حل أزمة السودان السياسية الآن تنتظر ميلاد أفكار جديدة على بعد عقدين من الزمن

 


 

طاهر عمر
24 May, 2022

 

حل أزمة السودان السياسية الآن تنتظر ميلاد أفكار جديدة على بعد عقدين من الآن و هنا نحاول أن نعطي بعض الأمثلة علها تساعدنا في تفادي انتظارنا لميلاد أفكار جديدة نحتاجها اليوم لحل مشكل سياسي و اجتماعي كبير يخيّم على نخب سودانية سيطر على أفقها عقل الحيرة و الاستحالة عندما لم تستطع أن تفك إرتباطها بعقل الخلوة رغم إرتيادها لتعليم حديث إلا أنها تعاملت معه بعقل الخلوة.
مثلا عمانويل تود المؤرخ و الاقتصادي فرنسي عندما تنباء بسقوط الاتحاد السوفيتي منذ بداية النصف الثاني من سبيعنيات القرن المنصرم و فعلا بعدها بخمسة عشر عام انهار جدار برلين و عمانويل تود من حينها قد أصبح يعرف في فرنسا بالفيلسوف النبي.
عمانويل تود لم يقراء الكف بل إستخدم مؤشرات و منها زيادة معدلات وفيات الاطفال في الاتحاد السوفيتي كمؤشر على أن المجتمع في تآكل و قد أصبح آيل للسقوط و هناك كثر قبله تنبوا بسقوط الاتحاد السوفيتي بسبب زيادة خصوبة النساء في الجمهوريات الاسلامية في الاتحاد السوفيتي و لكن لم يكن ذلك من أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي و لكن عمانويل تودد ركّز على مؤشر وفيات الأطفال و زيادة الوعي السياسي في بعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي و بالتالي قد أدت الى وضوح الرؤيا و نضوج الهدف فيما يتعلق بإهتمام الناس بمسألة الحرية و العدالة و قد أدت لسقوط الاتحاد السوفيتي بعد ما يقارب العقدين من نبؤة عمانويل تود.
و هنا عندنا في السودان بسبب تقدم وعي الشعب الناتج بسبب التقدم التكنولوجي و قد رفع مستوى وعي الشباب مما جعلهم ينجزون ثورة عظيمة كثورة ديسمبر فقد تفاجاء الكيزان بارتفاع وعي الشباب السوداني بشكل منقطع النظير و قد سقطت الانقاذ الثمرة المرة للحركة الاسلامية السودانية تحت أقدام شباب قد وضحت له الرؤيا و نضج هدفه من أجل إنجاز دولة حديثة شعارها حرية سلام و عدالة و هو شعار يجسد متابعة السودان لمواكب البشرية التي تعانق فكر الحرية الاقتصادية و الحرية السياسية كما رأينا أوروبا الشرقية بعد سقوط الشيوعية تسير لتحقيق انجازات قد سبقتها عليها دول أوروبا الغربية و أمريكا و قد نجحت بعض دول اوروبا الشرقية في مسألة انتقالها من نظم الشيوعية الشمولية.
و لكن عليك أيها القارئ مراقبة ما حدث بسبب بوتن و ها هو يقرر كديكتاتور الدخول في حرب ضد أوكرانيا و هنا تنام أسرار سر البناء الأسري و دوره في تحقيق النظم الشمولية و معروف أن الروس تسيطر على مجتمعهم ثقافة الأسرة الجذعية و بالتالي لا يمكن إنتاج نظام ديمقراطي في ظلها و لهذا كانت النتيجة سيطرة بوتن على المشهد و يتصرف كديكتاتور يجسد دور الأب و عليه تحتاج روسيا و المجتمع الروسي لجهود تساعدهم في نبذ ثقافة الأسرة الجذعية و التوجه الى ثقافة الأسرة النووية التي تنتج نظم ديمقراطية ليبرالية و تحتاج لمراقبة و مساعدة كما حصل لألمانيا بعد نهاية النازية و قد ساعدها الغرب لكي تتجاوز ثقافة الأسرة الجذعية.
و بالمناسبة المجتمع السوداني تحتاج نخبه لمساعدة و خاصة القابعة تحت أحزاب الطائفية و الحركات الاسلامية و الشيوعيين السودانيين لأنهم جميعا تحت نير ثقافة الأسرة الجذعية و لا تنتج نظم ديمقراطية لهذا فشلت النخب السودانية فيما يتعلق بالتحول الديمقراطي الذي يسبقه التحول الاجتماعي و هذا ما ننبه له النخب السودانية و هو أن تتخلص من انتماءها لأحزاب يحل فيها الحزب دور الأب البايولجي الذي تركه العضو في البيت و لكنه استبدله بحزب يقوم بالسيطرة على العضو كما سيطرة ثقافة الاسرة الجذعية و هو ان الأب هو صاحب القرار النهائي و إذا أردت ان تتأكد من ذلك أنظر لحديث الشيوعيين السودانيين عن حزبهم الحزب قال الحزب حلّ و الحزب نزل و هم يتحدثون عن قداسة الحزب كما قداسة الأب المتروك في البيت و بالتالي فأنهم أعدى أعداء التحول الديمقراطي في السودان نسبة لتمسكهم بفكر شيوعي لا يؤمن بفكرة الدولة من الأساس.
نترك عمانويل تود و نعود لهشام شرابي في بداية التسعينيات من القرن المنصرم في نقده الحضاري للمجتمعات العربية و الاسلامية و قد أوصى هشام شرابي النخب في العالم العربي و الاسلامي بأن تهتم بالفكر الأوروبي في الثلاثين سنة الأخيرة لأن هشام شرابي يعرف جيدا بأن النخب التي دمرت شبابها في أحزاب الايدولوجيات المتحجرة كحال النسخة الشيوعية السودانية لم تنتبه أصلا للتحول في المفاهيم وفقا للظواهر الاجتماعية و نبه أيضا بأن مثل أحزاب الطائفية كحزب الأمة و حزب مولانا الميرغني و أتباع الحركات الاسلامية أنها أحزاب تمثل حواضن الأبوية المستحدثة و لا يمكن أن تنتج تحول ديمقراطي لأنها أحزاب لجؤ الى الغيب و أن الفكر الديني أكبر حاضنة للأبوية التي لا تنتج غير مفهوم السلطة التي تعني سلطة الأب و ميراث التسلط.
و الغريب العالم العربي و الاسلامي الآن في حيرة و كان يمكن ان يتفادى حيرة الثلاثة عقود الأخيرة لو استمع لنصيحة هشام شرابي و لكن في ظل المجتمع و ظواهره ليس من السهولة تفادي ضياع الزمن و خاصة في غياب شخصيات تاريخية تتوافق أفكارها مع رغبات البرجوازية الصغيرة و هذا مهم و يجب مراقبته و نضرب مثلين بطليهما صاحب النظرية الكينزية و الآخر الرئيس الأمريكي في زمن الكساد الاقتصادي العظيم.
مثلا كينز قال ان الإكراهات التي وضعت فيها ألمانيا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى سوف تفتح على حرب أخرى و صدق بعدها بعقدين اندلعت الحرب العالمية الثانية و كان لو انتبهت النخب الاوروبية لتفادت الحرب العالمية الثانية و لكن هناك أسباب أخرى كانت أقوى و هي أن أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى في حقبة نهاية فلسفة التاريخ التقليدية و استقبال للفلسفة التاريخ الحديثة و لم تؤسس أفكارها بعد و قد رأينا بعد عشر سنوات من نهاية الحرب العالمية الأولى كيف حدث الكساد الاقتصادي العظيم لينهي فلسفة التاريخ التقليدية و يبدأ بعدها التأسيس لفلسفة التاريخ الحديثة.
و على ذكر متى بدأت تلوح نهاية فلسفة التاريخ التقليدية و هذا مهم جدا لأنها قد أخذت ما يقارب الأربعة عقود حتى تتوقف عجلتها نهائيا في الكساد الاقتصادي العظيم و تقف فاعلية اليد الخفية لأدم اسمث و تبدأ فلسفة تاريخ حديثة لم تظهر لها أي ملامح في كتابات و نجدها قد ألمح لها أرنولد توينبي الكبير في عام 1883 بأن فلسفة التاريخ التقليدية قد بدأت شمسها في الأفول و أحتاجت لما يقارب الأربعة عقود حتى تغيب نهائيا في لحظة الكساد الاقتصادي العظيم في عام 1929 و لأن اوروبا لم تتهيئ لتفادي أثارها فقد وقعت تحت تبعية أمريكا عندما رضيت أن تدخل كطرف في الحرب العالمية الثانية بشرط تبعية الاقتصاد الاوروبي الى الاقتصاد الامريكي و قد رأينا مشروع مارشال لاعادة بناء أوروبا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
كل المؤشرات تقول بأن النخب السودانية لم تفهم الدرس بعد و لا تريد أن تتوحد في جسم معارض لانقلاب البرهان الفاشل و هذا يذكرنا بأن هناك إمكانية تفادي الاكراهات التي تقف في طريق التحول الديمقراطي و هو نتاج التحول الاجتماعي الذي تقوده فكرة الدولة كمفهوم حديث غائب عن أفق النخب السودانية و معروف أن الشيوعيين السودانيون في وهمة نهاية التاريخ و انتهاء الصراع الطبقي ضد فكرة الدولة من الأساس و لذلك كل نشاطهم هو تشتيت جهود السودانيين مثلا تخفيهم تحت قناع لجان المقاومة هو نوع من عدم مقدرتهم لفهم أن التاريخ لا ينتظر من يتأهب للخروج من التاريخ كحالة نخب الحزب الشيوعي السوداني.
و علية ننبه الشعب السوداني لنشاط الشيوعيين السودانيين و هو نشاط يريد أن يضعف قوة الشعب السوداني و هو في طريق تحوله الاجتماعي و تحوله الديموقراطي و نرى الحزب الشيوعي يريد ان يجعل من لجان المقاوم جسم أفقي بلا رأس و لا يمكن ان تبرز من بينهم شخصية تاريخية متميزة في الفكر مثلا في زمن الكساد لاقتصادي كما رأينا كينز و نظريته النظرية العامة أو شخصية تاريخية على الصعيد السياسي كما قاد روزفلت الشعب الامريكي الى لحظة خروجه من الكساد العظيم.
و هنا نقول لعبد الواحد و الحلو أن الشيوعيين السودانيون يريدون تشتيت بؤرة الثورة و خلق جسم هلامي لا رأس له و لا يمكن التعامل معه و لأنهم يريدون إطالة أمد الصراع و في اعتقادهم سيؤول في نهاية المطاف و يميل لجانب سيطرتهم على المشهد و من بعدها خلق دولة كفنزويلا او كوريا الشمالية بفكر شيوعي قد أصبح أمام الرياح هباء و أظن أن السودان لا يحتاج لأعادة كيزان حمر و هم الشيوعيين السودانيين و قد رأينا خلال ثلاثة عقود ماذا فعل الكيزان الاسلاميين في المجتمع السوداني فلا نريد كيزان شيوعيين يقطعوا طريق تحولنا الديمقراطي بمعنى التحول الذي يجسد الفكر الليبرالي بشقيه السياسي و الاقتصادي.

taheromer86@yahoo.com
//////////////////////////

 

آراء