تداعيات في العام من إطار الخاص وما بينهما

إحدى الأمنيات التي لم يقضِ الله لي تحقيقها هي الغناء، أو على الأقل العزف على آلة موسيقية ما!
العود يسكن رأس الدولاب الذي شفشفه الجنجويد وأحرقه أحدهم لإيقاد النيران، وما درى هؤلاء أنهم شفشفوا وأوقدوا جزءًا من ذاكرة وذكريات محببة. الدولاب القديم الذي لا يمكن تجديده، إلا بإذن لا يأتي، مثل منزلنا، خُلق ليكون قديمًا والقديم قدّامي. والعود في رأس الدولاب منذ طفولتي ونعومة أوتاره، لأن شقيقي منعش الملقّب بعبدالمنعم، كان يستخدمه سرًا وعلانية. وللبيوت أسرار، ومن أسرار بيتنا أن عبد المنعم يُحب الغناء والعزف، وهو مشهور في بعض النواحي ولديه معجبون. أدعو له بالشفاء من وعكة طارئة.
كان عبد المنعم يستغل بل ويستقل، مرسال جلب الفول في الأمسيات، للاندغام بين مسارح الحي، مسارح الحب والجمال وساحات اختلاس النظر للجميلات وهن كذلك ينظرن خلسة. وحين كان والدي – عليه الرحمة- يسأل، عندما يسمع صدى صوته يتردد في الآفاق: “الولد ده موش مشى يجيب فول العشا؟!” قبلها بقليل كان عبد المنعم قد فرغ من وضع ماعون الفول على الناصية، أي ناصية والسلام؛ وصعد على مسرح حفل الحي، في شموخ ودون وجل من العواقب. وحين يرتد صوته في نواحي المنزل، ندرك أن العشاء اليوم ستسبقه علقة ساخنة! لعبدالمنعم بالطبع!
هذا ما نشأت عليه، بالرغم من أن الوالد بثقافته الموسوعية المعلومة لكل من عرفه، وصوته الجهور القوي، كان يصحح عبد المنعم وأصحابه من المغنين الطرابى، حين يخطئون في قديم الغناء. حيّرت أفكاري معاك انت وين يا سيدي… فيقول أبي: “كلمة وين دي ترددها مرتين، ويجب عليك أن تمطّ الأولى كي يستقيم اللحن”! غُنا على قول سيدنا وردي!
لهذا وغيره، أحببت الغناء السوداني وسمعته وحفظت كثيراً منه، ولكني فشلت في أن أكون مغنيًا. ودائمًا ما أقول إن إخوتي سرقوا صوتي، وأضافوه للذي عندهم، فصار ما عندي أجش وأوحش. ولولا ذلك لما تركت لهم ولكم أغنية أحببتها إلا ورددتها.
أنظر: كلمة منك حلوة، أو قبال ميعادنا بى ساعتين، أو قلت ارحل، أو شجن، كل ذلك وأكثر. ولكنت معذبكم بإبن البادية وما منعه أو منحه هاشم صديق، ناهيك عن مصطفى سيد أحمد وكابلي وعركي؛ الله الله الله يا خلاسية، ولما تركت ود الأمين يردد وحده: يا معاين من الشُبّاك!
ولتشعبطت في جلباب أبي داوود، وسايرت حسن عطية الحجل بالرجل، ولكنت صرفت لكم من معين صلاح مصطفى ودندنات إسماعيل عبد المعين الماتعة، ولصحتُ: ” الله يا عوصمان حسين- بالصاد-ويا عوصمان الشفيع والتاج مصطفى وحميدة أبو عشر” لا أترك منهم أحدا!
لو كان صوتي مطلوقاً، والانطلاقة والطلاقة من عند الله، لما سمحت له أن يردد إلا ألحان ود الحاوي وناجي القدسي وابراهيم عوض وكلمات الحلنقي وحسن الزبير وعوض جبريل وعوض أحمد خليفة. ولاستلفت صوت الجابري عنوة ومن العميري غنوة، ومن أحمد المصطفى ظبية، وخلطتهم بصوت اللحو، ولطلبت من عاطف خيري كلمات من قصيدة لم يكتبها بعد. ولما تركت لحُميّد كلمة دون أن تُغنّى ولعرّجت على إدريس جمّاع وخرائده التي لوّنت حيواتنا، وتجاني يوسف بشير وسيد خليفته، درة حفّها النيل ودرة حفّت الجيد وأخرى تسحر الغيد، ولتلوت محجوب شريف وما تيسّر من الفيتوري، ولقلت لود المكي: “كفاك عبثاً بأعصابنا ورشفاً من البرتقالة، فساعات اللقاء قِصار ياخي”! ولقلّبت شعر المجذوب سيرة ودلوكة ومولد ومواجد، حتى تشرق على توفيق صالح جبريل شمس وجده في كل أرض السودان، حقيبة حقيبة.
رحم الله شقيقي المعز فهو من كان يحب “يا ناس انتو وين انتو” لمحمد حسنين ويرددها بصوته الحنون… حتى يميل العود طرباً على رأس الدولاب القديم، قِدم بيتنا!

عن البراق النذير الوراق

شاهد أيضاً

أفكار عامة حول النقد السياسي كمدخل للتطور والنهضة (5)

البراق النذير أميركا والسعودية.. من الشيطان الأكبر إلى الأخ الأكبر!وكل هذه العملية من المسايرة والدعم …