي حافة النهر تنتشر فيها قري عديدة …ثم مررنا بأراض رملية مغطاة بأشجار السنط الشائكة التي عوقت مسيرة الجيش ودفعته للانعطاف عن الطريق عدة مرات ، مما ادي الي انحرافه عن الاتجاه الصحيح . وظل الجيش يتخبط حتي منتصف الليل قيل ان يبلغ ضفة النيل من جديد.)
وفي اليوم التالي – يقول إنجلش – : (تقدم الجيش ثم توقف قبيل الظهر عند شاطئ النهر قبالة ( الحلفاية ) وهي قرية كبري علي الضفة الشرقية مكثنا فيها لأربعة أيام بغرض الحصول علي الذرة لغذاء الجنود .ثم استأنفنا المسير علي امتداد شاطئ خال من السكان ومن ورائه صحراء علي مد البصر. وقبيل الغروب وصلنا الي نقطة يقترن فيها النيل مع البحر الابيض حيث حط الجيش رحالة).
ولو كان ( إنجلش ) يعلم الغيب لبدل صيغة فقرته السالفة بما حدث بعدها بسبعة عقود ولقال : (استأنفنا المسير علي شاطئ” الريف الشمالي لأم درمان” ومررنا ب: “بالحتانة وود البخيت وابو روف والموردة الي ان وصلنا الي ابو سعد” حيث حط الجيش رحاله) …وأني له ان يتخيل ان هذه البقعة ستصير يوما ما (بقعة المهدي) وعاصمة دولته
ويواصل (إنجلش) يومياته فيقول : (وحال وصولي الي نقطة العبور الي البر السناري ،نهلت من ماء النهر الذي احسب انني اول الافرنج الذين تذوقوا طعمه .)…ثم انتابته “حالة امريكية” فعبر عنها بقوله: (.. وبمزيج من الفخر والابتهاج غرفت غرفة من مائه متمنيا المجد والرفاه لجمهورية الولايات المتحدة العظيمة الحرة .. ارض الأحرار وموطن الرجال الشجعان.)
وبعد قرن من وقفة( إنجلش) عند نقطة العبور المذكورة اقام الانجليز في نفس النقطة قنطرة تعرف اليوم ب :كبري النيل الابيض او (كبري الحديد ) لربط مدينة ام درمان التي كانت (عاصمة المهدية)بالخرطوم “عاصمة الترك” …عاصمتن متزامنتان متجاورتان متنافرتان لم يات ذكر لاي منهما في يوميات (انجلش) لانهما كانتا يومئذ في رحم الغيب,
ولا يعلم الغيب الا رب العزة جل وعلا: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم مافي البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولاحبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين .)
فأني لانجلش ان يعلم واني لنا نحن من بعده.؟
( نواصل)

aha1975@live.com
/////////////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً