(د) (٣٦) إِیَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِیَّاكَ نَسۡتَعِینُ

بسم الله الرحمن الرحيم و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.

و العنوان إقتباس مباشر من سورة الفاتحة ، و جذر الفاتحة هو الفعل فَتَحَ ، و التصريف فَتَحَ يَفتَحُ الفاتحُ فتحاً ، و هنالك صيغ أخرى للمفعول به مثل المَفتُوح و الفُتُوح و الفُتُوحَات ، و الفتحُ هو عملية إزالة الإغلاقِ ، و إزالةُ الإغلاقِ تُفصِحُ عما ورآء المغلق ، و حتى إذا ما تم الفتحُ بإزالة الإغلاق ظهرت حقيقة الأشيآء ، و تَكَشَّفَت المعالمُ ، و بدت الأوصافُ و بانت التفاصيلُ كما هي ، و حتى إذا ما تم الغوص/الولوج في التفاصيل و البحث و الإستقصآء فيما ورآء المعالم الخارجية إتضح جوهر و كينونة الأشيآء ، و يقول العارفون أن هذا الغوص هو بداية العلم المفضي إلى عالم المعرفة الحقيقية…
و فاتحةُ الشيءِ تكون في المقدمة ، و في الغالب تكون المقدمة هي الدليلُ أو الدالةُ على ما سوف يعقبها ، و المرشدُ إلى دلالات المحتوى و الذي يقود إلى إدراك و فهم المعاني ، و هي التي تحمل المفاتيح و السبل إلى المزيد من المعرفة و الوعي…
و فاتحة الشيء أو الموضوع هي الأساس الذي ينطلق منه الباحث لمعرفة ما ورآء المقدمة ، و الأساس هو أصل كل شيء و مبدأه/مبتدأه ، و هو القاعدة التي يقوم عليها البنآء و يرتكز…
و قد يتسآءل المرء:
و لماذا كان الإستهلال في فاتحة الكتاب بإسم الله:
{ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ (١) }
[سُورَةُ الفَاتِحَةِ: ١]
و من هو الله الرحمن الرحيم؟…
و الإستهلال بإسم الله هو طلب للرحمة و العون و البركة و الأمان من الله الرحمن الرحيم ، و هو تأكيد و دلالة على التسليم له و الإيمان به خالقاً و معبوداً و سنداً و ملاذاً…
و قد جآء ذكر الرحمن في العديد من الآيات ، لكن يمكن الإستدلال على بعض معاني الإسم الرحمن من سورة الرحمن:
{ ٱلرَّحۡمَـٰنُ (١) عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ (٢) خَلَقَ ٱلۡإِنسَـٰنَ (٣) عَلَّمَهُ ٱلۡبَیَانَ (٤) }
[سُورَةُ الرَّحۡمَٰن: ١-٤]
و تعليم البيان و تَعَلُّمُه يقتضي أن يكون المتلقي مستعداً و عاقلاً حتى يدرك و يفهم و يعي معاني البيان ، و لهذا السبب كانت مشيئة الله الخالق أن تكون نعمة العقل هي الأداة/الآلية التي أنعم بها على الإنسان و مَيَّزَه بها عن بقية المخلوقات:
{ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَـٰهُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَـٰتِ وَفَضَّلۡنَـٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِیرࣲ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِیلࣰا }
[سُورَةُ الإِسۡرَاءِ: ٧٠]
و نعمة العقل هي التي تجعل الإنسان يعقل و يدرك و يفهم و يعي الفرق بين الخير و الشر و الهدى و الضلال ، و العقل و العلم من الأدوات الأساسية التي تعين الإنسان على القيام بواجبات و مهام و متطلبات الخلافة الأرضية الدنيوية…
و في سورة الرحمن فَصَّلَ الله سبحانه و تعالى المعاني و الأشيآء و الدلالات التي تُبَيِّنُ و تُعَرِّفُ من هو الله ، و التي تأكد ربوبيته ، و أنه هو الرحمنُ ، الخالقُ ، الأحدُ الذي خلق الكون بكل ما فيه من إنس و جن و موجودات/مخلوقات ، و أنه الإلهُ المسيطرُ الذي أقام/جعل الأسس و القواعد و القوانين التي تنظم الكون و الوجود ، و أنه المحيطُ الذي وسع علمه و كرسيه كل شيء ، و أن كل ما في هذه الحياة الدنيا فان إلا وجه الله ذو الجلال و الإكرام الذي هو الرب المالك الذي ينتهي الأمر عنده يوم القيامة ، حيث تُهَيَأُ السمواتُ و الأرضُ لبعث الناس من القبور و جمعهم من أجل المسآءلة و الحساب ، و حينها يُحشَرُ الكافرون في النار حيث يُخَلَّدُون في الشقآء و العذاب المهين ، بينما يُسَاقُ الذين آمنوا بالله زمراً إلى شتى أنواع الجنان ليخلدوا في الأمن و السلام و النعيم و السعادة…
و في إضافة إسم الرحيم إلى الرحمن لطفٌ و سعةٌ و مَنٌّ و فضلٌ إلهيٌ عظيم يبعث الأمل في الأنفس ، و يقوي الرجآء في المغفرة و الرحمة الإلهية ، و من رحمة الله سبحانه و تعالى ، التي وسعت كل شيء ، و لطفه و مَنَّهُ و فضله أنه قد جعل باب التوبة فاتحاً و متاحاً للعباد حتى مرحلة ما قبل الإحتضار ، و قد قيل أن ذلك الباب يظل مفتوحاً و أنه لا يغلق إلا عند بلوغ النفس الحلقوم ، فقد ورد في الحديث المروي عن عبدالله بن عمر:
(أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)
و إذا كان الله هو الرحمن (الخالق) رب العالمين و مالك يوم الدين و التواب الغفور الرحيم ذو الفضل العظيم فإن ذلك يوجب على الإنسان (المخلوق) الحمد ، و قد قيل أن الحمد يفضي إلى الرضا و الإرتياح و الإطمئنان ، و حمد الله سبحانه و تعالى يقتضي المحافظة على الصلة به و مداومة ذكره و الإخلاص في عبادته و الثنآء عليه بأحسن الأسمآء و جميل الصفات و كذلك شكره على جزيل النعم و العطآء بوسآئل متصلة/متواصلة و غير منقطعة ، و إذا كان الأمر كذلك فليس للإنسان سوى الإجتهاد في عبادة الله و الإستعانة به كما ورد في فاتحة الكتاب:
{ إِیَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِیَّاكَ نَسۡتَعِینُ }
[سُورَةُ الفَاتِحَةِ: ٥]
و تصريف الفعل عَبَدَ هو يعبدُ عِبَادَةً و عُبُوديةً ، و الفاعل عابدٌ و المفعول به معبودٌ ، و الفعل عَبَدَ يفيد الطاعة و الإنقياد و الخضوع و التذلل ، و قد يأتي الفعل في صيغة المبالغة بما يعني التسهيل و التمهيد كما في تعبيد الطرق ، أما في حالة البعير فإن التعبيد يعني تذليله و تهيئته حتى يكون مستأنساً و أليفاً و مطيةً سهلةً للركوب و الحمل…
أما نستعين فتعني طلب العون و المساعدة ، و من مشتقات الفعل أعان العون و المعين ، و العون يعني المدد و النجدة و الإسعاف ، أما المعين فهو المساعد و المساند و الظهير ، و الإستعانة تفيد بأن طالب العون ضعيف و أن المعين المستعان به قوي و يمتلك القدرة/القدرات على العون/الإعانة…
و الإستعانة بالله و عبادته تتجاوز الدعآء و طلب العون إلى التسليم الكامل و الخضوع التآم له و الرجوع إليه و الإيمان به من غير شرك ، و إلى إتباع أوامره و إجتناب ما حرم و نهى عنه ، و هذا هو ما يقود الإنسان حتماً إلى الصلاح و الفلاح و الصراط المستقيم الذي يحتوي على و يقود إلى فضآئل الأعمال و مكارم الأخلاق و نبيل القيم و نعيم العيش ، و ذلك هو سبيل عباد الله الذين أنعم عليهم بالعقل الراشد و الهداية و الإيمان و التقوى و الصلاح و فعل الخيرات و ترك المنكرات ، و الذين كفاهم الله سبحانه و تعالى شرور غضبه و الضلال…
و هكذا فإن سر النجاة في التسليم و الإلتزام بالإيمان بالله وحده لا شريك له و في عبادته و الخضوع له و طاعته و طلب العون منه عند الحوجة و الملمات بشروط أن يكون هنالك إخلاص و محبة خالصة للذات الإلهية ، و ذلك هو سلوك الصراط المستقيم المفضي إلى الحياة الدنيوية السعيدة الطيبة و كذلك جنان الحياة الأخرى و السعادة الأبدية ، و قد حذر الله سبحانه و تعالى عباده بأن إلتزام الصراط المستقيم ليس بالأمر السهل اليسير و ذلك لأنه طريقٌ محفوفٌ بالمخاطر و مزالق الضلال و الشرك و المكاره و الشهوات…
و لما حث الله سبحانه و تعالى العباد على عبادته و الإستعانة به أبان لهم أدوات الإستعانة التي تقيهم الإنزلاق في طرق/سبل الضلال و التهلكة ، و التي تساعدهم/تعينهم على بلوغ الأهداف المرجوة:
{ وَٱسۡتَعِینُوا۟ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِیرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَـٰشِعِینَ }
[سُورَةُ البَقَرَةِ: ٤٥]
{ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱسۡتَعِینُوا۟ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِینَ }
[سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٥٣]
و الصبر يعني الجلد و التحمل ، و الصبر يفضي إلى الطمأنينة التي تسوق الأنفس إلى الرضا و الهدوء و السكون/الإستقرار و السلام ، و الصبرُ أمرٌ عظيمٌ و قد وردت كثيراً تصريفات الفعل أصبر في القرءان الكريم و اقترنت بصفات: الإيمان و التقوى و الفلاح و الحكمة و الإحسان و الرضا و العزم و الأوبة…
و من معاني الصلاة الدعآء و كذلك عبادة الله ، و ذلك يشمل الصلاة الشرعية ذات الأوقات المعلومة و القرآءات القرءانية و الأفعال المخصوصة و الحركات المعلومة كما جآء في القرءان الكريم و سيرة الرسول النبي المصطفى صلى الله عليه و سلم…
و المأكد هو أن إقامة الصلاة من ذكر الله:
{ إِنَّنِیۤ أَنَا ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّاۤ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِی وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِیۤ }
[سُورَةُ طه: ١٤]
و قد أمرنا الله أن نذكره و نشكره و أن نؤمن به :
{ فَٱذۡكُرُونِیۤ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُوا۟ لِی وَلَا تَكۡفُرُونِ }
[سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٥٢]
و ذكر الله يقتضي المواظبة/المداومة ، و هذا ما ذهب إليه الشيخ المادح الفنان عبدالرحيم البرعي في مدحة رآئعة ذكر فيها أن المداومة على الذكر و الصلة الإلهية يجب أن تكون يَوت ، و اليوت يعني المداومة:
بَورِيك طبك…
أذكر إلهك يُوت…
و كأنه يقصد القول أن المداومة على ذكر الله الدآئم هي طب القلوب الذي يورثها الإحسان و العافية و المحبة الخالصة في أسمى معانيها:
أحسن فيمن عاداك…
و من يحبك…
بينما يقول العارفون أن عدم المداومة على ذكر الله هي عين الإعراض ، و قد بين الله سبحانه و تعالى عاقبة الإعراض عن ذكره:
{ وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِی فَإِنَّ لَهُۥ مَعِیشَةࣰ ضَنكࣰا وَنَحۡشُرُهُۥ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ أَعۡمَىٰ }
[سُورَةُ طه: ١٢٤]
و إذا ما أدى العبد واجباته تجاه خالقه من عبادة و ذكر و صلاة كما ينبغي فإنها حتماً تُعِين و تُقِي و تَنهَىَٰ:
{ ٱتۡلُ مَاۤ أُوحِیَ إِلَیۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ }
[سُورَةُ العَنكَبُوتِ: ٤٥]
و ذلك مما حرص عليه سيدنا لقمان عليه السلام في وصيته لإبنه:
{ یَـٰبُنَیَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَاۤ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَ ٰ⁠لِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ }
[سُورَةُ لُقۡمَانَ: ١٧]
و ذلك مما نوصيكم به و أنفسنا ، و ندعو ربنا سبحانه و تعالى القريب المجيب الذي يجيب دعوة الداعي أن يفتح علينا فتحاً مبيناً و كذلك أبواب/خزآئن رحمته…
و الحمد لله رب العالمين و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.

fbasama@gmail.com

عن فيصل بسمة

شاهد أيضاً

مقدمة وواقع ونتآئج وأسئلة تبحث عن إجابات

فيصل بسمةfbasama@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد. …