يحدث أن يُستدعى تاريخٌ كامل إلى لحظة توقيع. هكذا بدا المشهد في الخرطوم حين أصدر قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قرارين متوازيين: إحالة خمسة من أبرز ضباط الحركة الإسلامية إلى المعاش، في مقدمهم قائد سلاح المدرعات اللواء نصر الدين عبد الفتاح، وإخضاع القوات المساندة كافة لقانون القوات المسلحة. على الورق مجرد قرارات إدارية. لكن في الذاكرة السودانية والخيال السياسي المُنهك، هي أكثر من ذلك: إنها أشبه باعتراف متأخر بأن الدولة التي ابتلعها انقلاب الكيزان عام 1989 لم يعد ممكناً إنقاذها إلا بقطع رأسها الأيديولوجي.
كأن القرارات ولدت من رحم اللقاء السري في سويسرا بين البرهان ومبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون الأفريقية مسعد بولس. لقاء وُصف بأنه يشبه المحكمة السرّية. أميركا تلوّح بوضع الحركة الإسلامية السودانية على قائمة الإرهاب. هو قرأ الرسالة: إذا أردت أن تنجو، عليك أن تبدأ من هنا، فيوحي الآن بأنه ذاهبٌ إلى التوبة والتطهير.
لكن السودان بلد الذاكرة الجريحة. كثيرون لم ينسوا المشهد المسرحي في بدايات انقلاب الكيزان: حسن الترابي يهمس لعمر البشير “اذهب أنت إلى القصر رئيساً، وأنا أذهب إلى السجن حبيساً”. كانت مسرحية كبرى قادت بلداً كاملاً إلى العزلة والدمار. ولهذا تتدفق الشكوك اليوم كما النيل في موسم الفيضان: هل ما يفعله البرهان خطوة أولى نحو ولادة سودان طبيعي، أم أنها نسخة مكرّرة من الخديعة القديمة؟
الذين يريدون تصديق البرهان يقرأون في قراراته محاولة لتبريد الساحة، وفتح الطريق أمام إنهاء الحرب وإطلاق عملية سياسية جديدة. ربما هي بداية إعادة السودان إلى طاولة العالم كبلد يمكن التفاوض معه لا الهروب منه. أما المشككون فيرونها ذرّ رماد في العيون، مناورات في لحظة عُزلة قاتلة، ورسائل مدفوعة الثمن للأميركيين والأوروبيين.
غير أن السؤال الأكبر يظل معلقاً: هل تكفي إحالة ضباط خمسة لإغلاق ملف أكثر من ثلاثة عقود من زواج العسكر بالكيزان؟ وهل يكفي إخضاع القوات المساندة لقانون الجيش من دون دمج المليشيات كلها في جسد وطني واحد؟. لن يصدق السودانيون أن المسرحية انتهت ما لم يعود “الكهنة الكبار” إلى السجن حيث مكانهم الطبيعي، وما لم يُجبر كل من يرفع سلاحاً خارج الجيش على أن ينضوي تحت راية الدولة.
في النهاية، القرارات أشبه بصفحة جديدة وُضعت على طاولة بلد محروق. لكن السودان لا يُشفى بالرموز وحدها. إنما بالدمج، بالمصارحة، وبنقاش سياسي علني وجاد مع جميع الكتل والمكونات، يضع الدم السوداني فوق كل الحسابات. وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى البرهان أسير الشبهة القديمة: أنه يكتب نسخة جديدة من مسرحية الترابي والبشير… ولكن بملامح أشدّ تعبا وأكثر دموية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم