مُـرافَـعــةٌ في مقــتـلِ وَطــنٍ وَتبــلـديــة

(1)
كُنتُ قد اطلعـتُ على مقالٍ برّني به الصَّديق العزيز الأكاديمي الأديب الدكتور الحـاج ســـالم مصطــفى، منشــوراً في مجـلــة دّراســات جــنــوب السُّـــودان
( (Sudan Studies for South Sudan and Sudan السُّــودانيـة التي تصدر بالإنجليزية في الولايات المتحدة وفــي بريطانيا، في عددها رقم 72 بتاريخ يوليو 2025 . يتناول المقال قصَّة شـجرة “الـتـبـلـدي” ، وصفاً لبيئة نموّها في الحزام الممتدّ جنوب الصحراء الكبرى. أشــار د. الحــاج إلى ما أبدَى الإداريون الكولونياليون الذين عملوا في منطقة “دار حَـمَـر” في كردفان، من اهتمامٍ بتلـك الشـجرة، وكان أهـمَّهم مفتش الغابات المستر “هـ. بلـنـت” (H.Blunt) ونائــب مــدير المركز الســيـر” دوجـــلاس نيوبـولــد”( Sir Douglass Newbold).
لقد وجدتُ مقـال “التـبـلـديـة” بقلم د. الحاج سـَـالم مصطفى، مُـمتـعاً ومُفـيـداً لِما حـوَى من تأصيلٍ مختصرٍ لطبـيـعـة وتاريـخ تلك الشّـجرة الفـريدة. غيرَ انَّ المقال أثار شـجوناً شخصية لديَّ، أبعـدَ عن التوثيـق لطبيعة تلـك “التبـلـديـة” النادرة وتاريخـها، وأحالني إلى النظر إلى أناسٍ لا يعادون البشَـر فحسب، بل الشجر أيضاً .
(2)
تذكّرتُ بعد اطلاعي على مقال د. الحاج ســالم ، ما كتبتُ قبل سنوات عن أحدَ كبار الإداريين الذين عملوا في كردفان خلال عشرينات ثلاثينات القرن العشرين الميلادي، وأشرت في كتاباتي لاهتماماته الإدارية والإعلامية فحسب . إلّا أنَّ مقال صديقنا د. الحاج حـدّث عن اهتمامات للرَّجُل بالبيئة وبالظواهِـر النباتية في كردفان إلى جانب اهتماماته الإدارية، فكان التوثيـق لقصَّـة شـجرة “التبلـدي”، هي إحدى دراسـاته المهمة وقتَ عمل في كردفان.. لقد أفنَى ذلك الإداري جُلَّ عمره في الخـدمة السياسية في السُّــودان ، كولونيالياً منقطعاً لمحبَّة السُّـودان، وكان آخر منصبٍ تقلده، هو السِّكرتير الإداري، والذي عادة ما يكون الرَّجل الثاني بعد الحاكم العـام في السُّـودان.
لكن دعني أحـدِّثك عن مَحبَّـة الرجل “الاستعماري القح” للسُّـودان، فأقول لك إنه وخلال اشــرافه على الإقليم وقد عمل فيه على فترتين (1920م-1923م)،و (1933م-1938م)، أتيـح لهُ التعـرّف على دقائق تفاصيل الحياة البرية في “مديرية كـردفان” وقتذاك، كما أبدى اهتماماً كبيراً – إلى جانب نشـاطه الإداري والاجتماعي- بالتعليم ونمط الحياة في “دار حَـمَـر”، ونشر مقالات عديدة عن كلِّ ذلــك في حــولــية “السُّودان في مذكرات مدوّنات” الشهيرة. ونرصد للرّجُل الهميم اهـدائه مكتبته الشخصية الثرية بكلِّ نوع من أنواع المعرفة، لتشكِّل البداية الجنينية لمشروع مكتبة جامعة الخرطوم الحالية. وقتذاك، وبعد أن صار “نيوبولد” سـكرتيراً إدارياً ونائباً فعلياً،ً للحاكم العام، تمَّ تكليفه ليكون أوَّل رئيسٍ لمجلسِ إدارة كلية الخرطوم الجامعية في طوْرها الجنيـني، قبيلَ أنْ تتوثّق صِلاتها بجامعة لنـدن، وتحمل رسمياً اسمها : “كلية الخرطوم الجامعية”، والتي بعد الاستقلال صارت “جامعة الخرطوم” تلك التي عبثت بها أقدار الحرب فدمّرَت مسيّرات القتال الدائر أطرافاً من هياكلها ومبانيها .
(3)
وبحُكم وظيفته، فقد كان “نيوبولد” من المهتمّين بالعمل الإعلامي الذي كان مطلوباً عند اندلاع الحرب العالمية الثانية، متابعة مجرياتها ورصد تداعياتها على المستعمرات التي تتبع لدول الحلفاء. لقد أشرف السير “نيوبولد” على مشروع الإذاعة السودانية، بل هو من وضع لبنات نشاطها في العام 1940م، لمناهضة الصوت الإعلامي لدول المحور الذي تقوده ألمانيا وإيطاليا، والذي وصلت أصداؤه إلى إثيوبيا واريتريا وليبيا، وأولاها اهـتماما أكيداً.
وإلى جانب الإدارة والإعـلام ، لم يَغفل الرَّجل عن جوانب الثقافة، إذ عمل على الاشـراف لجعل “دار الثقافة ” في الخرطوم منصّة متخصَّصة كمنتدىً لكبار رجال الخدمة السياسية في السودان، فتحتضن لقاءاتٍ اجتماعية وفكرية، وثقافية، ورياضية. لقد اهـتمَّ “نيوبولـد” لتبقى تلك الدار محفـلاً يُتاح لبعض كبار السُّودانيين المشاركة في نشاطاته. في سـنوات لاحقـة، وتحـديداً في أوائل الألفية الميلادية الثالثة ، شارك كلُّ من الرّاحلين: السَّـير “دونالد هولي” والسَّفير أمير الصَّاوي والأستاذ محمود صالح والدكتور حسن أبشر الطيِّب، في إصدار كتابٍ تضمَّن عدداً معتبراً من المحاضرات التاريخية الهامّة التي قدمتْ في تلك الدار، خلال حقبة الكولونيالية تلك . في لندن عام 2002م، إنْ لم تخنّي الذاكرة، حضرنا تدشين ذلك الكتاب في قاعـة مبـنى رئاسة الكومونولث المجاور للسفارة السُّــودانية قبـالة قصر “سان جيمس” التاريخي القــديم.
(4)
في اهتمامه بالنادي ، حرص السّير “نيوبولد” على استجلاب أنواعٍ من الأشـجار من مختلف مناطق السودان، أكاسيا وسنط ودوم ومانجو وموز ونخيل وسواها لتكون بمثابة مشروعٍ صغيرٍ لحـديقـة نباتيـة في المساحة الشاسعة لنادي السودان المجاور لقصـر الحـاكم العـام، والذي كان يحتض الأنشطة الثقافية والاجتماعية لكبار الإداريين البريطانيين في السودان.
ولاهتمامه ومحبَّـته لشـجرة “التبـلـدي”، كما أوضحنا أوّل المقال، فقد عمل على استجلاب شجرة تبلـدية “حَمَـرية” صغيرة، تُمثل كردفان في ذلك المتحف النباتي الصغير. ولأنها الأقرب إلى نفسه ، فكان أنْ غرسها قـبـالة مسـكنه الذي يجاور من مسافة ليستْ بعيدة، قصر الحـاكم العـام. .
لم يكن الرَّجل استعمارياً قحَّاً مثلـما وصفه قلمي في السطور السابقة، لكنَّهُ في حقيقة الأمر، كان ذلك الإداري الكبير والمستنير المقتدر من بينَ قيادييِّ الخدمة السياسية البريطانية في السُّودان، وأحد قادتها الكبـار، الذين اقتربوا من كبار الزَّعامات وقيادات المجتمع السُّوداني. ذلك ما يجوّزني للإقرار أنّهُ مِمَّـن اسـتوعبوا خفايا الذهـنية السودانية، فهماً عميقاً وإدراكاً ذكيا. ولأنَّهُ كان الرَّجلُ الثاني في إدارة السودان، فقد كان سكنه عبارة عن مبنى من طابقين، ومُطلاً على مساحة نادي السُّودان الشاسعة والتي احتضنتْ نشاطات *ولقاءات كبار الإداريين الاجتماعية والثقافية، وقد كانت جزءاً رئيساً من اهتماماته. توفّي الرَّجل في الخرطوم عام 1945م في الأيّام التي حينَ سـقط عن ظهر جواده إبَّان فترة عمله في مديرية كردفان.
كان قد أوصى أنْ يوارَى تحت ثرَى البلد الذي أحبّـه، وتمّ ذلك بالفعل. لقد اشار البريطاني الكبير “كي.دي.دي. هند رسون” في مقدمتهِ لكتابٍٍ عمل على تحريره وحوَى مراسلات دوجلاس نيوبولد: (.كانت صلاة الجنازة في كاتدرائية الخرطوم يوم 28مارس(1945م)، وبعدها إلى المقبرة، وقـد تجمّع حولها عددٌ غفيرٌ من كلِّ الطبقات والجاليات: سُـودانيون وأقـباط، وبريطانيون ويونانيون وسُـوريون وأرمَـن، ليقدِّموا عزاءهم وتقـديرهم للرَّاحل، وعلقَ أحد الأجانب وصل الخرطوم عصر يوم وفاة نيوبولـد على الظاهرة الاستثنائية بقوله: تلك “مدينـة تنتحِـب”..).
لك أن تطَّلِع على القصة في كتاب “كيفَ أعِدَّ السُّودان الحـديث” ، تأليف وتحرير “ك.دي.دي. أندرسون”، وترجمه الرّاحل محمود صالح عثمان صالح.
زرتُ بنفسي المقابر البريطانية قبالة مدرسة “القديس فرانسيس” الابتدائية في الخرطوم شرق، واسْتأذنتُ رُعاة المقابر تلك، ووقـفـتُ بعد جهـدٍ وبحـثٍ، أمام قبر السـير “دوجلاس نيوبولـد”. كان قبراً لا يميِّزه شيءٌ عن بقـية قـبور موتى البريطانيين ممَّن توفوا في السُّودان، مكسوّاً بقليلِ رخـام واسـمنت ، حُـفِـرَ عليه اسـم “السير دوجلاس نيوبولد”، وبحروف انجليزية واضحة .
(5)
لـكَ أنْ تسألني، قارئ مقالي العزيز: إنْ كان ثمَّةُ اهتمامٌ لقـيهُ الرَّجلُ بعد ممَاته من السُّودانيين الذين يعرفون أنَّهُ مَـن انشـأ الإذاعـة السودانية، وأنَّهُ من مكتبته الشخصية شَـمختْ مكتبة أوّل جامعة سودانية ، وهو أوّل من أهتم بشـجرة هيَ من أندر الأشجار وأعجبها وهي شجرة التبلدي، وكتبَ دراسـات مُعمّـقـة عـنها.. وغرسها من حرصه في تربة أمام داره ؟
لك أنْ تعلم قارئي العزيز، أنَّهُ وبعد الانتفاضة عام 1985م والتي قضتْ على حقبةِ الحكم التي تولاها جعفر نميري، انتقلتْ وزارة الخارجية من “بيت الإيجـار” في عمارة “جلاتـلي”، إلى “مِـلـكِ الدولةِ الحُرِّ” الذي كان يعرف بدار “الاتحاد الاشتراكي السوداني” في الخرطوم، بعـد أنْ خلـتْ الدار فآلت لوزارة الخارجيـة، موئلاً للدبلوماسية السُّــودانية .
دارتْ سـنوات قليلة، لم يلتقط رجال الانتفاضة خلالها أنفاسهم، فإذا الإسلامويون ينقضّون على مقاليـد البلاد ، فمثلت تلك اللحظة بداية قيامـة السُّــودان.
(6)
جاء وزيرٌ شـاب من عصبة انقلاب الانقاذ إلى وزارة الخارجية، فصار فيها الآمِر الناهي في أمورها. لكن أغلب الظنِّ أن المامه بتفاصيل تاريخ بلاده كان على قلتهِ، لم يعِـنـهُ لاستبصار تداعياتِ مَا هو مُقدم عليهِ من قرارات. منها قراره بإزالة المـبــنى القـديـم الذي ظلتْ تشـغله إدارتان مهمتان للشؤون المراسمية وللشؤون القنصلية، فأخلوا المبنى وبعـده تمَّ هَدم المبنى.
ذلك المبنى القديم، كان سَـكنا شغله لسنوات قبيل الاستقلال نائبٌ للحاكم العام اسمه “دوجلاس نيوبولد” ، كرّمته بلاده ومنحته لقـب فارس: “ســير”. ورغم انَّ وكيل وزارة الخارجية – وهو أستاذ جامعي مُتخصِّصٌ في التاريخ أبدى تحفظاً مقنعاً، كون ذلك المبني من المواقع التي يفترض أن تكون محميَّـة رســمياً ، إذ كان تشييدها في بدايات القرن العشرين – فإنَّ النُّصحَ لم يجـد أذنا صاغية. وهكذا تداعَـتْ أمام أعينـنا دارٌ رحـبـة سَـكنها ذات يوم نائب الحاكم العام للسودان، الكولونيالي السِّير “دوجلاس نيوبولد”. أجل ، ذلك هوَ الذي أطلقتْ الإدارة الاستعمارية في الخرطوم اسـمه على شارع يمتدّ من شواطئ النيل الأزرق شمالاً إلى أقصَى جنوب العاصمة الخرطوم. بعد الاستقلال أبدَلتْ الحكومة الوطنية اسـم ذلك الشارع وأطلق عليه “شارع الحرية”، وطوَى النسيان اسم ذلك الكولونيالي النبيل. أجل هـو “كولونيالي”.. لكنه أغـدق على السودان أفضالا لا ينكرها السودانيون منها مساهماته في التنوير وفي تطوير التعليم وفي الإدارة وفي الإعلام ، ممَّا هيَّأ ظروفاً نال بعدها السُّـودان حقوقه في تقرير مصيره وحكم بلاده.
(7)
إنَّ قصّة الإداري الكولونيالي النبيل، والذي أحبّ السودان والسُّودانيين، وتركَ من نُبلهِ بعض إرثه في السودان، لم تنتههِ بمـوته، بل أوصَى بمواراة جَـدثه ثرَى ارضه. تجد السودانيين- ولا أقول كلهم- تغاضوا عن ذكره، ربَّما عن قصدٍ أو مِن غير قصد. جرَى مَحـوُ آثاره ولم يكتفـوا، بل مضـوا إلى أبعـدَ من ذلك، وكأنَّ بيـنهُـم والرَّجل ثـأراًٌ قـــديـما، أو ترى جُـوّز لبعضهم تحميلَ الرَّجلِ كلَّ أوزار الكولونيالية في البلاد .
دعني أحــدّثك المزيد من الإنكار عمّا فعل مَنْ وُليَّ منصب وكيل وزارة الخارجية، في ثاني عقد للألفـية الثالثة. إذ بعد أن توسَعتْ وزارة الخارجية وزادتْ أعداد سيارات “جيـاد” التي منحتْ لموظفي الوزارة ، ضاقت عليهم مواقـف السَّيارات في ساحاتها وميادينها، فباتتْ الحاجَـة مُلِّحـة لمواقف أكثـر وأوسـع ، فإذا الوكيل العبقري يأمر بقطع شــجرة “التـبـلـدي” – ربما الوحيـدة في العاصمة- وهيَ آخر أثرٍ كان للسير “دوجلاس نيوبولد” أمام مسكنه الأثري والذي كان قد أزيل قبل ذلك بنحو أعوام قليلة. شـهدتُ بعينيَّ وقـتها الجرّافات والمناشير تفعل فعـلها بالشجرة القتيـلة. لمْ يَبـقَ إلا أن يجرؤ بعدها متطرّفٌ من ذئابِ المتأسلمين والبصَّـاقين، فيسـعَى لنبش مَرقـد الرَّجل في “مقـابر البروتستانت” قـبـالة مدرسة “القسيس فرانسيس” في قلب الخرطوم . .
(8)
أجزعُ حينَ أنظر حالنا الساعة، والحربُ تطحن البلاد، قتلاً وذبحاً وتشريدا، وتقضي على أخضر البلاد ويابسها، ونرى جُلَّ بناها التحتية تُـدمّـر، وهـياكلها تُســوَّى بالأرض. وأجزع أكثر حينَ أرى من حولنا كيف تُهدَر وتضيَّعَ مقدرات تاريخ البلاد، الصَّلب والنَّاعم من إرث حفظته متاحِـفُ، ومِن مخطوطاتٍ رَعـتها مُؤسَّسات أكاديمية وتعليمية رصينة. لي أنْ أرَى أنَّ لتلك الأفعال جذوراً في ذِهـنية شــريرة ، عشعَـشتْ في رؤوس أكثر السُّـودانيين المنخرطين في جــولات القـتال والدَّمار. جاز لي أن أقول بعدها : إنَّ افـناء الذات لهوَ محضُ عِـلَّـة بنـيـوية لا تفسـيـر لها ولا مرجعية تبرّرها، إلا فشـلنا في قبول بعضنا البعض برغم تنوّعِ معتقـداتنا، وطـوائفـنا، وسـحناتنا، وألسـنتنا.
إنّ لكرامة الوطن جـذوراً في ســلوكِ بشَــرِها، مثلـما هيَ في تاريخها وبيئـتها وإرثها وشــجرها، وأيضاً تبـلـدياتـها. .

القاهرة – 25/8/2025

jamalim@yahoo.com

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …