بسم الله الرحمن الرحيم
في الرد على المهندس عثمان ميرغني
مهندس مخطط مدن/ محمد نجيب سليمان الحويرص
أستاذ مساعد – التخطيط والعمارة – كلية العمارة – جامعة الخرطوم
تناول المهندس عثمان ميرغني في إطار الدعوة للعودة الطوعية وتشجيع المواطنين وحثهم على العودة لمنازلهم في العاصمة وعبر بث ملفٍ صوتي مطولا على إحدى قنوات ال podcast (كما نشر في صحيفة التيار). تناول المخطط الهيكلي لولاية الخرطوم المعروف ب (KPP5)، حيث أسهب فيه في شرح أحدى مقترحات المخطط للنمو المستقبلي لولاية الخرطوم والخاص بأنشاء تسع تجمعات عمرانية جديدة لأمتصاص أعداد مقدرة من السكان المستقبليين. والمعروف أن الوظيفة الأساسية لمثل هذه التجمعات الجديدة هي المساعدة في حلحلة مشكلات النمو المتزايد السريع والتمدد الأفقي للمدن عبر أمتصاص أعداد مقدرة من السكان وتوفيرأماكن مناسبة لهم للسكن والعمل والعيش الكريم خارج نطاق المدن الحالية المكتظة أصلاَ بالسكان. إن العودة للخرطوم لاتعني ببساطة توفير أماكن سكنية جديدة فقط. إنما عودة للحياة كاملة بكافة متطلباتها ( المؤسسات / الخدمات/ فرص العمل) الى وضعها الطبيعي.
العاصمة الخرطوم تعتبر من المدن الأفريقية المحظوظة في مجال التخطيط العمراني. فالخرطوم في تاريخها الحديث حظيت بعدد خمس مخططات عمرانية كان أولها مخطط ماكلين والذي تم أستعراضه في أول مؤتمرعالمي للمخططين العمرانيين الذي أنعقد في مدينة لندن في العام 1910م. أما المخطط الثاني فيعرف بمخطط دوكسيادس الأول والذي تم أعداده بعد أستقلال السودان في العام 1958. المخطط الثالث يعرف بمخطط مفت الأول والذي تم أعداده في العام 1973.أما المخطط الرابع فيعرف بمخطط دوكسيادس الثاني والذي تم إعداده في العام 1991. أما المخطط الخامس فهو المخطط الحالي المعروف بمخطط مفت الثاني والذي أعد في العام 2008.
كل هذه المخططات تقريبا اشتركت في مخرجاتها وتوصياتها النهائية لمعالجة مشكلات العاصمة والتي تمحورت حول الآتي:-
• الحد من التمدد الأفقي للمدينة؛
• ضرورة رفع الكثافات السكانية والعمرانية (الأجمالية والشائبة) للحد الذي يمكن من تقديم الخدمات بطريقة فعالة وعادلة؛
• ترحيل بعض الأستخدامات التي تحتل مساحات كبيرة داخل المناطق المركزية للمدن الثلاثة لعدم مناسبة مواقعها الحالية ولوقفها عائقا دون تطورالمدينة ونموها( المطارالقديم/ المناطق والمقار العسكرية/ محطة السكة حديد الرئيسة / النقل النهري/ سجن أم درمان…… الخ).
• تطوير جزيرة توتي.
• وأخرى……..
من نقاط القوة المحسوبة على ذلك المخطط الهيكلي الأخيرلولاية الخرطوم (KPP5) الآتي:-
- تغطيته شاملة لكافة الجوانب المطلوبة
- حظي بتأيد واسع وانتشار ودعاية لم يشهدها أي من المخططات التي سبقته
- تمت أجازته على أعلى المستويات ( المحلس التشريعي) في العام 2010 (يمكن أيضاَ أن تحسب كنقطة ضعف؟)
أما نقاط الضعف فتتمثل في الآتي:- - الفترة المحدد للمخطط طويلة جداَ(Time horizon) تمتد لحوالي 25 عاما 2008 – 2032؛
- ذهب بعيدا في التفصيل حتى وصل لمرحلة التصميم الحضري لبعض المناطق؛
- لم يشارك فيه الخبراء السودانيون بطريقة لصيقة وفعالة؛
- رفض أكثر من تقرير مرحلي في مرحلة الأجازة؛
- تم أستهلاكه من الناحية السياسية.
(مصائب قوم عند قوم فوائدُ) دمار ما بعد الحرب؛-
مثلما حصل في الكثير من مدن العالم والتي عانت حروبا مدمرة مثل الحرب العالمية الثانية / حرب البوسنة والهرسك / حرب البلقان في أوربا / حريق مدينة لندن الشهير في العام 1666 والحرب الأهلية في أمريكا وحتى الحرب السورية الأخيرة.
شهدت مدن كثيرة في تلك المناطق دماراَ شاملا وتدميراَ كليا لمباني ومرافق عامة فيها مما أستوجب أجراء جراحات تخطيطية عميقة لها, حيث تمت الأستفادة من (الدمار) الذي حدث في أجراء تغيرات وتطبيق أفكارلم يكن من الممكن تنفيذها قبل هذا الدمار.
تحدث المهندس عثمان ميرغني عن ضرورة تنفيذ مخرجات المخطط الهيكلي لولاية الخرطوم كطوق نجاة للولاية والمدن التي بداخلها بعد التدميرالذي حصل بعد الحرب وشدد خصوصا على تنفيذ مقترح أنشاء مجموعة التجمعات العمرانية الجديدة وعددها تسع تجمعات لجذب أعداد مقدرة من السكان وإستيعابهم خارج التجمعات العمرانية الحالية.
لقد بني هذا المقترح أصلاَ على مبدأ المدن التوابع (Satellite Towns) أوالمدن المحورية والذي أساساَ يعرف بأنه مستوحى من منظومة الكواكب التي تدور حول الأرض، والتي هي أصلاَ مرتبطة بالأرض أرتباطاَ قوياَ وعلى مسافات معلومة لا تتغير و تدور في فلك حول الارض لافكاك لها منه.
(The concept of a “satellite city” draws its name from artificial satellites orbiting Earth, as they exist outside our planet. In a similar vein, a satellite city is strategically positioned adjacent to a metropolitan area but maintains a distinct separation from it.)
مفهوم مبدأ المدن التوابع:
المدن التوابع هي جزء من استراتيجية التخطيط الحضري الحديث والتي تهدف إلى تنظيم النمو السكاني وتخفيف الضغط عن المدن الكبرى من خلال توزيع السكان والمرافق والخدمات على مناطق أصغروأكثراستقلالية نسبيًا.
هذا المبدأ يرتكز أساساً على لآتي:- - ان يكون موقع هذه التجمعات عكس أتجاه النموالطبيعي أوالمنظورللمدينة؛
- أن تكون على مسافة معقولة لا بعيدة يصعب الوصول اليها ولاقريبة بحيث يمكن أن تلتحم وتصبح حي من أحياء المدينة في المستقبل القريب؛
- ان تكون مستقلة أداريا عن المدينة الرئيسة؛
- أن يتم ربط المدينة أو مجموعة المدن المحورية بوسائل ربط قوية تسهل التواصل اليومي مع المدينة الرئيسة عبر ( الطرق/ السكك الحديدية / المترو/ الكباري….. الخ).
أذا لم يتم مراعاة هذه الأسس التخطيطية الهامة عند تطبيق مبدأ ألمدن التوابع فسوف يتم وفي القريب العاجل إلتحام تلك المدن التوابع مع المدينة الرئيسة لتصبح حياِ مكتمل الأركان في المدينة القديمة بكل مشكلاتها المستعصية.
(وكأنك يا زيد ما غزيت).
طبقت نظرية المدن التوابع في الكثيرمن دول العالم ولاقت نجاحاَ كبيراَ كما في مدينة لندن بعد الحرب العالمية الثانية مثل مدن (رايل/اتفورد/ ريدينج/ كامبريدج/ أكسفورد) وفي الهند (جورجاون، وسونيبات، وهايتك، ونافي مومباي، ونيو تاون، وغانديناغار، وساناند.) وفي محيطنا الأقليمي في مصر( العاصمة الإدارية الجديدة، العلمين الجديدة، المنصورة الجديدة، شرق بورسعيد، ومدن أخرى مثل 6 أكتوبر الجديدة، والعبور الجديدة).
أن نظرية المدن التوابع لاغبارعليها من حيث أمكانيتها على سحب أعداد مقدرة من السكان لخارج نطاق المدن المستهدفة كما وأن هذه المدن توفر للمقيمين والباحثين عن سكن بديل خيارات متنوعة من حيث نمط الحياة والميزانية، مع سهولة الوصول إلى المدينة الرئيسة من خلال وسائل النقل الحديثة المختلفة.
أهمية المدن التوابع:
• تخفيف الازدحام عن المدن الكبرى حيث تساعد المدن التوبع على تقليل الازدحام المروري والسكنى في المدن الرئيسية؛
• توفير فرص عمل حيث توفر المدن التوابع فرص عمل في مجالات مختلفة، مما يقلل من الاعتماد على المدن الكبرى؛
• تحسين جودة الحياة حيث يمكن للمدن التوابع أن توفر بيئة معيشية أكثر هدوءًا وراحة مقارنة بالمدن الكبرى؛
• الحفاظ على التراث والثقافة حيث يمكن للمدن التوابع أن تحافظ على هويتها الثقافية والتاريخية الفريدة إن وجدت.
إحتفى المهندس عثمان ميرغني بها المقترح على أنه الحل الأمثل والواجب تطبيقة لحل مشكلات العاصمة بعد الحرب.
ولعمري هذا المقترح هو أحد أضعف حلقات سلسلة المخرجات التي خرج بها المخطط الهيكلي لولاية الخرطوم وذلك للأسباب الآتية:-
• تم تحديد مواقع تلك المدن التسع في جميع الأتجاهات المحيطة بالمدن الرئيسة، مما يعني بان بعضها يقع في أتجاه نمو المدن المعتمد مما سوف يقود لألتحامها مع المدينة الأم في المستقبل القريب جداَ
• تحديد المواقع ايضاَ لم يراعي البعد المناسب والذي يجب أن يتراوح بين (30 – 40 كم)
• كثير من هذه المواقع التي تم تخصيصها كمواقع للمدن الجديدة لم تعد متاحة الأن نسبة لاحتلالها بالسكن العشوائي أو تخصيصها لاستخدامات أخرى وأصبحت عبءَ إضافياَ على المدن الثلاثة.
اثناء حرب الخامس من أبريل 2023 شهدت المدن الثلاثة في ولاية الخرطوم ومدن سودانية أخرى، دماراَ كبيراَ في مبانيها وبنياتها التحتية خصوصا البنايات العسكرية، السيادية، الخدمية ولم تسلم كذلك المباني السكنية للمواطنين. وبعد أنتهاء الحرب في ولاية الخرطوم وانتقالها لمناطق أخرى، بدأ التفكيرفي أعادة إعمارمادمرته الحرب ودعوة المواطنين للعودة الطوعية، لذلك جاء مقترح المهندس عثمان ميرغني الأنف ذكره في هذا الإطار.
مالمطلوب عمله أذاَ؟
المعروف بأن العاصمة الخرطوم بمدنها الثلاثة تعاني من حالة هشاشة (تخطيطية/ أقتصادية/ إجتماعية/ بيئية و………..أخرى)
لذلك ولنقل العاصمة من حالة الهشاشة الحالية الى حالة الصمود يجب أجراء جراحات تخطيطية عاجلة والتي تتمثل في الآتي:-
- الدعوة لإعداد إستراتيجية عمرانية قومية شاملة تغطي كافة أرجاء الوطن، تحدد وتوجه مسار وطريقة التنمية العمرانية وتعمل على نشر التنمية المتوازنة وإزالة الفوارق التنموية بين المناطق والمدن تحقيقاَ لمبدأ التنمية المتوازنة؛
- الشروع فورا في الدعوة لإعداد مخطط عمراني جديد للعاصمة يلبي المطلوبات والأحتياجات المستجدة الحالية والمستقلبلية، آخذين في الحسبان مخرجات ومقترحات المخططات السابقة كموجهات أساسية؛
- وليكون باسم ( مخطط ولاية الخرطوم السادس لما بعد الحرب) (KPWPP6).
- أصدار أوامر من أدارة التخطيط المختصة بعدم إعادة بناء أي مباني تم تدميرها كلياَ أو تدميراَ جزئياَ بنسبة تفوق ال 75% إلا بموجب تصديق صادر من الأدارة يفيد بمناسبة موقعها من الناحية التخطيطية ( صدرهذا القرارفعلاَ لكن يبدو أنه تم الرجوع عنه في تصريح آخر).
- هنالك مباني كثيرة تدمرت تدميراَ كاملا أثناء الحرب وأصلا المخطط الهيكلي لولاية الخرطوم والمخططات السابقة أقرت عدم مناسبة مواقعها من النواحي التخطيطية والأمنية وأقترحت ترحيلها الى مناطق أخرى حددت بدقة. ( القصر الجمهوري القديم/ مبنى الأذاعة/ مطار الخرطوم/ منطقة القيادة العامة/ رئاسة قوات الدعم السريع سابقا/ سلاح الأشارة/ سلاح المهندسين ومنطقة السوق العربي……. الخ)
- بالنسبة للمقارالعسكرية وبموجب مخرجات المخطط الهيكلي فقد تم تحديد مواقع بديلة وبمساحات كبيرة خارج النطاق العمراني للمدن. تم أستلام تلك المواقع بواسطة الجهات المسؤولة، لكن لم يتم التنازل عن أو تسليم وأخلاء المواقع القديمة.
- فيما يختص بمطار الخرطوم فيمكن تشغيل المطارالقديم في الوقت الحالي بالحد الأدنى من المباني وتركيزالجهود على المطارالجديد (جنوب الصالحة) مما يعني عدم إعادة بناء أو تأهيل الصالات القديمة (الوصول والمغادرة) والأكتفاء بتجديد وإدخال الحد الأدنى من التحسينات على صالة الحج والعمرة لإستيعاب السفريات القادمة والمغادرة.
هذا ما سمح الوقت حالياَ بإدراجه والافصاح عنه وهناك الكثير مما يمكن قوله وفعله في هذا المجال.
والله وراء القصد………….
مهندس مخطط مدن/ محمد نجيب سليمان الحويرص
أستاذ مساعد – التخطيط والعمارة
كلية العمارة – جامعة الحرطوم
عضو اللجنة التنفيذية للجمعية السودانية للتخطيط الحضري الأقاليمي (SURPA)
عضو المنظمة العالمية لمخططي المدن والأقاليم لاهاي – هولندا (ISOCARP)
الرياض- المملكة العربية السعودية في يوليو2025
elhoweris@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم