الجيش… أكبر حزب سوداني لا يشيخ

لكل أمة لحظة ميلاد تحمل بشائر الحرية، ربما. كما للأمة لحظة خيانة تغرس بذور اللعنة. السودان السعيد، ابتكر ميلاداً مبهجاً لاستقلاله، لكنه كان ميلاداً عضيراً. فبدل أن تنفتح أبواب المستقبل على تجربة ديمقراطية راسخة، تسلّل إلى المشهد لاعب آخر: الجيش. ومن يومها، حوّل الحاضر امتداداً لماضٍ يرفض الرحيل، وحوّل معه السياسة إلى حلبة رقص بأنغام نشاز وراقصين خطواتهم شتراء.
منذ أن رفع السودان علم استقلاله في يناير 1956، ظل الجيش أكبر من مجرد مؤسسة عسكرية. لم يكن جداراً يحرس الحدود أو ثكنة تصد الغزاة، بل قلباً يتنفس السياسة، وحزباً بلا لافتة، ومرآةً عاكسة لعجز المدنيين، ولعنةً تسافر من جيل إلى جيل.
يتقن لعبة السلطة أكثر مما يتقن خطط المعارك. جيشٌ أشبه بظلٍ يمتد فوق كل حكومة، يتسلل إلى قاعات البرلمان، ويجلس خلف الكراسي الوزارية، ليبقى هو اللاعب الأقدم والأكثر رسوخاً، في بلد يتناوب عليه الساسة كضيوف عابرين.

في الخمسينيات، حين غرق البرلمان الوليد في خصوماته، وضاقت الأحزاب بسقف البرلمان، وتحولت الديمقراطية الهشّة إلى ساحة منازلة وخصومات، لم يجد بعض القادة المدنيين سوى أبواب الثكنات: طرق عبدالله خليل، باسم حزب الأمة، باب الجيش كمن يستدعي معجزة. دخل الفريق عبود القصر باسم الضرورة، باسم إسناد وطن يتداعى. لكنه، في الحقيقة، كان ميلاد اللعنة: اللحظة التي أدرك فيها الجيش أنه ليس مجرد أداة، بل سيدٌ يلبس ثوب المُخلّص متى شاء.
ومنذ تلك الولادة، صار السودان أسيراً لظلٍ لا يغيب. صار الجيش أكبر من حزب، وأقوى من برلمان.
جاء عام 1969، ومعه جعفر النميري. انقلابٌ تغذّى من طموحات الشيوعيين الذين تذرّعوا بتضييق القوى التقليدية عليهم داخل البرلمان وطردهم منه. فكروا في الانتقام بالتحالف مع بعض قوى اليسار التي رأت في (الضباط الأحرار) وسيلة للوصول. لكن ما إن جلس الجنرال على الكرسي، حتى انقلب على الحلفاء، وأبادهم اواحداً تلو الآخر. هنا تكرّس الدرس: الجيش لا يعيد إليك سلطة، بل يقتلعها ويقتلك. كل من تحالف معه خرج مكسوراً، وكل من راهن عليه وجد نفسه خارج اللعبة.

وفي 1989، لبست الحركة الإسلامية بزّتها العسكرية. دخلت القصر على أكتاف الضباط، ودفعت بعمر البشير إلى الصدارة. بدا في المشهد الأول أن الترابي يمسك بخيوط اللعبة، وأن العميد القادم من صفوف الجيش ليس سوى واجهة مطيعة.
لكن سرعان ما انقلبت الأدوار؛ إذ أحسّ الترابي بأن الرجل الذي استدعاه بدأ يلتهم الدولة شبراً شبراً. تعثّر الانسجام، وتحوّل الشيخ إلى سجين، بشكل حقيقي هذه المرة، بينما انفرد الجنرال بالحكم، وجعل من الجيش سيد الميدان.
عندها اكتمل النموذج: جيش تحوّل إلى حزب شمولي، يملك أذرعاً أمنية، وأجنحة اقتصادية، وأجهزة أيديولوجية ومخابراتية، لمؤسسة احتكرت الدولة، وجعلت الأحزاب ووالمليشيا والحركات؛ تدور حولها كما تدور الكواكب حول الشمس.

ثم أتت اللحظة الأكثر سوداوية، الانتكاسة الراهنة. جيش يصارع ابنه الذي أنجبته حسابات الخسارة: مليشيا الدعم السريع. تلك المليشيا التي وُلدت أداةً للحروب الهامشية، توسّعت حتى صارت نِداً، فانعكست الأدوار وانقلب الابن على الأب. إنها ذروة العبث: أن يشتبك الجسد مع ظله، وأن يتحول النهار السوداني إلى ليل بلا فجر.
وهنا تجلّت اللعنة بكامل قسوتها: جيش يحارب صورته المشوهة، وبلد ينهار تحت وطأة الانقسام، بين القوة والضعف، بين الولاء والخيانة، في مشهد يختلط فيه الماضي بالحاضر، ولا يترك للمستقبل سوى الصمت والرهبة.

من عبود إلى النميري، ومن البشير إلى حرب اليوم، ظل الجيش هو الحزب الذي لا يشيخ. لم يحتج إلى انتخابات كي ينمو، ولا إلى صناديق اقتراع حتى يتمدّد. يكفيه أن ينتظر لحظة ضعف المدنيين، أو لحظة شهوة للسلطة، ليعود.
في كل منعطف يتكرر المشهد: تستدعيه الأحزاب أو تعقد معه صفقة، سرعان ما تكتشف أنها وضعت مفاتيح البلاد في يده. وفي كل مرة يبرهن الجيش أنه ليس ضيفاً على اللعبة، بل صانع قواعدها ومُعيد رسم مسرحها.
هكذا يبدو موجز تاريخ السودان: لوحة معلّقة على جدار العاصفة، تتبدّل ألوانها وتذوب وجوهها، لكن اليد الممسكة بالريشة تبقى دائماً… عسكرية.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …