قراءة في رواية أرواح إدٌو “الكائن السماوي”

خيط النور
قراءة في رواية أرواح إدٌو “الكائن السماوي”
رواية أرواح إدّو للكاتبة إستيلا قايتانو، الرواية تقع، في ٣٦٤ صفحة من القطع المتوسط، وصدرت عن دار منشورات ويلز هاوس، الطبعة الثالثة ٢٠٢٥.
الكون فسيح، يتسع للجميع. الهواء يدغدغ أركان الزمان، ترتعش مفاصل الوقت، فتهتز جذوع الحنين. تنغمس صلاتنا بين خطايا الحياة والموت، فننزوي للبكاء ثم نفرح بلمحةٍ عصيّة. يجمعنا كأس ماءٍ لم ينضب معينُه، بين فتات الأرض ونبض الزرع، تحت السماء الزرقاء، وسط ضجيج السهول وامتداد الأفق. هناك تعدو الأسطورة، وتلازمها اللعنة، في ميثولوجيا تكشف تفاصيلنا المتماهية مع نوازع الشر والغضب والجنون وأحيانًا، التسامح.
كأننا خُلقنا لنجوب بقاع الفجر، ولتنغرس شجرة “أنمِ” وتسقي بحليبها كائنات الأرض العطشى. تتبعثر القبور في هضبة الجدة “إِدّو”، تحفها الأشواك خوفًا وحبًا، فتطلّ ماريا إدٌو ذلك الكائن السماوي من تابوتها، يعلوها الفجر، بأبنائها الغائبين.
هنا، في عالمٍ تتداخل فيه الأرواح مع الخراب، وتتماهى فيه الأمومة مع الخلود، لا تُقدّم أرواح إِدّو نفسها كرواية عن الحرب أو الجنوب أو الهوية فحسب، بل كرحلة رمزية في قلب الإنسان، في وحدته، إيمانه، وفي قدرته على النجاة.
مقتطف (طالما أننا وحيدون… أظن أن الحياة هي الإله… ص٣٢٤)، وتلك الجملة وحدها تصلح مدخلاً لقراءة نصٍّ يُقارب الحياة والموت لا كضدين، بل كقوتين متجاورتين، تتنازعان الجسد والذاكرة.
تتألف الرواية من اثني عشر فصلًا، تتوزع على ألسنة رواة متعدّدين، حيث لا بطل مركزي يقود النص، ولا نقطة انطلاق خطّية تسعى بها الرواية إلى “تلمذة” الشخوص أو تقييدهم في مسار تقليدي؛ بل على العكس، تقوم البنية السردية على تعدد الأصوات، تتحول الفصول إلى اعترافات متقاطعة تحمل في طياتها تأملات ضمنية حول معاني الحياة والموت، و الانتماء والاغتراب.
يفتتح الراوي العليم النص بجوّ مشبع بالأسطورة، حيث تسود نغمة ساحرة منذ الوهلة الأولى. ثم تتوالى الأصوات الداخلية (المنولوجات) للشخوص (ماركو، لوسي، بيتر، تريزا، جلاء، ثم الحفيدة)، وما يلفت في هذا البناء أن جميع الكائنات حتى الأرواح تشارك في السرد، ضمن مقارنة مستمرة بين الواقع والأسطورة.
استخدمت الكاتبة الميثولوجيا كإطار سردي وروحي لفهم الحالة الوجودية والسياسية في السودان، خلال حقبتي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وهي فترة اتسمت بالتشظي السياسي، والصراعات الأهلية، والتهجير القسري، وفقدان الهوية. وفي هذا السياق، تظهر الأرواح في الرواية ليس بوصفها كائنات خارقة، بل كشهود على الخراب، وكأنها ضمير خفيّ يراقب الأحياء ويعلّق على أفعالهم، ليعيد مساءلتها في ضوء معانٍ أعمق من اللحظة الظاهرة.
مقاربات:
ـ اللعنة وتأثيرها: (بعض اللعنات لا تفارق أماكنها، فهي كالأسماك تعيش في بحرها، وفي الغربة تفقد اللعنات مفعولها… ص٣٢٧)، مقاربة اللعنة هنا تجسيد لألم لا يُشفى إلا بالمواجهة.
ـ خرز الهوية المقطوع: (طالما أننا وحيدون، وأننا آخر فردين في اسرتينا، قد يراني الناس غريبة الأطوار ايضًا، ولكن بالنسبة لي كناجبة من ميتات محتملة، فالأمر مختلف، إنني أقدس الاستمرار في الحياة رغم النوائب، وأظن أن الحياة هي الإله الذي تتخيله يجلس على عرش السماء، بينما هو يعيش داخل كل فرد منا، ويربطنا بخيوط خفية، كل منا قد يكون سبب حياة أو موت الآخر… ص٣٢٤)، (ثلاثتهم: بيتر وماركو ولوسي، هل من الصدفة أن يكونوا وحيدين في هذا العالم، بخيوط شبه مقطوعة عن الماضي والأهل، كانوا كحبات خرز تهتك خيطها في زمان ومكان ما، والآن تجمعوا … ص١٧٥)، مقاربة الفرد دائماً مهدد بالضياع إن لم يتواصل مع جذوره.
-إعادة تأويل الحياة: (الناس محبوبون عندما يكونون احياء، ولكن عندما يموتون يتحولون إلى شئ مخيف، لأنهم ببساطة أصبحوا ينتمون إلى عالم آخر بعيد وغريب، ونحن نخشى الغرابة، لذا ترعبنا رؤية الجثث…ص٧٣) مقاربة يمثل الموت غربة ورهبة.

  • قدسية النيل: (منذ أن سكب الرئيس الخمور في النيل صارت البلاد تسير مترنحة، وسوف تسقط يومًا ما… ص٣٣١)، (قبل عام أعلن رئيس البلاد قوانين إسلامية…. كان رزاز الخمر يتطاير في كل مكان، وهروب الغازات الطيارة من الزجاجات، والعلب كانت تصدر اصواتًا تتفاوت بين الإنفجار وفحيح الأفاعي. انسابت الخمور بألوان شتى؛ الأحمر والمائي، والذهبي، كونت روافد صغيرة أخذت تنحدر صوب مجرى النيل… ص٣٣٩&٣٤٠) مقاربة النيل رمز الخطيئة والخراب.
    ـ شرف الجندية وأخلاقيات البقاء: (كيف تأخذ اجرًا مقابل إزهاق روحك تحت أي لحظة… ص١٨٨)، (كثيرًا ما يقول الجنود نأخذ مرتبات مقابل التعهد بأن نموت طالما الوطن يحتاج لذلك، عملنا يفرض علينا أن نتشبث باللحظة… ص ١٨١) مقاربة الجندية بين التضحية والصفقة القاسية مع الحياة!
    -الوطن مرآة الكرامة: (أنت تعلم يا حسن، مسألة الإنتماء لكل السودان مسألة مهمة بالنسبة لي، لأني لست ابن جهة ما، أنا ابن هذا البلد، بالتالي مسألة الهوية عندي مرتبطة بإمكانية المساهمة والمشاركة، ولعب دوري الكفاحي والنضالي في التغيير القادم، الوطن ليس جغرافيا، الوطن حقوق وواجبات وعطاء، لا نريد وطناً يشعرك بالغربة، ويحطمك كل يوم بطريقة مختلفة، ما نسعى لتغييره هو توسيع المشاركة حتى يرى كل منا صورته معكوسة على مرآة الوطن…ص ٣٥٩)، يقول حسن ( كلامك عين المنطق يا بيتر لقد طمانتني، وأنا معك تمامًا في عدم إلباس الدولة ثوب الدين، فالدولة الحديثة يجب أن تكون كافرة…. ص ٣٦٠)، (ضحك حسن بصوت عالٍ ينبع من نفس صافية لمقاربتي، لأنها مؤسسات، وأردف قائلاً: “يقول قائدنا إن الدولة لا تذهب الى الكنائس والمساجد، لأنها مؤسسات يجب أن تنشغل بالحقوق والواجبات في ظل دستور قومي يعلي من قيمة المواطنة بوصفها انتماء اساسيًا “… ص٣٦٠) مقاربة إعادة تعريف الوطن ومفهوم الدولة الحديثة.
    -الإيمان بالإنسان لا بالمعتقد: (ليس من شأني أن أدخلك الجنة، لدي اشياء اخرى سوف تدخلني الجنة، منها أنني جعلت منك رجلاً قوياً تستطيع أن تناطح الحياة دون وجل، يكفي العالم أن قلبك سليم، هذا هو الأهم… ص ٢٣٠&٢٣١)، (كان الأذان يسبق رنين أجراس الكنيسة وصياح الديكة…مسجدا كبيرًا ورائعًا بمئذنة طويلة مدببة تشير إلى السماء، وكان بيت الله الثاني الذي يقام في القرية… ص٧٩&٨٠) مقاربة العدالة تُبنى على الإنسانية لا الطقوس.
    -الحكمة الشعبية وتحولات المعنى: (الصبر في الأصل امرأة، وامرأة غير صبورة من السهل أن ينمو لها شارب… ص ١٥٩) مقاربة استخدام اللغة الشعبية كوسيط للتأويل.
    -الحب كيمياء الروح: ( في لحظة توهجت بين يدي كمسبحة الكهرمان، أضاءت الغرفة بضوء ليس كالضوء، وإنما امتدادًا لظلال تبرق في الظلام ككائن ابتلع فانوسا…. في كل مرة اتوه في تفاصيل هذه الطفلة البريئة، التي تنمو كل يوم كغابة منسية ولها ألف طعم النضج…. كنت كطفل يلاحق الفراشات في مستنقع مسكون بالأرواح…. ص ١٣٨&١٣٩) مقاربة يمثل الحب في الرواية وسيلة للبقاء.
    -أسطورة الخلود (الأمومة): (ظلت لوسي تنمو كعشبة متسلقة إلى ما بعد طفلنا الثالث… بجلد ناعم شديد السمرة، وشعر متمرد شديد السواد والخشونة ينمو نحو السماء، ولا ينسدل ابدأ، لتكتسب هيئة الأشجار….ص١١٧)، (الجميع حلم بماريا إدو وهي ترتدي تابوتها، تلوح ثم تختفي في قرص الشمس التي انفتحت ككوة في السماء، وأخذت تقذف أطفالًا كثيرين يهطلون إلى الأرض كالزٌُغب…ص٥٣)، (سوف تنجب كل تلك القبور يوما ما، لتجعلها تتنفس مرة أخرى… ص٥١)، (ثم ضربت على بطن ابنتها في موضع الرحم تماماً وخمشت بقوة كتلة اللحم تحت سرتها بكامل قبضتها، ثم قالت كأنها تتلو تعويذة خاصة: ” اي كائن داخلك من المفترض أن يتشكل ليكون طفلاً… ص٢٧)، (عندما ينمو شخص غريب في احشائك… نطلق عليه اسم طفل للتخفيف…تلك القوة التي تفرض سيطرتها على الجسد والمزاج والاشتهاء…أنها قوة الأحلام الأفكار الطموحات الانكسارات والهزائم الافراح الآمال النٌِيٌات، قوة الحب والكراهية، قوة الإرادة للخروج إلى الدنيا وتبوؤ مكانة بين الحيوات، إنها قوة الإنسان… ص١٧٢) مقاربة الأمومة ميثولوجيا روحية لصنع الخلود.
    ملاحظات:
    -تمثل الحرب في النص حدث ثانوي، فالأرواح القديمة غاضبة وروح إدو نموذج لذلك.
    -الأرواح التائهة ما هي إلا امتداداً للهوية الممزقة بالانفصال حيث أن النفوس لم تتصالح مع واقع الجغرافيا الجديدة فالارض والدم والروح أعمق من الخرائط السياسية ويتجلى ذلك في شخصية بيتر.
    -مخاطبة الشخصيات للأرواح ليست إلا حديثاً للذاكرة، كحديث الأمهات اللائي فقدن أطفالهن نموذجاً.
    ختامًا:
    أرواح إِدّو نصٌّ مُبتغى، يحاصرني بجماله الغامر؛ بالحب، وكيمياء الروح، واللعنة، وحتى الجنون.
    خلقت “نجمة الصباح” عالمًا فريدًا في بنائه وتخومه، عالمًا يحتفي بالسحر والدهشة حتى منتصف الرواية؛ لكن بعد ذلك، انقلب احتفائي إلى حزن، إذ تسللت الصبغة السياسية بقوة، وغيّرت مجرى النص نحو توثيقٍ شبه مباشر، وإن خففت من حدّته نبرة التشظي المجتمعي والوجداني. وربما لهذا السبب التهمتُ ما تبقّى من الصفحات باحثةً عن “إِدّو”الجدة التي انحصر حضورها في رعاية الأحفاد بطيفها، وعن “لوسي” التي تحوّلت إلى “غالا”، بحسب قولها.
    ومع ذلك، يُحسب للكاتبة أنها لم تقدّم خطابًا سياسيًا مباشرًا، بل جسّدت الصراع عبر رموز وأساطير متجذّرة في الوعي الجنوبي، فأعادت تقديمه ليس مجرد ساحة حرب، بل كفضاء إنساني وروحي، زاخر بالألم والكرامة.
    كما أن الأرواح مثلت بديلًا للمحاكم والزعماء، شاهدة على الفعل ومحاسبة له، في محاكاة رائعة لفكرة العدالة الكونية.
    د. إيمان المازري
    sukraelmazri@yahoo.com

عن إيمان المازري

إيمان المازري

شاهد أيضاً

أمام المرآة شخص آخر

كثيرًا ما أختلي بنفسي في مساءٍ فائض بالمحبّة لأعيد ترميم مرآتي الفكرية، أجلس هكذا وأسرد …