يعيش السودان، مُذ ارتفعت في أرجائه رايات الكيزان، هذه المفارقة القاتلة: الجريمة وقعت، والجاني معروف، والدم سال… ثم طُلب من الضحية أن تصمت وتصفق.
الوجع ليس جديداً. الخراب سِجلّه حافل، وتواريخه محفوظة، وأسماؤه لا تنكرها الذاكرة.
لكن الفاجعة اليوم أن الجناة لا يكتفون بالماضي، بل يسعون لتكراره.
يخرجون من تحت الركام، ملوحين بجثة مشروعهم الكذوب، كمن يلوّح براية نصر.
تعبت البلاد من دفن ضحاياها في عهدهم، ومع ذلك لا يزال الكيزان يصرّون على ركوب حصانهم الميت. ذلك الحصان الذي أطاحوا به الديمقراطية في 1989، وجعلوا منه مطيّة إلى القصر.
كان جثة منذ البداية، مشروعاً وُلد ميتاً: بلا سند شعبي، بلا خيال سياسي، ولا عصب وطني. ومع ذلك؛ تَعامَوا عن رؤية الجثة.
حملوا جثة الحصان ثلاثين عاماً، ومرّوا بها على مؤسسات الدولة، فدمّروها.
مروا على التعليم، فخرّبوه، على الهوية فجزّؤوها،على الجيش فأضعفوه، على الفنون فشيطنوها وعلى الذاكرة فلوّثوها…
ثم عادوا ليقولوا إنّ مشروع النهضة لايزال حياً! كما لو أن الأمم تنهض من مقبرة، والدول تُبنى على وهم، والمستقبل يُصنع فوق جثة.
أراد الترابي والبشير أن يبنيا دولةً على صورة “الجماعة”، لا على صورة السودانيين.
رسموا ملامح الوطن بالسياط والمسامير الصدئة، وظنّوا أن السودان سيتحوّل إلى نسخة ممتثِلة لأفكارهم، فإذا بهم لم يصنعوا إلا كياناً فاشلاً دموياً: سلطةً بلا شرعية، وشريعةً تنقصها العدالة، ومجتمعاً يفتقر إلى الوحدة.
أخرجوا الوطن من تاريخه، واقتادوه إلى مختبر أيديولوجي لا يرحم، وقالوا، بفظاظة المستعلين: “سنعلّم الناس كيف يفكّرون، وماذا يلبسون، وأين يصلّون، ولمن ينحنون”.
لم تكن فكرتهم بناء دولة، بل تدجين مجتمع. ولم يكن مشروعهم خلاصاً، بل إذلالاً جماعياً لمن رفض أن يكون عبداً في الطابور.
فجاءهم الردّ من الوطن نفسه:
انكسر الناس، نعم، ولم ينكسروا.
تمزّق النسيج، صحيح، أما الروح فلم تهن.
ضاعت البوصلة، لا بأس، فالعيون ظلّت معلّقة بالشمس.
ولم يبقَ من تلك الدولة سوى الشعارات، ومن الشريعة غير القسوة، ومن المجتمع إلا الهشاشة… لكن بقي الشعب.
شعبٌ لا يخاف. لا يتعب. لا يساوم.
تحمّل الفقر، القمع، التشويه، والمحاولات الممنهجة لسلخه من ذاته،
لكنه نهض، ومشى في دروب النار، وأسقطهم في ديسمبر 2018.
أسقطهم بالكرامة والحق وهدير الحناجر: “تسقط بس”.
لم يعترفوا بالسقوط. قالوا إنها مرحلة. وقالوا مؤامرة. ثم قالوا: “سنعود… بالحرب إن لزم الأمر”.
وفعلوها، لأنهم لم يحبّوا هذا الشعب يوماً. كأنما رأوا فيه غريباً عنهم. كأنما أزعجهم أن يكون حراً، وأن يرفض الركوع. كرهوا السودان كله لأنه لا يشبههم.
أشعلوا النار من الخرطوم إلى الفاشر، من الأبيض إلى نيالا.
ليس لأنّهم يحبّون القتال، بل لأنهم يكرهون السِلم الذي يعرّيهم، ويأبون الاعتراف بالفشل.
فشِلوا في الاقتصاد، والسياسة، والأمن، والهوية، والعلاقات الخارجية، وفي إدارة التنوع، وحتى في الكذب فشلوا. لكنهم لا يعترفون. يقولون: “الكوز لا يخطئ، بل يُبتلى” !
من أين تأتي هذه القدرة الشيطانية على الإنكار؟ من أية سردية دينية ينبع كل هذا الفساد والإجرام؟ كيف يمكن لإنسان أن يخرّب وطناً جميلاً كهذا، ثم يطلب من ضحاياه أن يعتذروا له؟
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم يُسمع من الجماعة كلمة اعتذار واحدة.
لم تُرَ دمعة خجل. لم يُكتب بيان مراجعة. فقط المزيد من التحريض، المزيد من السلاح، والمزيد من التهديد والوعيد.
من يقتل السودان الآن؟ الجيش؟ الدعم السريع؟ كلّهم أدوات.
لكن الفكرة التي تحكم الرصاصة، وتوجه الطائرات، وتكتب بيانات الانقلاب… هي فكرة الكيزان التي ما زالت ترفض الموت، أو حتى النزول من ظهر الحصان الميّت.
الآن، بعد كلّ هذا الحطام، يقف الكيزان على أطلال الوطن، ويصرخون من قصورهم العالية في تركيا وقطر وماليزيا: “نحن البديل”.
وكأن التاريخ لم يسجل. كأن الذاكرة قصيرة. كأن الدم لا يترك بصمات.
ما يحتاجه السودان اليوم يكمن في أن تُسحب هذه الجثة من الساحة. أن يعترف القاتل بأنه قتل، وأن يفهم من يحكم باسم الله، أن الله تعالى لا يرضى بالدماء، ولا يقيم دولته على الخراب، وأن يعي بأن الوطن لا يُقاد بجثة، ولا تُبنى الدول على وهمٍ تعفّن.
الزمن لن يعود. والشهداء لن يرجعوا. لكن ذاكرة الشعوب لا تموت.
والنضال الذي أطاح بهم ذات شتاء، لا يزال حيّاً، ينتظر لحظة الانقضاض من جديد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم