تتناسل المليشيات في السودان كما تتناسل الأسئلة الكبرى في ذهن الفيلسوف (يا له من تشبيه مخاتل)!
أكثر من سبعين حركة مسلحة رفعت راياتها منذ عقود. تعهّدت بإسقاط الأنظمة وتغيير موازين الحكم. لكنها جميعاً، رغم السلاح والتمويل والتحالفات العابرة للحدود، لم تفلح في ما ادّعت أنها خُلقت من أجله.
وحده هدير الشارع، الصوت العاري الخارج من صدور الناس، أسقط الطغاة.
سقط عبود تحت وقع الهتاف. وانهار النميري حين زحفت الحشود بصدور مفتوحة. وتداعى البشير بعدما غصّت الساحات والميادين بأهازيج الثوار وإصرارهم على الحياة.
التجربة السودانية أثبتت أن البندقية قد تخيف، لكنها عاجزة عن اقتلاع نظام متجذّر، بينما الحناجر إذا اجتمعت صارت زلزالاً سياسياً لا يوقفه رصاص.
لكن المأساة أن انتصارات الجماهير لم تُترجم إلى ديمقراطية راسخة. الإخفاق لم يأت من الشارع، بل من ضعف القوى المدنية نفسها، أحزاباً متشرذمة وعاجزة عن حماية ثمار انتفاضة الجماهير.
الشكل الثاني من المأساة هو شهية الجيش المفتوحة للانقلاب، جيش يتوهّم أن حماية الدولة لا تتم إلا عبر الحكم المباشر، فينسى أن مهمته حراسة الحدود لا مصادرة المستقبل.
بعدها يأتي ما هو أثقل: الحركة الإسلامية (الكيزان).
هذه التي تربّعت على عرش السلطة ثلاثة عقود، لم تترك خلفها سوى دولة محطمة واقتصاد منكوب وحروب مفتوحة على كل الجهات. ومع ذلك، لم تعترف بهزيمة، ولم تُسلّم بقوة عزم الجماهير التي أطاحت برمزها الأكبر، بل انسحبت إلى الظل لتعيد ترتيب صفوفها، وتغرس في أذهان أنصارها أن لحظة الغياب مؤقتة، وأن العودة قدر محتوم.
منذ سقوط البشير، ظلّ خطابها مشبّعاً بالوعيد: “سنعود إلى الحكم، ولو بعد حين… سنحكمكم إلى يوم الدين”. وهي اليوم تشعل الحرب الراهنة بأذرعها العسكرية وبفلولها الممتدة داخل أجهزة الدولة وكتائب ظلّها التي تنشر الرعب. لم تعد جهة سياسية تسعى للمشاركة، بل قوة تعمل على إحراق البلاد حتى تُثبت أن أي بديل عنها سيكون خراباً، وأنها وحدها صاحبة الحق في الحكم.
يا لها من مفارقة مريرة: جماعة خرجت من الحكم مهزومة، لكنها لم تخرج من عقل الدولة ولا من أوهام الخلود. تعيش على فكرة الثأر، وتستنزف ما تبقى من البلاد لتقول للناس إن الثورة كانت وهماً، وإنها باقية بحدّ السيف وبالفتاوى الأبدية.
لكن التاريخ له منطقه الآخر. فكما سقط عبود والنميري والبشير، فإنّ كل مشروع يصرّ على البقاء بالقوة يتهيأ لسقوط آخر.
قد تطول الحرب وتشتد المأساة، لكن إرادة الناس التي صنعت ثلاثة انتصارات كبرى لن تُطفئها جلبة البنادق ولا حنين الإسلاميين إلى استبدادهم القديم.
الهتاف الذي هزم الرصاص من قبل، قادر على أن يهزم أوهام العودة الأبدية. وما تبقى للسودان، كي يتحرر نهائياً من أشباح الماضي، أن يبني قواه المدنية من جديد، ويُغلق الباب إلى الأبد أمام جيش يهوى الانقلابات وحركة ترى نفسها قدراً
مفروضاً لا يُردّ.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم