ربما لا يحدث هذا إلا في السودان: أن يُرفع العدل على أكتاف من دافعوا عن الظلم، وأن تُغلّف العدالة بعباءة التكنوقراط الزائفة.
كامل إدريس، الأكاديمي الذي أطلّ على السودانيين من بوابة الأمم المتحدة ووعود الشفافية و”الأمل”، عاد ليؤسس حكومةً مثقلةً بالوجوه القديمة، والأدهى أنه أعاد تدوير رموز نظام البشير دون خجل أو تمويه. حكومة لا تحمل من التكنوقراط سوى الاسم، ومن المدنية سوى القشرة، ومن المصداقية سوى الأوهام.
الإضافة الجديدة لحكومته، أثارت موجة غضب وسخرية. ليس فقط لأنها أبانت عن محاصصات مكشوفة، بل بسبب تعيينات مشبوهة كشفت عن أن الرجل لا يدير مشروعاً وطنياً بقدر ما يُجسّد عودة الكيزان إلى السلطة عبر واجهات متعددة، أبرزها الجيش واتفاق جوبا، الذي تحوّل من مسارٍ للسلام إلى منصة لإعادة تموضع عناصر النظام البائد.
أكثر هذه التعيينات سخرية، كان اختيار القائد العسكري بشير هارون وزيراً للشؤون الدينية والأوقاف، وأكثرها تأجيجاً للغضب؛ تعيين عبد الله دَرَف وزيراً للعدل، وهو من بين أشدّ المحامين المدافعين عن الديكتاتور المخلوع.
بشير هارون، القيادي في حركة جيش تحرير السودان، ليس من أهل الفقه أو الدعوة أو العلم الديني، بل قائد ميداني خرج من رحم الحرب لا من حلقات العلم. تعيينه على رأس مؤسسة تُعنى بالفتوى والمراجع الدينية والحج والوقف، ليس سوى عبث بالمقدسات واستهانة بمشاعر المجتمع. ليس وجهاً دينياً، بل أحد وجوه المحاصصة الفاقعة التي ضربت مبدأ الكفاءة، التي يتحجج بها إدريس؛ في مقتل.
ثم جاءت قاصمة الظهر، بتعيين دَرَف وزيراً للعدل، وهو محامٍ بارز في الدفاع عن البشير ورموز نظامه، وأحد الذين وقفوا ضد مطالبات ملاحقة الجناة بعد هروبهم من السجون إبّان ذروة الحرب. فهل من رسالة أوضح من هذه؟ أن يُعهد بمنصب إقامة العدالة لمن دافع عنها وهي تُقوَّض؟!
تعيين دَرَف ليس قراراً إجرائياً عادياً، بل يمثل في جوهره تقويضاً صريحاً لفكرة العدالة المنشودة وعدم الثقة في وجودها، لا حاضراً ولا مستقبلاً. إنه إعلان عملي عن عودة رموز النظام البائد من بوابة القانون، ليجلس محامي الظالمين على عرش من يُفترض أن يقيم العدل في بلدٍ منهك بالجرائم والانتهاكات.
أخطر ما في الأمر ليس التعيين ذاته، بل رمزيته: رسالة سياسية بأن رموز المؤتمر الوطني لم يُقصَوا فعلياً، بل يُعاد تدويرهم. وأن حكومة إدريس ليست إلا واجهة مدنية جديدة لمعادلات كيزانية ـ عسكرية قديمة، تحركها يدا علي كرتي والبرهان من خلف الستار. هما من يُمسكا بخيوط المشهد، ويهندسا توازنات السلطة وفق منطق “تحالف الضرورة” مع الحركات المسلحة وبقايا المؤتمر الوطني.
هذا ما توضحه إعادة تعيين شخصيات مثيرة للجدل أيضاً، كجبريل إبراهيم في المالية، ومحمد كرتكيلا في الحكم الاتحادي، وكلاهما من حلفاء الجيش منذ اتفاق جوبا.
كامل إدريس واحداً من إثنين: إما أنه متواطئ منذ البداية، أو مورست عليه ضغوط فاستسلم لها وأضاع البوصلة. فمن يختار درف وزيراً للعدل، لا يمكنه الادعاء بأنه يقود حكومة تحترم مفاهيم العدالة أو المحاسبة أو سيادة القانون، والذي يعيّن هارون وزيراً للأوقاف يوحي بأنه لا يريد أن يكون رئيس حكومة، بل غلافًا تكنوقراطياً لصفقة سياسية صرفة، تحوّل ما يسمّى بـ”حكومة الأمل” إلى “مجلس مساومات” لا يحمل أي مضمون فعلي للتغيير.
تعيينات إدريس الأخيرة لم تُغضب فقط مناصري الثورة، بل أظهرت أن الحكومة الجديدة تتجاهل عمداً ذاكرة السودانيين، التي لا تزال تحفظ وجوه القتلة، وتصطلي بنار العدالة المؤجّلة. فبينما لا يعلم أحدٌ أين يوجد عمر البشير، أو لماذا لا يُسلم أحمد هارون وعبدالرحيم حسين، تأتي الحكومة لتكافئ من دافعوا عنهم، وتمنحهم مفاتيح القضاء.
كامل إدريس لم يُخطئ فقط في اختيار وزرائه، بل خان الفكرة التي جاء باسمها: التغيير. حكومته ليست حكومة انتقال، بل حكومة قفزة مرتدة وبلا ضمير… إلى أحضان النظام الذي قيل إنه سقط.
لكن هذه ليست النهاية، ولن تكون. فالشعب، رغم الانكسارات، لا يُسلّم بالهزيمة. لقد جُرِّب قهره كثيراً، ولم ينكسر. كل وزير عدل مزيّف، وكل قاضٍ متواطئ، وكل صفقة في الخفاء، تزيد الوعي لا تُطفئه.
ففي هذي البلاد، تعرف الحجارة أسماء جلاديها، وتعرف المقابر من دُفنوا فيها بغير صلاة، وتعرف الأمهات أن الوقت طويل، لكن الحق لا يُمحى بمنصب، ولا تُنسى الجرائم بورقة تعيين.
ذاكرة السودانيين لا تموت، وثمة عدالة تمشي بين الناس، حافية وتحتها الجمر… لكنها لن تضلّ الطريق.
nizarsamandal94@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم