الباشمهندس محمد موسي ادم وعبير الأمكنة 11/15

نواصل عن ماقلناه في الحلقة السابقة عن دبة البنزين
هناك ائتمارات راتبة في دبة البنزين تبلغ ذروتها في نهارات الصيف الغائظ فظلها الظليل ورمالها الناعمة تزيل عن الكثيرين القادمين من مواقع عملهم الرهق والعنت فاغلبهم من الاجراء والعمال وأصحاب المهن الهامشية كانت اقدامهم تغوص في تلك الرمال يبحثون عن خلاص مؤقت من حمارة الغيظ ولهيب النهار تبدو عل محياهم التعب اجسادهم تنبط بارث الكد والعرق فقد كانت الدبة لهم ملاذا امنا او وطنا صغيرا يتجاذبون اطراف الحديث وفي عيونهم شيء من الرضا كان الجميع يستنشق عبير المدينة من نسمة رقيقة قادمة من شمال المدينة باتجاه الجبال الشمالية الشاهقة واحيانا قد تحمل اليهم الريح كتاحة تفسد عليهم مقيلهم بعضهم يتوسد أياديه الخشنة وبعضهم يجلسون بصمت فمعظمهم من عمال اليوميات الذين يعملون بالاجر اليومي من شاكلة اعمال البناء وكسر وتوضيب الحجارة في الجبال التي لاتبعد كثيرا من صحن المدينة التي تحيط بها إحاطة السوار بالمعصم كذلك تعتبر المنطقة جاذبة للذين يبحثون عن العمل فبعض ارباب النعيم ياتون اليها بحثا عن العمال وذلك حسب نوعية العمل وطبيعته كان المنتدي عامرا بمجموعات استمرأت العطاله وليس لهم مهن معروفة لكنهم اشتهروا بنقل الاخبار والاحداث ( السماوات التي حدثت وتحدث في المدينة ومنهم من اشتهر بتلفيق الاحداث وتزويرها فينسج من خياله حكايات واقاصيص لاتنطلي علي الكثيرن لكنهم يقبلونها ويتفاعلون معها ومن اشهرهم { جبدو قصر} فهو رجل اعتاد ان يضحك الجميع خاصة عندما تلعب برأسة بنت الزبون فيتحول كل عضو في جسده الي قصة وملحه وطرفة كان من طرافته يغلق كفه الايمن ويضعه في فمه فينفخ فيه نفخة داوية يحاكي نفخة البروجي الذي ينفخ نوبة الصحيان داخل ( القرقول )؟كانت المدينة كلها تسمع هذه النفخة فيدركون ان اليوم {جبدو قصر } اجواؤه مظبطة (جبدوا ) كان يعتقد بانه اسرافيل نافخ الصور واحيانا يعتمد عليه بعد سكان الاحياء البعيدة علي افطار رمضان فقد كان معظم سكان المدينة يعتمدون علي نقارة الشرطة في الافطار والسحور وكان جبدو وفي احايين كثيرة يقوم بنفخ كيره قبل مواعيد الافطار خاصة في الامسيات الغائمة فيتناول الأهالي الافطار ثم يسمعون نقارة الشرطة الرسمية فيلعنونه ويسبونه لكنة لا يابه الي سخطهم وكم مرة استدعته المحكمة وانذرته بامر مكتوب الايخدع الصائمين وعليه ان يتأكد من دنو ساعة الإفطار ويتيقن منها ولكنه لا يلتزم فالامر خارج سيطرته بعد ان يتناول بنت الزبون لايهمه احد بل يفعل ماتوحي اليه افكاره
عموما دبة البنزين سميت بهذا الاسم لانها تجاور مخزنا للوقود والبنزين وهي ساحة رغم صغرها الا انها جامعة لمختلف الفئات العمرية واحيانا قد يصادف الرجل ابنه في هذا النادي العامر بعضهم يمارس لعبة ( السيجة او الضالة ) ومن اشهر روادها ( كنين علي محمود وعبدالله ابو سُفلتك وسليمان شاخور وهما من اشهر الطباخين بمدرسة امكدادة الوسطي (فابو سفلتك ) كان رجلا انيقا يحب العطور والجلابيب الفاخرة وكذلك عمنا سليمان شاخور فقد كان رجلا اجتماعيا محبوبا وسط الاهالي ومشهور بضحكته المجلجلة وكان يمزح مع الصغار والكبار ويطلق علي نفسه اسم ( سندير ) ولم اجد تفسيرا لهذه الكلمه او معنيً لها لكنها تفهم في سياق الفخر بنفسه وله ضحكة مجلجلة وعمنا تيراب وادم والشريف (أُويديم ) واسطي النهود وموسي حمدون والثلاثة جميعهم من البنائين المهرة وصالح شمس الدين ( ابو فليطة ) وعمر كُريد وخاطر ودكليل ويوسف حميدة وكمال الزاكي صالح وعثمان عجب ورابح صقر وخاطر حسين قطعا هنالك زمرة من هذه المجموعة تحضر فقط لقتل اوقات الفراغ وتستمتع بلذيذ الانس بعضهم ارهقتهم واثقلت اقدامهم مشروب الكوشيب المعتق ويصعب عليهم استقلاع اقدامهم من وسط تلك الرمال الناعمة ويصبحون في وضعية ( الجمل برك ) كما ورد في كتاب الانداية لاستاذنا الطيب محمد الطيب وهناك صنف اخر من اصحاب الدخول المتوسطة وهم شبه افندية ينالون حظوظا من منتجات البلح المصنعة محليا وهذا النوع من المشروبات لا يفقد الانسان وعيه ولكنه يعقد لسان شاربه واحيانا يقوم بتغير نطق الحروف وتداخلها في لسانه فكلما كانت الكمية المحتساه كبيرة كلما كثرت الرترتة وتقطيع الحروف
. لم تكن دبة البنزين مجرد رملٍ أو تل وأشجار بل كانت قلباً نابضاً بالذكريات، وأرضاً تحفظ أحلام الكبار وأسرار الطفولة
بالطبع معظم هذه المجموعة في هذا الملتقي الحشيد لايتناولون هذه المشروبات وليست لهم علاقة بتلك الحانات المعروفة في امكدادة ولكن جميعهم كانوا متصالحين مع بعضهم البعض وكثيرون منهم كانوا يستصحبون أصدقائهم الذين خرجت عقولهم من الخدمة حتي بيوتهم ويردونهم اليها دون منٍ أو اذي
تلتقي هذه المجموعة بعد صلاة الظهر و منهم من يأتي اليها بعد نهاية الدوام مباشرة لم يغيروا حتي ملابس العمل واحيانا ينظمون مباريات للضالة أو السيح وهي اللعبة المحببة الي الجميع وهي تحتل قائمة الترفيه بلا منازع يقسمون انفسهم الي مجموعتين المجموعة الاولي تضم كنين وسليمان شاخور وعلي رباح وعدد من الافندية والموظفين والعسكريين من رجال الشرطة اما المجموعة الثانية تضم عبدالله ابو سُفلتك وبتنجو وعبدالله احمد داؤود ( طبيز ) كانت اصواتهم صاخبه تسمع من بعيد خاصة عندما تحتدم المنافسة بين الأطراف هنالك ايضاً مجموعة من طلاب المدارس العليا والجامعات ايضاً لها ناد غرب ميدان الكرة مباشرة في تل رملي ناعم بالقرب من حجارة مكومة اظنها ملك للمرحوم الشريف صديق الذي كان له حيازات كبيرة في تلك المنطقة وكان ينوي تعميرها بالمواد الثابته والذين عاصروا تلك الفترة يتذكرون ذلك كان سمار هذا المنتدي يتزعمهم نجيب بدوي وابراهيم عثمان (ابو سمبلة ) عليه الرحمة والاخ هاشم زين العابدين ومعاوية نور الدين وصلاح علي احمد
( ابو قطاطي) وحسن حبيب جديد وعمر طويشة ومحمد مصطفي الكردفاني ونحن جايلنا هذه المجموعة وكنا نجلس بالقرب من مجلسهم ونستمع الي حكاويهم المضحكة والتي عادةً ما يكون راويها الاخ ابراهيم عثمان وهو أمير هؤلاء السجالا فيروي لهم قصص وحكاوي لم تخلو من المبالغة والتي احيانا تجعلنا نضحك اكثر من رواد المجلس وعلي الرغم فارق العمر كنا نشاركهم بالفرحة والانبساط فكان ابراهيم عثمان يتذمر من وجودنا غير راضي عنا وكثيرا مايتهمنا بإفساد الجلسة وكان الاخ عبد الرحيم بدوي وهو من جيلنا كان دائما ما يواجهه بكلمة تخدشه وتوصفه بالكذب والمبالغة فيشتاط ابراهيم غضبا ويرفع صوته مخاطبا الحضور ( انتو ياجماعة كان دايرننا نونسوا اطردوا العيال الصغار ديل مايخربو لينا ونستنا) فماكان من الاخ نجيب بدوي وهو رئيس الجلسة ينبهنا بصوته الرزين اما ان نجلس بادب او نغادر مجلسهم

ms.yaseen5@gmail.com

عن محمد صالح عبد الله يس

محمد صالح عبد الله يس

شاهد أيضاً

في ذكري هاشم صديق (1949 —2024 )

محمد صالح عبدالله يسهاشم صديق شاعر كتب إلياذاتٍ خالدة في ديوان الغناء السوداني خلدت في …

اترك تعليقاً